أحمد رباص – حرة بريس

مما لا شك فيه أن ما بين النظريات والوقائع اعتمادا متبادلا في العلم التجريبي؛ ذلك أن النظريات تفسر الوقائع وهذه تؤيد تلك. وعلى هذا الأساس تبقى النظريات التي لم تدعمها الوقائع عديمة الأساس، كما تظل الوقائع التي لا تؤولها النظريات عمياء.
وقد علمنا تاريخ العلم أن الأخير لا يبتغي تفسير الوقائع الملاحظة فحسب، أو تعميمها على الوقائع بواسطة نظرياته التفسيرية، بل يحاول أيضا تفسير هذه النظريات بنظريات أقوى. وخير مثال على قولنا هذا ما حدث لنيوتن الذي خطرت بباله الفرضية الجبارة القائلة بأن حركة الأجرام السماوية وحركة الاجسام الاعتيادية متماثلتان. واعتمادا على هذه النتيجة التي توصل إليها نيوتن والتي صاغها في نظرية الجاذبية، يمكن تفسير نظريات العلماء كوبرنيكوس وغاليليو وكيبلر وإدماجها في منظومة شاملة.
لكن، منذ نظريات عدم الاكتمال لجودل، تظل الوقائع القابلة للتكرار صحيحة حتى يتم العثور على استثناءات تشذ عن القاعدة.
ومنذ ظهور مبرهنات عدم الاكتمال الخاصة بجودل، لم تعد مجموعة الافتراضات التي يمكن إثبات صحتها ومجموعة الافتراضات التي يمكن إثبات خطئها مكملة لبعضها البعض، وهذا صحيح في المجال الأكثر منطقيةً وصوريةً؛ ألا وهو علم الحساب.
ثم جرى توضيح أنه لا توجد فقط افتراضات غير قابلة للتقرير، ولكن كل شيء تقريبا غير قابل للتقرير.
يعمل العلم في الواقع في الاتجاه المعاكس: فنحن نعتبر وقائع “حقيقية” تلك القابلة للتكرار مثل “إذا أطلقت حجرة، فإنها تسقط”. ثم نكتشف الوقائع التي تدحض هذه “الحقيقة” مثل “ما لم تكن حجرة تغطس في الماء” أو “ما لم تكن في قمر صناعي عديم الوزن”، وفي كل مرة نقول لأنفسنا أنه يجب تمييز الحقائق عن القوانين والنماذج والنظريات التي نستخلصها منها، مثل مبدإ أرخميدس، وجاذبية نيوتن، بينما نحن، مع النسبية، إزاء “الأرض هي التي تتسارع باتجاه الحجرة في الزمكان”.
ولاكتشاف ارخيميدس قانون الدافعة المعروف باسمه قصة ارويها كما يلي:
في إحدى الأيام أمر ملك المدينة صائغه بأن يصنع له تاجًا من الذهب الخالص، وشرع الصائغ بصنع التاج وانتهى من صناعته وأرسله للملك، تسلل الشك إلى قلب الملك وبدأ يظن بأن الصائغ قد غشه وسرقه، فاستدعى الملك أرخميدس وكلفه بمهمة الكشف عن إذا ما كان التاج مصنوعًا من الذهب الخالص أم لا.
واجه أرخميدس في بادئ الأمر صعوبات عدة، فلم يكن العلماء في ذلك الوقت على دراية بمبادئ التحليل الكيميائي، وذات يوم بينما كان أرخميدس في حوض الاستحمام وجد أن الماء يرفع رجليه كلما حاول أن يدفع رجليه نحو الأسفل، وأن هناك قدرًا من الماء يزاح نتيجةً لذلك.
انطلق أرخميدس صارخاً: “وجدتها،وجدتها..”أخرج التاج ووزنه ووضعه في الماء، وفي نفس الإناء وضع أرخميدس كتلة من الذهب الخالص لها نفس وزن الجسم الأول، لاحظ أرخميدس أن كتلة السائل التي أزاحها التاج تختلف عن كتلة السائل التي أزاحتها قطعة الذهب الخالص، ويعود ذلك إلى اختلاف كثافة كل من الجسمين وبالتالي اختلاف دفع الماء على كتلة كل منهما.
وبهذا استطاع أرخميدس أن يتسبب في إنهاء حياة الصائغ للأبد وذلك عندما كشف للملك أن شكوكه كانت في موضعها وأن التاج ليس مصنوغًا من الذهب الخالص، وأن يضع لنا أحد أهم المبادئ الفيزيائية المستخدمة إلى يومنا هذا، وهو مبدأ أرخميدس الذي ينص على أنه “عند غمر جسم ما كلياً أو جزئياً في سائل لا يذوب فيه ولا يتفاعل معه؛ فإن السائل يدفع الجسم بقوة تدعى (دافعة أرخميدس)، وهذه القوة تساوي وزن السائل الذي يزيحه الجسم عند غمره”.
والنتيجة التي يمكن الخروج بها من هذه السردية هي أن قابلية الدحض او التفنيد لتي يمكن تلخيصها بعبارة “حتى يثبت العكس …” هي خاصية أساسية للقضايا العلمية.
لكن هذا لا يعني أن لدينا شكوكًا، أو حتى الحق في الشك عندما وصفت النظرية بشكل صحيح العديد من الوقائع منذ عقود أو حتى منذ قرن. لدينا الحق في أن تكون لدينا شكوك إذا كانت لدينا وقائع (قابلة للتكرار، أو على الأقل يمكن التحقق منها …) والتي تبدو الآن غير متماسكة، وليس قبل ذاك. في كثير من الأحيان لا ندحض النظرية تماما، بل نقوم بتنقيحها.
بالنسبة للعلوم الأقل صعوبة مثل علم الأحياء، يكون الأمر أكثر تعقيدا لأن الوقائع إحصائية: نحن متأكدون بنسبة 95 ٪ أن مثل هذا اللقاح يحمي بنسبة ما بين 78 ٪ و 92 ٪ من العدوى إذا تم تلقيه بعد مرور 12 يوما على الإصابة أو قبلها ب3 أيام.
هامش الخطأ قابل للقياس الكمي، لكن الأمر يتطلب تجارب كبيرة وحساسة للغاية ومكلفة لدحض مثل هذه الادعاءات. هنا مرة أخرى، في أغلب الأحيان، تجعل التجارب الإضافية من الممكن صقل المعرفة، عن طريق تقليل أو زيادة فترة الثقة في النتائج.
صياغة فاصل الثقة حول متوسط ​​ملاحظ x مع انحراف معياري ملحوظ s على عينة بالحجم n.
لقد مضى بعض الوقت منذ أن احتج العلم بمفهوم الحقيقة. فقط الفلاسفة القدامى يؤمنون به. يقدم العلم نماذج ونظريات تصف الواقع بمستوى جيد من الثقة، لأن هذا أفضل ما يمكننا فعله.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube