أحمد رباص – حرة بريس

من أجل التعريف على نحو أحسن بمفكري العالم العربي، اتخذ معهد العالم العربي قرار إطلاق مشروع طموح للفوز بهذا الرهان. ثم أذن انتخاب المثقفين الذين أبانوا عن أصالة وغزارة مساهماتهم.
سعى هذا المشروع كذلك إلى جعل أعمالهم وأفكارهم في متناول عامة الناس. كيف يمكن العمل على الاستجابة لهذا التحدي الذي رفعته هذه المؤسسة عندما اختارت المؤرخ المغربي عبد الله العروي؟ هذا ما سنقف عليه في ما كتبه قدوري عبد المجيد لنفس الغرض.

يعتبر هذا المفكر بحق رمزا للفكر العربي المعاصر بشكل عام والمغربي على وجه الخصوص، لا يزال من الصعب تصنيفه في تخصص محدد: هل هو فيلسوف أم مؤرخ أم كاتب مقالات أم روائي؟ لا يمكن لقارئ أعماله إلا أن يصاب بالارتباك بهذا الخصوص. إنه يتجاوز فكريا التخصصات طالما أنه يدرس الإنسان ككيان معقد ومتعدد الأوجه. يأتي عمق أفكار العروي من صرامته العلمية و تكوينه المفتوح. معرفته العميقة بـتاريخ مجتمعه، بتاريخ العالم العربي الإسلامي، وبتاريخ الغرب قوت حدوسه و شحذتها. الفيلسوف هو الذي يصوغ المفاهيم ويطرح الأسئلة. يصبح روائيا عندما يريد تحرير نفسه من الصرامة العلمية للغوص في الخيال والإبداع. اما المؤرخ فهو الذي يرغب في البقاء مرتبطا بالواقع في مقاربته.
تجدر الإشارة للوهلة الأولى إلى أن هذا المثقف أحسن صنيعا عندما حاول شرح وتوضيح وتبسيط الأفكار والأطروحات التي طورها في كتاباته دون ان ينجح أبدا في تبديد سوء الفهم و ردود الفعل السلبية في بعض الأحيان، والتي يتم تداولها عن وحول أعماله.
البعض يفرض عليه كونه مثقفا يدافع عن المخزن، ويصفه آخرون بأنه مثقف النخبة. ومع ذلك، كل أولئك الذين يتناولون فكر العروي يفعلون ذلك انطلاقا من منظوراتهم. يختارون من كتاباته الإشكالية التي تهمهم (الدولة، الحداثة، الأيديولوجيا، العقل، الإسلام …)، ثم يختارون الزاوية التي تناسبهم. وفاء لنهجهم، يختارون من متون كاتبنا العناصر التي من شأنها أن تشرح، تبرر أو تعزز إشكالياتهم. من البديهي في حالة الاختيار أن نجد دائما الجواب أو الأجوبة المبحوث عنها.
لقراءة العروي، من الضروري الإلمام بالأساس والركيزة اللذين تقوم عليهما أطروحاته. أسس مشروعه متجذرة في التاريخ عامة وفي تاريخ العالم العربي الإسلامي وتاريخ المغرب على وجه الخصوص. بدون هذا الشرط، كما هو الحال بالنسبة لمعظم أولئك الذين اهتموا بكتابات مثقفنا، يبقى فهم جميع ملامح أفكاره وتبايناتها الدقيقة بعيد المنال.
بالإضافة إلى الأساس التاريخي، يجب مقاربة كتابات العروي كمشروع شامل ومتطور. لكن إذا ظلت أطروحته الأصلية ثابتة، يدفعه تحول السياقات إلى تحيين فكره وتوضيحه أكثر كلما استدعى الموقف ذلك. ربما هذا ما يفسر هذه التكرارات العديدة التي تميزت بها كتاباته الأخيرة.
تساعد عناصر محددة من سيرته الذاتية، التي تجاهلها الجمهور، على فهم شخصيته. أحيانا، يكون صارما
مع نفسه ومع الآخرين، ويتميز بالصرامة والعقلانية سواء في سلوكه أو في كتاباته.
تهدف هذه المتوالية من الحلقات إلى تحديد الأفكار الأساسية التي تنطوي عليها كتابات هذا المفكر الذي يعتبر مشاكل المجتمع العربي نابعة من الإيديولوجيا. تتجسد هذه الأخيرة وتتجلى بثلاث طرق: الطريقة الأولى تنحصر في الدين كما يدعى البعض. سبب ضعفنا مرتبط بعدم إيماننا بالرسالة الإلهية. والطريقة الثانية تتجذر، وفقا لآخرين، في تنظيمنا السياسي. الحل يتطلب العودة إلى “الإجماع” لأن الإسلام لم يفرض أي تنظيم للسلطة في الوقت الذي يتكيف فيه مع أي نظام. أما البعد أو الرؤية الأخيرة، التي يعتبرها المؤلف غير مناسبة، هي المقاربة المتحمسة للتكنولوجيا التي تدعي أن الغرب لم يستمد قوته من وجود دولة مستبدة، ولا من دين، وإنما من القوة المادية التي تكتسب بواسطة العمل والعلوم التطبيقية. هذا ما يضمن للغرب الثروة والتنمية. إن تخلف المجتمع العربي نابع من ارتباطه بنموذج ثقافي موروث من الماضي ورافض للواقع الراهن المؤلف يطور أيضا الوعي القومي باعتباره البناء الذي يضمن للغرب الثروة و التنمية. تخلف المجتمع العربي يأتي من ارتباطه بنموذج ثقافي موروث من الماضي ورافض للواقع الراهن. يطور المؤلف كذلك الوعي القومي باعتباره بناء يتأسس على الثقافة كإحالة إلى الماضي وعنصر يشكل رمزا موحدا.
لتوضيح هذه الأطروحات تقترح هذه السلسلة من المقالات اختيارا دالا لنصوص مقتطفة من أعمال العروي، ولنصوص أخرى كتبت عنه.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube