أعتقد أنّ الأسوأ من الدّيكتاتوريّة، هو تأخّر الدّيمقراطيّة. فالانتظار يشعر المواطن بالضّجر ويصيب حماسه في مقتل. بل قد يدفعه للاستسلام والتّطبيع مع الواقع. والأخطر من هذا كلّه، هو أنّ تفقد الممارسة السّياسيّة معناها، وتظهر طبقة سيّاسيّة تلهث فقط خلف بريق السّلطة، وامتيّازاتها. وتصبح ممارستها للشّأن العام، إما عن علم أو جهل بوّابة لردّة سيّاسيّة مشروعة، تعيد عقارب التّاريخ إلى زمن الاستبداد. فهل الطّبقة السّيّاسيّة الحاليّة مؤهّلة لحماية الحلم الدّيمقراطي في المغرب؟ هل يمكن أن نبني دولة قويّة بأحزاب سيّاسيّة ضعيفة؟ وهل من مصلحة الدّولة أن يختلّ ميزان القوّة ولو لصالحها؟ وأخيرا كم سيدوم انتظارنا في “قاعة الانتقال الديمقراطي”؟

المقالة الأولى: أطر الدّولة في مواجهة “أطر” الأحزاب

كما هو الحال في كلّ الملكيّات العريقة في العالم، فإنّ الملكيّة المغربيّة أو دار المخزن -كما يصطلح عليها في موروثنا الثّقافي- لها تقاليدها وطقوسها ومناهجها الخاصّة سواء أتعلّق الأمر بإعداد الملوك للجلوس على العرش أو باختيار رجال السّلطة -بمختلف رتبهم- الّذين سيقومون بخدمة العرش. وإذا كان نظامنا الدّيمقراطي لا يزال فتيّا للبوح بكل أسرار دار المخزن بشكل رسمي، فإنّ بعض السّير الذاتيّة والتّصريحات (الأمير هشام العلوي، الدكتور عبد الهادي بوطالب، الدكتور حسن أوريد إلخ). ألقت ببعض الإشارات الّتي لا مناص من التقاطها لفهم كيف يعدّ القصر أطره ورجالاته.

1 المدرسة المولويّة:

كان التّقليد في العائلة الملكيّة هو أن ينال الأمراء تعليما دينيّا عتيقا، غير أن السّلطان محمّد الخامس رحمه الله، كان له رأي آخر. بحيث انتبه إلى ضرورة المزاوجة بين التّكوين الاسلامي العتيق والتّكوين الفرنسي العصري، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس المدرسة المولويّة سنة 1942. حيث كانت فلسفته مبنيّة على جعل هذه المدرسة مكانا يلتقي فيه أمراء البلاط بأقرانهم من الأطفال المغاربة، حتّى يكون محيط الدّراسة صورة مصغّرة عن المغرب. خضعت هذه المؤسّسة في البداية للإشراف الصّارم للإقامة العامة، لكن كانت تحت مسؤوليّة السّلطان محمّد الخامس رحمه الله. 
المعارف الّتي يتلقّاها الأمراء والأميرات وزملاءهم من أبناء الأعيان، أو أبناء العوام المتفوّقين لا علاقة لها بالمناهج التّعليميّة الّتي ينهل منها المغاربة في باقي المؤسّسات سواء أكانت خصوصيّة أم عموميّة. بل وتخضع مقرّرات التّعليم فيها للتحديث بشكل مستمر لتواكب التّطوّرات. كما أنّ هيئة التّدريس فيها تشكّلت من نخبة متمكّنة جدا من تخصّصاتها، بالإضافة إلى كارزميّتها. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: القائد الأممي المهدي بنبركة، والمستشار الملكي الدّكتور عبد الهادي بوطالب، والدكتور محمّد الفاسي أحد الموقّعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، والقاضي امحمد باحنيني، والدكتور محمد شفيق الأب الروحي للحركة الأمازيغيّة، ثمّ المستشار أحمد بنسودة إلخ. وإذا كان الفوج الّذي درس مع جلالة الملك الحسن الثّاني رحمه الله لم يجد موطئ قدم له في بنية حكمه باستثناء صهره أحمد عصمان، فإنّ الّذين درسوا مع جلالة الملك محمد السّادس معظمهم تقلّد مناصب مهمّة في هرم السّلطة: فمثلا السّادة: سمير اليزيدي، دريس آيت مبارك شغلا منصب عامل على كلّ من إقليمي بنسليمان فكيك. السّيد أنس خالص عيّن مديرا لإدارة التّشريفات في وزارة الخارجيّة والتّعاون. السّيّد: ياسين المنصوري وضع على رأس الإدارة العامة للدّراسات والمستندات. السّيّد: فؤاد عالي الهمّة يشغل منصب مستشار ملكي. السّيّد: نور الدّين بنسودة هو الخازن العام للمملكة. السّيّد: رشدي الشرايبي كان مديرا للدّيوان الملكي. السّيّد: حسن أوريد كان ناطقا باسم القصر الملكي ومؤرّخا للملكة قبل أن يطلب الإعفاء. والسّيّد: محمد فاضل بنيعيش ويلقّب أيضا بالسّفير الملكي كان سفيرا للمملكة المغربيّة بإسبانيا.
 ما يجمع هاته الأسماء، هو رصانة التّكوين في مجالاتها، وإتقانها للّغات. وإذا كانت طبيعة المهمّات الموكلة إليها تمنعها من الخروج من منطقة الظّل، فلربّما يبقى الدّكتور حسن أوريد نموذجا يمكن القياس عليه إلى حدّ ما، فالرّجل يتقن أكثر من لغة، ولديه انتاجات أدبيّة محترمة، بالإضافة إلى تكوينه الأكاديمي في المجال السّيّاسي. وعلى الرّغم من أنّه أصبح “خارج” المحيط الملكي، إلّا أن الملاحظ في كلّ خرجاته الإعلاميّة هدوءه وكاريزميّته وحذره في التّصريحات إلخ. ممّا يعني أنّ الّذين كانوا يسهرون على تكوينهم كانوا لا يتركون أيّ شيء للصّدفة. 

2 المعهد الملكي للإدارة التّرابيّة:
يعتبر هذا المعهد مؤسّسة لتكوين الأطر العليا، مهمّته هي تكوين رجال السّلطة لوزارة الدّاخليّة. ويرتكز هذا التكوين بالإضافة إلى التّدريب العسكري على العلوم والتّقنيّات ومناهج التّسيير وعلى شروط تطبيقها ميدانيا في تأطير السّاكنة وتدبير المجال. وحسب قرار وزير الدّاخليّة رقم 283.09، فرجال السّلطة لديهم وحدات ثابتة في التّكوين مثل: المؤسّسات المغربيّة، النّظام والبيئة السّيّاسيّة، إدارة التّراب، السّكان والمجتمع، التّعمير وإعداد المجال، البعد الإداري لوظيفة رجال السّلطة، مكوّنات التّنميّة المحليّة بالإضافة إلى وحدات فرعيّة أخرى. هذا النّوع من التّكوين يجعل رجل السّلطة اليوم عكس الماضي ملمّا بالعديد من الملفّات، ومسلّحا بكثير من المعرفة والمهارات الّتي تمكّنه من اتقان عمله، على الأقل من النّاحيّة النّظريّة.
إذا كانت صورة رجال السّلطة في زمن مضى سيّئة وصلت إلى حدّ التندر بهم، فإن الزّمن الرّاهن يقول بأنّ الآية قد عكست تماما، ورجال السّلطة صاروا أكثر تكوينا من الفاعل السّيّاسي. فأغلب الولاة أو العمّال حاصلون على دبلوم مهندس دولة بالإضافة إلى خبرة مهنيّة محترمة. كما أنّ الولوج لسلك القيّاد يتطلّب تكوينا أكاديميّا قانونيا واجتماعيا وإداريّا لا يمكن أن يتأتى دون شهادة الماستر. أضف إلى أن الكثير من رجال الأمن بالإضافة لتّكوينهم القانوني، أصبحوا يتقنون اللّغات الأجنبيّة من فرنسيّة وإنجليزيّة وإسبانيّة إلخ. وهذا التّغيير لم يأت من فراغ، وإنّما من خلال وضع شروط لا تغفل التّكوين الأكاديمي للملتحقين بأسلاكها. 

3- أطر الأحزاب السّيّاسيّة بالأمس:

عراقة الملكيّة في المغرب، يصاحبها نكوص تعليمي رهيب. فعلى الرّغم من أنّنا نتوفّر على أقدم جامعة في العالم (جامعة القرويّين 859 ميلاديّة)، وأنّنا نوجد على مرمى حجر من أوروبّا فإنّ تعليمنا كان وما يزال متخلّفا. وليس سرّا أنّ صدمة الحماية، هي من خلخلت هذا الملف. معروف أنّه منذ الأسابيع الأولى للإقامة العامّة انتبه الجنيرال اليوطي إلى أنّ قطاع التّعليم في المغرب غير مهيكل، ويعتمد على بنية تقليديّة يغلب عليها الحفظ والتّلقين، وأنّ هيئة التّدريس لم تخرج عن إطار الفقهاء والطّلبة المجدّين. ولهذا رسم سيّاسة تعليميّة منذ 1912 تخدم الساكنة الأوروبيّة على وجه الخصوص، وبعدها أحدث مدارس فرنسيّة – عربيّة على أساس طبقي: 
• مدارس للأعيان في المدن برامجها وهيئة تدريسها منتقاة بعناية والغرض منها تخريج موظّفين يخلفون آباءهم في وظائفهم السّاميّة ومتاجرهم وورشاتهم الصّناعيّة.
• مدارس في بعض القرى من دون برامج تعليميّة، ولا أساتذة مؤهّلين، ولا تجهيزات، ولا مواسم دراسيّة واضحة المعالم الغرض الأساسي منها هو تعليم تقنيّات وأساليب الفلاحة والبيطرة.
• مدارس صناعيّة مفتوحة في وجه الطّبقات الشّعبيّة في الأوساط الحضريّة تهدف إلى توفير اليد العاملة
لم يكن أمام المغاربة من خيار خارج ما رسمته الإقامة العامّة للتّعلّم، والسّاسة المغاربة ليسوا استثناء. لكن السّيّاسة التّعليميّة الّتي كانوا خاضعين لها في المدارس، لم تستطع انتزاعهم من تربتهم الوطنيّة. تعاملوا مع المادّة التّعليميّة وخصوصا اللّغة الفرنسيّة ك “غنيمة حرب” ليس إلاّ، كما سمّاها “كاتب ياسين”. غير أنّهم ظلّوا متشبّثين بالهويّة المغربيّة ودافعوا عنها، بل كانت مواقف بعضهم سببا في طردهم من تلك المدارس. ورغم قلّة الإمكانيّات، فقد كان التّكوين السّيّاسي الرّصين هو السّمة البارزة، وهو ما استمرّ حتّي بعد الاستقلال. فالأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنيّة (الاستقلال، الاتّحاد الوطني للقوّات الشعبيّة، الاتّحاد الاشتراكي للقوّات الشّعبيّة، التّقدم والاشتراكيّة) كانت مشتلا حقيقيّا للأطر في مختلف المجالات. ومازالت منجزات حكومة عبد الله إبراهيم، أو ملتمس الرّقابة الّذي قدّمه الفريق الاتّحادي سنة 1964 شاهدا على ذلك. ناهيك عن الاجتهادات السّيّاسيّة والاقتصاديّة والقانونيّة والفكريّة لساسة الأحزاب الوطنيّة. كما أنّ تدخّلات هامات سيّاسيّة أخرى مثل: بنسعيد آيت يدّر، أو محمّد بوستّة، أو علي يعتة، أو عبد الرّحيم بوعبيد وآخرون لا يتّسع المجال لذكرهم كانوا يضعون مؤسّسات الدّولة في مواقف محرجة. وذلك من خلال تفكيك الخطاب شكلا ومضمونا والرّدّ عليه بمنتهى الدّقّة واللّباقة. ومازالت الكثير من التّسجيلات المصوّرة من داخل قبّة البرلمان شاهدة على ما نقول.
جدير بالذّكر أنّه حينما حاول نظام الحكم صناعة أحزاب تذهب مذهبه في كلّ شيء، كانت تضع السّهرين على هذه الاستراتيجيّة في مواقف محرجة. فما كان يسمّى بالأحزاب الاداريّة، كان جلّ برلمانيّيها بعيدين كلّ البعد عن التكوين السّيّاسي الرّصين. وكانوا يسقطون في زلّات كارثيّة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر كيف أنّ الأغلبيّة الحكوميّة في برلمان 1963 ترجمت حرفيّا القانون الدّاخلي للبرلمان الفرنسي، ليجد البرلمانيّون أنفسهم أمام بنود من قبيل “إنّ البرلمان المغربي يوجد في قصر بوربون Bourbon” أو “يتميّز البرلمانيّون بوضع وشاح بالألوان الثّلاثة الأبيض والأحمر والأزرق” ألخ. غير أنّ الملاحظ اليوم هو أنّ هذه الأحزاب الإداريّة، باتت تستقطب الأطر رغم أنّ شبيباتها الحزبيّة غير متجدّرة في المشهد السّيّاسي العام والجامعات وحتّى المجتمع المدني.

4- الأحزاب الوطنيّة اليوم:

 نقول وبكلّ مرارة وحسرة على زمن مضى، أنّ المحدّد الأساسي للنّجاح السّيّاسي في الزّمن الرّاهن أضحى هو المال والنّفوذ. أمّا الأطر الحزبيّة فأمامها ثلاثة خيارات لا أكثر: إمّا أن تنزوي للظّل (محمّد الكحص نموذجا)، وإمّا أن تصبح تابعة للوبي المال (نماذج كثيرة)، وإما أن تستقطبها الدّولة (محمد لحليمي، حسن طارق، أحمد رضا الشامي إلخ). ولا يوجد حزب سيّاسي واحد يضع محدّدات أكاديميّة للوصول إلى المؤسّسة التّشريعيّة أو غيرها. وأصبحت أحزاب الحركة الوطنيّة تزكّي الأمّيّين والأعيان لتسيير الشّأن العام.  عدد مهمّ من النوّاب البرلمانيّين لا يستطيعون حتّى الكتابة أو القراءة، فكيف السّبيل إلى التّشريع للدّولة، أو مراقبة وتقييم السّيّاسات العموميّة. بل والاطّلاع على التّجارب الدّيمقراطيّة في العالم، والاستفادة منها إن كان على مستوى التّشريع، أو التّنفيذ. وجلسات البرلمان المغربي الّتي كان المغاربة يضربون لها موعدا رغم انشغالاتهم، صارت اليوم تبعث على السّخريّة بألم. 

إنّ العمليّة السّيّاسيّة في زمن الثّورة الرّقميّة، أصبحت معقّدة وتقوم على الجزئيّات بشكل كبير. وبالتّالي من دون طبقة سيّاسيّة مسلّحة بسلطة المعرفة أوّلا، ومتخصّصة في ملفّات بعينها ثانيّا، وحريصة على الوصول لكلّ المعلومات بالقدر نفسه الّذي يصل إليه الوزير الوصيّ على القطاع ثالثا، يكون العمل السّيّاسي مختلا وناقصا بكلّ تأكيد.
هو مشهد سريالي إذن، ولا يختلف عاقلان بأنّه يعيق الانتقال إلى الدّيمقراطيّة، بل و يسيء إلى الدّولة ومؤسّساتها المنتخبة. 
(يتبع)

بركان في: 14 مارس 2022

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube