أحمد رباص – حرة بريس

اسم العروي مشتق من صيغة الجمع “أولاد العروي”، الذين يشكلون عائلة غير معروفة – بحسب عبد الله العروي – وقليلة العدد. تتكون من فرعين: واحد يقيم في الجديدة بينما الثاني المتحدر منه يقيم بأزمور.
إذا كان هذا الاسم غير معروف في المغرب، فهو ذائع الصيت في الخارج لفترة طويلة. بالصدفة، اكتشف كاتبنا وجود هذا الاسم في تونس. وجده مذكورا في كتاب “الإحاطة” لابن الخطيب عندما ذكر اسم أول من كتب تاريخ الأندلس وكان اسمه أحمد بن موسى العروي الذي توفي في 388 هـ / 988.
كيف السبيل إلى التطرق إلى حياة عبد الله العروي علما بأنه يتجنب الحديث عنها؟. دعنا نقول معه إن الزمان والمكان هما اللذان جعلا منه ما هو عليه. لقد تبين أنه من المفيد جدا تحديد موقع هذا المفكر الخارج عن المألوف ضمن سياقه. دون الوقوف طويلا على سيرته الذاتية، سوف نتبع مساره بالأولى كمفكر لتسليط الضوء على اللحظات التي ساهمت في تشكيل شخصية وفكر فريد، أصيل وجذاب ولكن غالبا ما يساء فهمه.
ما يميز هذه الشخصية هو أولاً وقبل كل شيء بعده القومي وتجذره في البيئة القومية العربية وانفتاحه على الكوني. لا يشعر عبد الله العروي بأنه ينتمي إلى منطقة محددة ولا قبيلة معينة. إنه يعتبر هذه الانتماء مجرد وهم. وفقا له، يتعلق الأمر كثيرا برابطة عوض قرابة في الدم. توقف العروي عن الدفاع عن المجموع. هو مع ما يوحد القوم، الأمة والدولة دون السعي مع ذلك إلى إدماج التروس في هذه الأخيرة.
كثير من الناس لا يفهمون منطق هذا المفكر. ينعت بأنه متباعد، بارد في علاقاته ومن الصعب جدا الاقتراب منه. من خلال قراءة كتاباته الروائية ومذكراته نكتشف أن هذا المفكر عانى من الشعور بالوحدة منذ طفولته المبكرة. ازداد يون 7 سبتمبر 1933 بأزمور، المدينة الصغيرة المحاذية لمصب نهر أم ربيع. ماتت والدته ولم يتجاوز عمره السنتين. حلت طامو، جدته لأبيه، مكانها لفترة قصيرة. ماتت هي الأخرى عندما كان عمره 11 عاما.
ربما هذا الوضع هو ما يفسر الإجابة التي قدمها لصحافي سأله عما هو الموت؟ فأجاب: إنه الرفيق الصامت.
كان للعروي علاقة خاصة مع أخته زهرة. كانت هي التي اعتنت به بعد اختفاء جدته. أما بالنسبة لدراسته فقد كان شقيقه الأكبر عبد المالك هو الذي حرص على تعليمه. يتحدث العروي عن عائلته بتواضع وبساطة. يقول إن بعض أفراد عائلته مارسوا وظائف لصالح المخزن مثل خليفة أو قائد، ولم يحصل الابتعاد عن خدمة المخزن إلا في بداية القرن العشرين. عمل أبوه في وقت ككاتب للقائد. مارس التجارة، باع النعال قبل الإفلاس بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929 ومنافسة المنتجات اليابانية.
يفيد مفكرنا بأن والده لم ينضم إلى أي زاوية. لم يؤد أبدا فريضة الحج، ولم يبدأ في أداء الصلاة حتى نهاية حياته. لم يجبر أطفاله على إقامة الصلاة. كان والده، بحسب أقوال المؤلف، واقعيا وعاشقا للتاريخ. إنما معه اكتشف ابن خلدون إسلام العقل. من خلاله، اكتشف مفكرنا الإسلام كموضوع للنقاش وليس كقاعدة في الحياة (سنة) أو كواجب (فرض).
مع والده، تم تناول الدين كموضوع للدراسة. بإماطته اللثام عن علاقاته بوالده، يعود العروي إلى الأم بوصفها مصدرا للعاطفة، ويكتب بهذا الصدد انه في حالة غياب أم تمكنت من إعادة التوازن، تحدث الإسلام إلى عقله أكثر مما تحدث إلى قلبه.
وقال عبد الله العروي إنه عاش في بيئة ليبرالية، وكان على استعداد لقبول واحتضان منظور المفكرين العقلانيين.
أمضى عبد الله العروي سنة في مدرسة قرآنية قبل أن يلتحق بمدرسة ابتدائية عمومية. في سن الحادية عشر، غادر مسقط رأسه ليواصل تعليمه في مدارس داخلية بمدن مختلفة، أولاً بمراكش في إعدادية ثم بالرباط في ثانوية مولاي يوسف. بعد حصوله على الباكالوريا درس التاريخ في ثانوية جورو تحت إشراف الأستاذ لوزينكي، والجغرافيا في ثانوية ليوطي بالدار البيضاء تحت إشراف الأستاذ جان لويس مييج.
من الواضح أن الانفصال المبكر لمفكرنا عن عائلته وعزلته كانا حاسمين في تشكيل شخصيته كما يشير هو نفسه عندما كتب أنه على عكس زملائه الشغوفين بالأدب والشعر، انجذب إلى الفكر المجرد. ويقول إن هذه الميول بدت له في ما بعد كأنها تعود ربما إلى الحرمان العاطفي المحتمل.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube