ترجمة وتقديم: أحمد رباص – حرة بريس

في إطار مواكبتي للخطاب الفلسفي الغربي حول جائحة كوفيد 19، قادني بحثي على الإنترنت إلى مقال للفيلسوف والأكاديمي الإيطالي روكو رونشي المعنون ب «فضائل الفيروس»، يعتبرافيه أنّ الإجراءات الطارئة التي تفرضها مقاومة الجائحة تعمل على إضفاء الطابع العالمي على «حالة الاستثناء» التي ورثها الحاضر من «اللاهوت السياسي» في القرن العشرين؛ مما يؤكّد فرضية ميشيل فوكو، بأنّ السلطة السيادية الحديثة هي «سياسة بيولوجية»، على حد تعبير هذا الفيلسوف الذي نظر إليها كممارسات وصلاحيات لشبكة السلطة التي تدير الجسد الإنساني والسكان في مجال مشترك بين السلطة والبيولوجيا، وفي زمن الانتشار الشامل للرأسمالية.
ويقول الفيلسوف الإيطالي إنّ الفيروس يجعلنا نتذكر حالتنا البشرية، في حال نسينا أننا بشر، محدودون، محتملون، ناقصون… إلخ، مما يجبرنا على التأمل في الوجود والحياة والتوقف عن تجنب الحقائق.
نشر هذا المقال الذي ترجمته من الإيطالية إلى الإنجليزية إيما كاثرين غينشفورث يوم سابع عشر مارس 2020 في موقع journal-psychoanalysis.eu. وأقول لمن أراد أن يبحث في الشبكة العنكبوتية عن ترجمة عربية أخرى ليقارنها بمحاولتي هاته ويكتشف أيهما كانت وفية للنص الأصلي، لا تتعب نفسك لأن الترجمة العربية الوحيدة هي التي بين أيديك الآن. وهذا لا يعني أن محاولتي هاته معصومة من الخطإ ومتصفة بالكمال، كما لا يعني أن لا ذكر ل”فضائل الفيروس” باللغة العربية في الإنترنت، بل نجد أن هناك مقالين فقط أشار كاتباهما بشكل مقتضب لهذا المقال وصاحبه.
‘من الصعب مقاومة إغراء المماثلة عند محاولة إعطاء معنى لأبعاد الحدث الوبائي. في التأملات المصاحبة لانتشاره غير المراقب، أصبح كوفيد-19 نوعا من الاستعارة المعممّة تقريبا والرّاسب الرّمزي للحالة البشرية في فترة ما بعد الحداثة. إن ما حدث قبل أربعين سنة، مع فيروس نقص المناعة البشرية، يعيد نفسه اليوم. يظهر الوباء كنوع من التجربة الحاسمة، القادرة على اختبار الفرضيات التي تنطلق من السياسة نحو آثار العولمة، نحو تحويل التواصل في زمن الإنترنت – للوصول إلى ذروة أرقى التكهنات الميتافيزيقية. إن ما يتسبب فيه الفيروس من عزلة وعدم الثقة والشك، يجعله بدلاً من ذلك “شعبويا” و “سياديا”. يبدو أن الإجراءات الطارئة التي فرضها علينا تعمل على إضفاء الطابع العالمي على “حالة الاستثناء” التي ورثها الحاضر من اللاهوت السياسي في القرن العشرين، الشيء الذي يؤكد أطروحة فوكو بأن السلطة السيادية الحديثة هي سياسة بيولودجية (قوة يتم التعبير عنها في الإنتاج وتدبير وإدارة “الحياة”). كذلك، بسبب عدم الكشف عن الهوية الأساسية التي تميزه، يبدو أن الفيروس يشترك في نفس الكيف غير المادي الذي يؤسس لسيطرة الرأسمالية المالية. نظرا لكونه معديا، يمكن مقارنته بسهولة بالطبيعة الاستباقية و”الفيروسية” للتواصل عبر الإنترنت. أخيرا وليس آخرا، يشير الفيروس إلى حالتنا البشرية الأبدية. في حالة ما إذا نسينا أننا بشر، محدودون، محتملون، ناقصون، متطلعون إلى أن نكون أنطولوجيين، إلخ، فإن الفيروس موجود هنا ليذكرنا، مجبرا إيانا على التأمل وتصحيح لهونا، كمستهلكين قهريين. هذه الاعتبارات مشروعة. إنها، في الواقع، مبررة تماما. هنا، مع ذلك، يكمن أيضا عيبها. إذا كان لها معنى، فذلك على وجه التحديد لأنها تختزل ما هو غير معروف في ما هو معروف. تستخدم الفيروس كدليل بديهي يستجيب – للتحدث بلغة فينومينولوجية – لتوقع نظري. للحصول على البصيرة النقدية التي يتم تطويرها حول الفيروس ، فإن كوفيد 19 هو اسم لأحد أفلام الخيال العلمي يستخدم لتوثيق المعرفة السابقة.
ومع ذلك، إذا كان صحيحا أن الفيروس يعرض خاصية الحدث (سيكون من الصعب إنكار ذلك)، فيجب أن يمتلك “فضيلته” أيضا. الأحداث ليست كذلك لأنها “تحدث” أو على الأقل ليست فقط بسبب ذلك. الأحداث ليست “وقائع”. على عكس الوقائع البسيطة، تمتلك الأحداث “فضيلة”، قوة، خاصية، أي أنها تفعل شيئا. لهذا السبب، يكون الحدث دائما مؤلما لدرجة أننا نقول إذا لم تكن هناك صدمة، فلن يكون هناك حدث، وإذا لم تكن هناك صدمة، فمن المؤكد ألا شيء يحدث. ماذا تفعل الأحداث بالضبط؟ تنتج الأحداث تحولات لم تكن ممكنة قبل حدوثها. في الواقع، هي لا تظهر إلى الوجود إلا “بعد” وقوع الحدث. باختصار، الحدث هو كذلك لأنه يولد إمكانية “حقيقية”. يجب على المرء أن يضع في اعتباره أن “ممكن” هنا يعني فقط ما هو قابل للتنفيذ. الإمكان يعني القدرة على فعل شيء ما. الإمكان ليس مجردا، هو ليس تخيلا حرا لعوالم أخرى أفضل من هذا العالم. وحتى نبقى في المستوى البراغماتي، دون الانغماس في الميتافيزيقيا، الإمكان “مقدرة” والمقدرة ليست سوى عمل، نشاط محدد. وبالتالي، فإن “فضيلة” حدث ما تتمثل في جعل الطرائق الإجرائية ممكنة، الطرائق التي كانت “من قبل” مستحيلة بكل بساطة، غير مفكر فيها. ويترتب على ذلك أن الحدث لا يمكن التفكير فيه إلا انظلاقا من المستقبل الذي تولد عنه (وليس من الماضي)، لأنه يحول، لأنه يخلق ما هو حقيقي، بجانب إمكانه. لذا يكون الحس المشترك صائبا عندما يُنظر إلى الحدث على أنه “فرصة” لـ “منح فضيلة للضرورة”.
نحن قريبون جدا من حدث كوفيد 19 بحيث نستطيع إلقاء نظرة خاطفة على المستقبل الذي يحمله، بما أن خوفنا ضعف بشري، يجعل منا شهودا لا يمكن الاعتماد عليهم. ومع ذلك، فإن بعض علامات التحول في النموذج الذي يولده هذا الفيروس مرئية بالفعل، وتظهر إحساسا غير متوقع. ولعل أكثر ما يلفت النظر هو الاختفاء المفاجئ للإيديولوجية المرتبطة بـ “الجدران”. لقد جاء الفيروس في وقت بدا فيه أن الكوكب يتقارب نحو الاعتقاد المشترك بأن الاستجابة الوحيدة لـ “التهديدات” التي تفرضها العولمة تتمثل في إعادة تعريف الحدود الخاضعة للحراسة والهويات القوية. تكره الشعوبية الكتب، لكنها تؤمن بعقيدة أسبقية “الثقافة”، التي تُفهم بالمعنى الأنثروبولوجي. إن نوع المجتمع الذي يروج له هو في الواقع تاريخي ورومانسي وتقليدي. هذا المجتمع محلي بحكم تعريفه، عدوه اللدود هو التجريد البارد للعولمة. ما هو أكثر غرابة في نظر الشعبوية هو الطبيعة، التي ليست سوى مورد يمكن استغلاله من أجل رفاهية المجتمع (يحتاج المرء فقط إلى التفكير في بولسونارو واجتثات غابات الأمازون، في ترامب وعدم مبالاته بالاحتباس الحراري.). لا يشك الشعبويون أبداً في فكرة أن الإنسانية “استثنائية”. على العكس، إنها مقولة إيمانية. يمكنني أن أضيف أنه إذا قبل شعبوي الصليب، فذلك لأن هذا الفعل يؤكد لاهوتياً هذا الاستثناء. في غضون أيام، وبسرعة لا تصدق، أجبرنا الفيروس جميعا، عن طيب خاطر أو بدونه، على أن نعاين بأنفسنا – من خلال الإجراءات اليومية (غسل اليدين …) – مصير المجتمع العالمي، أكثر من ذلك، مصير مجتمع الإنسان مع الطبيعة. لم يتم التغلب على تحيزنا الثقافي والمتمركز حول الإنسان بفعل التعليم البطيء وغير الفعال في الغالب: كان السعال كافيا ليجعل من المستحيل فجأة التهرب من المسؤولية التي يتحملها كل فرد تجاه جميع الكائنات الحية لسبب بسيط وهو أن يكون جزء من هذا العالم، وراغبا في أن يكون جزءا منه …
من خلال القوة الموضوعية للصدمة، يظهر الفيروس أن الكل دائما ما يكون ضمنيا في الجزء، وأن “كل شيء، بمعنى ما، في كل شيء” وأنه في الطبيعة لا توجد مناطق مستقلة تشكل استثناء. في الطبيعة ليس هناك ” سيادة عنصر ما على شيء ما”، كما كتب سبينوزا، ساخرا من ادعاءات “الروح ” بالتفوق على “المادة”. أحادية الفيروس وحشية وقاسية. إذا كانت الثقافة غير متضامنة، إذا أقامت حواجز وأنشأت أنواعا، إذا حددت درجات في المشاركة في فكرة الإنسانية، وتتبعت الحدود الرهيبة بين “نحن” و”البرابرة”، فإن الفيروس يصيبنا ويرغمنا على البحث عن حلول مشتركة. لا أحد، في مثل هذا الوقت، يمكن أن يعتقد أنه من الممكن أن ينقذ نفسه بمفرده، ولا يمكن القيام بذلك دون إشراك الطبيعة في هذه العملية. يقال أن الوباء يؤدي إلى إقامة مناطق حمراء، وعزل منزلي، وعسكرة الأراضي. هذا هو الحال بالفعل. هنا، مع ذلك، للجدار معنى مختلف تماما إذا ما قورن بالجدران التي يبنيها الأغنياء لإبعاد الفقراء. تم تشييد جدار يفصل عن الآخر، ذكرا كان أم أنثى. في أوقات مثل هاته يختزل “جارك” ​​بشكل جذري إلى بُعد “أي شخص”. أقيم الجدار، بجميع أشكاله، بما في ذلك المتر الذي يفصل بين الأشخاص الواقفين في طابور، ليحل محل المصافحة، التي أصبحت مستحيلة الآن، مع “أي شخص”. إنها وسيلة للتواصل، وليس علامة على الاستبعاد. وهذا ما يؤكد حقيقة أن الخطاب الفاشستي لم يكن قادرا على تلوين هذه الجدران واستخدامها لتوضيح مدى صحتها في مقترحاته بشأن الفصل. في مواجهة القوة الهائلة لهذا الفيروس، كان على الفاشيين أن يضعوا، على الأقل للحظة، سلاحهم الأكثر فعالية.
نحن قريبون جدا من الحدث أيضا حتى نتمكن من تقييم الآثار التي ستكون له على المجال السياسي. لكن هناك حقيقة واحدة يجب ملاحظتها. يبدو أن الفيروس يستعيد الأسبقية التي كانت في السابق ذات طابع سياسي. استخدم الفكر الكلاسيكي استعارة للتعبير عن هذه الأسبقية عبارة عن صورة لربان سفينة تمخر عباب البحار العاصفة. كان المفكرون في الماضي واقعيين، وكانوا يعلمون أنه لا توجد موانئ آمنة للرسو فيها وإنهاء الرحلة. قالوا إن الملاحة ضرورية، والحياة ليست كذلك. إن “العنصر” الذي يطهر السياسي هو نوع من الطبيعة يلعب فيه الحظ والصدفة والمخاطر دورا لا يمكن إصلاحه. “الفضيلة” السياسية تتمثل بالفعل في اختبار قوة هذا العنصر، والتحكم فيه بالذكاء الماكر (metis) والمرونة. فضيلة سياسية بالتحديد لأنها تتخلى عن الوهم “البشري، البشري للغاية” بأنه من الممكن امتلاك قوة العناصر الطبيعية، الوهم الذي يشكل، على العكس، الحلم الميتافيزيقي للإنسانية “الحديثة”، التي تتصور العلاقة مع الطبيعة كما لو كانت حرب الروح ضد المادة الغاشمة. الأسبقية السياسية تعني حكم الطبيعة وليس الهيمنة عليها. مما لا شك فيه أن فرضية الهيمنة هي بالضبط التي سخر منها السعال في ووهان، السعال الذي يجعل من الضروري تطبيق الذكاء البراغماتي لطيار السفينة ليحكم، قدر الإمكان، عفوية عملية تتكشف ضد نوايانا. يمتلك كوفيد 19 أيضا هذه الفضيلة: فهو يأمر السياسة بتحمل مسؤوليتها المحددة، ويعيد الأسبقية التي تركتها السياسة بشكل خادع إلى مجالات سيادية أخرى، وتصبح تابعة لها، وتعلن ضعفها وتقتصر على لعب دور تقني حصري. بعد ووهان، لا يمكن وضع جدول أعمال إلا من خلال السياسة، التي يجب أن تمخر عباب البحار العاصفة لعدوى كاسحة لا يمكن وقفها (في الواقع وصف اليونانيون الفضيلة السياسية بأنها “cybernetic”، أي بحري). في الواقع، ما بدا حتى قبل بضعة أسابيع أنه ادعاء غير واقعي أصبح الآن شعارا. يجب أن يكون للسياسة الأسبقية على الاقتصاد. هذا الأخير هو الذي يجب أن يستسلم لاحتياجات الأمير الذي يهتم بمصير طاقمه.
أخيرا، يدعونا الفيروس إلى التأمل. لا أعتقد، مع ذلك، أن الهدف من هذا التأمل هو عرضية الوجود والطبيعة الهشة للشؤون الإنسانية. نحن بالتأكيد لا نحتاج إلى كوفيد 19 للتأمل في هشاشتنا. حقا، لن يختفي هذا القلق أبدا . بدلاً من ذلك، يصور الفيروس الوجود، ووجودنا ووجود الآخرين على أنه “مصير”. فجأة نشعر بأننا نتعرض لجرأة من شيء يتغلب علينا، ينمو بصمت خفي أعضائنا، متجاهلاً إرادتنا. هل تقوضت الحرية إلى هذا الحد؟ من المؤكد أن تكون فكرة الحرية هذه ناقضة إذا تعارضت مع حتمية ما يحدث. من بين فضائل الفيروس، يجب أن نذكر أيضا قدرته على توليد فكرة أكثر واقعية للحرية: الحرية التي تم تحقيقها في فعل شيء حول ما يفعله المصير بنا. أن تكون حراً يعني أن تفعل ما يجب القيام به في موقف معين. هذا ليس تجريدا فلسفيا. نراه يتجسد في الجهود التي يبذلها الناس بالجدية والتفاني اللذين يعمل بهما آلاف الأشخاص يوميا لإبطاء انتشار العدوى.”