أندريه كانت سبونفيل

ترجمة: يوسف اسحيردة

الإلحاد يفترض فكرة الإله، لأنه يقوم بنفيها. ولذلك فهو أقل قدما من الدين. هذا الأمر صحيح بالأخص عند الفلاسفة. الإغريق الذين كانوا يتراشقون الاتهام بالإلحاد (يكفي لكي تستحق هذا الاتهام أن لا تؤمن بنفس آلهة الآخرين)، لم يتركوا لنا فلاسفة ملحدين. يستشهد البعض بمقولة بروتاغوراس الرائعة : “لا أستطيع أن أعلم إن كانت الآلهة موجودة أو غير موجودة وعلى أي صورة تكون، كثيرة هي الأشياء التي تمنع ذلك : غموض الموضوع وقصر عُمّر الإنسان”. الأمر هنا لا يتعلق بالحاد، كما نُلاحظ، بقدر ما يتعلق بلاأدرية.البعض يتحدث عن ديموقريطوس، دياغوراس من ميلوس، كريتياس، تيودور الصقلي، إيفيمير…لكن أعمالهم اختفت، لم يكن ذلك بمحض الصدفة دون شك، ولا نعرف شيئا عن فكرهم – باستثناء ديموقريطوس الذي يظل إلحاده، غير المُثبت، موضع نقاش بين المختصين. في ما يخص أبيقور، الذي قام بتمديد وتغيير فلسفة ديموقريطوس الذرية، لم يكن مُلحدا. فقد كان من تعاليمه أن الآلهة موجودة بالفعل، لكن ليس على ظهر الأرض: إنها كائنات مادية، غير فانية، جد سعيد، تعيش بين العوالم ولا تهتم بنا. وبالتالي فمن غير المجدي خشيتها أو أمل أي شيء منها. من الأحسن أخذ السكينة المطلقة التي تتمتع بها كنموذج : الحكمة تقوم مقام الدين.هذه الفلسفة التي كانت أقرب إلى اللائكية من الإلحاد، ستتخذ في روما أشكالا أكثر جدلية على يد الأبيقوري لوكريتوس، لدرجة أنه أول مفكر لا ديني بالفعل تصلنا أعماله. الدين في نظره يتولد من الخوف والجهل: الإنسان ابتكر الآلهة من أجل تفسير ما يعجز عن فهمه، ولاعتقاده أنها ستوفر له الحماية في مواجهة الأخطار التي لا يستطيع تخطيها. ما لا يُشكل، في نظر لوكريتوس، سوى خوف إضافي يُثقل كاهله.سبينوزا، في القرن السابع عشر، سيستعيد جزءا من هذا الإلهام النقدي والعقلاني. ومع ذلك، فهو لا يقول بإلحاده أكثر مما يفعله لوكريتوس. إن سبينوزا يُماثل بين الطبيعة والإله (« Deus sive natura »)، الذي يُوجد بكل تأكيد لكن لا يُمكن أن يكون شخصا، أو ثلاثة أشخاص. من ثم الحديث عند هذا الفيلسوف، حسب التأويل الذي نعطيه إياه، عن مذهب وحدة الوجود (الإله هو الوجود كله)، أو مذهب وحدة الموجود (كل شيء موجود في الإله)، أو مذهب الطبيعة ( الطبيعة هي الوجود كله: لا وجود لما فوق الطبيعي).كان يجب انتظار القرن الثامن عشر حتى يظهر الإلحاد من حيث هو كذلك. من المستحيل إعادة تشكيل تاريخه في بضعة أسطر. يبقى من الأفضل تحديد بعض توجهاته الأساسية.— الإله باعتباره دجلا : الكاهن مسليي (Meslier) —لم يكن أغلب الفلاسفة، خلال القرن الثامن عشر، مُلحدين : فولتير كان ربوبيا، هيوم كان شكوكيا، كانط كان لوثيريا…لكن الإلحاد، مع استمراره أَقَلِّيًا، أصبح موقفا فلسفيا مُتَقَبَّلاً. مثل عقلانية مدفوعة إلى أقصاها – إلى درجة رفض كل ما فوق طبيعي، كل تعالٍ، كل اعتقاد. في مواجهة مسيحية ما تزال هي المسيطرة، سيُعاش هذا الإلحاد أولا كتمرد: ضد الأقوياء، ضد الكنيسة التي تخدمهم، لكن أيضا ضد الدين نفسه. الأنوار، خاصة في فرنسا، قاموا هنا باستعادة إلهام لوكريتوس : “كل دين يرتكز على أمرين : الجهل والخوف “، هذا ما كتبه هولباخ. أما ديدرو، وبمزاح أكثر، فقد قال : ” إله المسحيين هو أب يهتم أكثر بتفاحاته، وأقل بأبنائه”.لكن عند الكاهن جون مسليي (1729- 1664) – الذي لم يكشف عن إلحاده إلا من خلال “وصية” طويلة نُشرت بعد وفاته-، حيت سيرتبط الإلحاد والتمرد بشكل وثيق. من خلال تمديد الموضوع التحرري القديم ل “الدجالين الثلاثة” (موسى، عيسى، محمد)، قام مسليي بإدانة التواطؤ القائم بين الكنيسة، الأثرياء والطغاة. وهذا ما كتبه بهذا الخصوص : ” كل العبوديات تتشابه، والناس الذين اعتادوا على عدم استخدام المنطق في أمور الآلهة، والارتعاد تحت عِصِّيِّهَا، وطاعتها دون مناقشة، هؤلاء لن يعودوا قادرين على استخدام المنطق في أي شيء”. هذا ما يجعلهم مُنصاعين وطيِّعين. الإيمان والخضوع هما وجهان لعملة واحدة. وكذالك الحرية وعدم الإيمان.— الإله باعتباره اغترابا : فويرباخ —في القرن التاسع عشر، خاصة في العالم الجرماني، توقف الإلحاد من الناحية الفلسفية عن كونه استثناء. ابتدأ الأمر بما سيدعوه انجلز ب ” صعقة برق” : نَشْر كتاب “روح المسيحية” سنة 1841، لصاحبه ليدويغ فويرباخ. هذا الكتاب، الذي سيكون له تأثير كبير على ماركس الشاب، هو أولا نقد للدين باعتباره اغترابا. في نظر فويرباخ، الإنسان يقوم بإسقاط جوهره الخاص- لكن بعد تجريده من حدود ومواطن ضعف الفرد – خارجه، على كائن وهمي. إذا كُنْتُ أملك القدرة على التفكير والتصرف والحب، فَلِمَ لا أتخيل كائنا يملك كل هذه القدرات، لكن مع تأويلها إلى ما لانهاية ( أي كائن عليم، قدير، عطوف)، وهذا ما أدعوه بالإله؟ كفرد، هذا الأمر يحط من قدري : بجانب هذا اللانهائي، لَسْتُ شيئا، أو أكاد لا أكون شيئا. لكن ككائن بشري، هذا يرفع من قدري: كما لو أن الأمر يتعلق بعبادة أقوم بتأديتها نحو الإنسانية دون علمي.الآن نفهم لِمَ يتحدث فويرباخ عن اغتراب : الإله باعتباره متعاليا، الإنسان من خلال الدين يُصبح بمثابة غريب (alienus)عن نفسه. لكن “انفصال الإنسان عن نفسه” لا يُشكل سوى القبض الحُلمي والطفولي على جوهره الحقيقي. “الإنسان خَلَقَ الإله على صورته”، كما قال فويرباخ، من خلال قلب مقولة سفر التكوين. إن الإنسان، إذن، هو الذي يُعبد في كل دين: التجسيم (L’anthropomorphisme) هو حقيقة التقوى، تبريرها وعظمتها. هذا صحيح بالأخص بالنسبة للمسيحية. عقيدة التجسيد تُعبر عن الأهم وتُنكره في نفس الوقت: فلأن الإنسان “كان نفسه إلها”، أمكنه أن يبتكر هذا الإله الذي تَحَوَّلَ إنسانا. كشف حقيقة الدين، كنزعة إنسانية مُغتربة، هو إذن فَتْحٌ للطريق أمام نزعة إنسانية حقيقية، حيث تسترجع الإنسانية ما قامت بإسقاطه عن طريق الخطأ في الإله.هنا يُصبح الإلحاد دين الإنسان: ” إذا كان جوهر الإنسان بالنسبة له هو الجوهر الأسمى، فحينئذ، من الناحية العملية، يجب أن يكون القانون الأسمى والأول هو حب الإنسان للإنسان. الإنسان إله بالنسبة للإنسان [Homo bomini deux est] – هذا هو المبدأ العملي الأسمى، هذا هو مُنعطف التاريخ العالمي.”— الإله باعتباره مُخدرا: ماركس —هذا البعد الإنساني يوجد أيضا عند ماركس الشاب؛ لكنه سيصير بين يديه أقل ارتباطا بالدين، وأكثر ارتباطا بالسياسة. يعتقد ماركس أن “فويرباخ يختزل جوهر الدين في الجوهر الإنساني . لكن الجوهر الإنساني ليس تجريدا كامنا في الفرد المنعزل. في حقيقته، هو مجموع العلاقات الاجتماعية”. وبالتالي فالمجتمع هو الذي يجب تغييره، من أجل تحرير الإنسان. هذا الأمر سيسفر، بداية من سنة 1844 (حينها كان ماركس يبلغ من العمر ستة وعشرون سنة)، عن نص مشهور، جد واضح وجميل حيث يكفي فقط الاستشهاد به :” المحنة الدينية هي، في شطر منها تعبير عن المحنة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على المحنة الواقعية. الدين زفرة الانسان المسحوق، روح عالم بلا قلب، كما انه روح الظروف الاجتماعية التي طُردت منها الروح. أنه أفيون الشعوب.إن إلغاء الدين، من حيث هو سعادة وهمية للشعب، هو ما يتطلبه صنع سعادته الفعلية. إن تطلب تخلي الشعب عن الوهم حول وضعه هو تطلب التخلي عن وضع بحاجة إلى وهم.”نقد الدين ونقد المجتمع هما وجهان لعملة واحدة. لا وجود لعالم آخر. الأمر الذي يُشكل سببا إضافيا من أجل تغيير هذا العالم.– الإله باعتباره سُما أو جثة : نيتشه—نيتشه، الذي كان يكره الاشتراكية، لن ير في ذلك سوى أخلاق عبيد، تمنح المسيحية عمرا آخر، أكثر مما تُحاربها. عَلاَمَ يؤاخذ نيتشه المسيحية؟ يؤاخذها على وضع كل القيم في الإله، ما يعني تبخيس العالم الواقعي. وعلى احتقار الجسد، باسم روح يُزْعَمُ أنها خالدة. وأيضا على اتهام الحياة، باسم عالم أخروي وهمي. يقول نيتشه : ” إنها لقصة مؤسفة : الإنسان يبحث عن مبدأ يستطيع باسمه احتقار الإنسان؛ يبتكر عالما آخر حتى يستطيع تأثيم وتلطيخ هذا العالم؛ في الحقيقة هو لا يقبض سوى على العدم ويجعل من هذا العدم “إلها”، “حقيقة” مَدْعُوَّة لمحاكمة والحكم على هذا الوجود”. إنه انتصار الحقد، الذي يُريد من خلاله الضعفاء تجريم الأقوياء وإشعارهم بالذنب. الدين، التوحيدي عموما، هو “نتاج الانحطاط”، “نقيض الحياة” و”سُمُّهَا”.”موت الإله”، الذي أعلنه نيتشه، قَلَّمَا يُصلح الوضع. فباعتبار أن كل القيم قد تم إسقاطها في الإله، لن يتبقَ حين “يموت الإله”، إلا هذا العالم المُبَخَّس، الذي هو عالمنا. الدين يُسفر عن العدمية. العلاج؟ هو “الأسلوب العظيم”، حب ما هو كائن (L’amour fati) واثبات “إرادة القوة”. هذا الأمر يفترض مِنَّا قلب جميع القيم، وخاصة القيم اليهودية-المسيحية. الإله قد مات. إلينا تعود مهمة ابتكار الإنسان الأعلى.— الإله باعتباره وهما : فرويد —فرويد كان أقل تَكَلُّفًا. بالنسبة له، هو الذي لم يدعي يوما أنه فيلسوف، الإيمان هو عبارة أولا عن عَرَض. فهو يُعبر عن محنتنا، التي هي امتداد لمحنة الطفولة، كما أنه يُعبر عن حاجتنا إلى الحماية. إنه مثل تسامٍ مُطبق على عقدة أوديب : الإله هو ” أب مُجَمَّل”، أفضل وأقوى في الآن ذاته من الأب الآخر. ومن ثَمَّ فهو يستحق الحب والطاعة، حتى من طرف الراشدين. هذا ما يجعل الإيمان مُهِمًا من أجل التحكم في النزوات، وخطيرا من خلال الكبت الذي يفترضه.الدين يُشكل مثل ” عُصاب وسواسي كوني”. وهو نافع في أغلب الأحيان، سواء على المستوى الإنساني (” ما من شك في أن الدين قد أسدى خدمات جليلة للحضارة “)، أو على المستوى الفردي (هو عصاب جماعي يُمكن أن يُعفي الفرد من صناعة “عصابه الشخصي”). هذا ليس سببا للإيمان به. كل دين هو عبارة عن وهم، أي اعتقاد “نابع من الرغبات الإنسانية”. الإيمان بالإله، معناه أن يحمل المرء رغباتها على محمل الجد. هذا ما يقوله فرويد في كتابه، “مستقبل وهم” : ” جميل ورائع حقا أن يكون هناك إله فاطر للكون وعناية إلهية رؤوفة ، ونظام أخلاقي للكون وحياة ثانية ، لكن من المثير للفضول أن يكون هذا بالضبط هو ما نتمناه لأنفسنا”.— من الحرية إلى الحب—في القرن العشرين، صار الإلحاد تقريبا يُشكل السواد الأعظم داخل الأوساط الفلسفية. ومن ثَمَّ فقد بدا وكأن موضوع الإله قد فقد حدته بعض الشيء. هذا الأمر لم يُثني العديد من المؤلفين من منحه، ولو بشكل هزيل، مكانة تظل مُعبرة. نظرا لضيق المكان، نكتفي باستعراض ثلاثة منهم.آلن، رغم مناهضته للإكليروسية (السلطة الدينية)، خاصة في رعيان شبابه، فإنه لم يتوقف عن التقرب من روح الأناجيل، لكن بمعناها الإنساني (” عبادة الإنسان وحدها المتاحة”). الدين بالنسبة له يبدو شيئا زائفا، نظرا لما يقوله عن الإله، وحقيقيا، نظرا لما يكشفه، رمزيا، من أمر الإنسان. وهو ما يُعبر عنه آلن في جملة واحدة، تجمع بين مناهضة الإكليروسية والنزعة الإنسانية والروحانية : ” كل شيء حقيقي في الدين باستثناء الخُطبة؛ كل شيء جيد باستثناء الكاهن”.بيرتراند راسل كان أكثر صرامة. ” وجهة نظري حول الدين هي نفسها وجهة نظر لوكريتوس. أعتبره بمثابة مرض تَوَلَّدَ من الخوف وبمثابة مصدر لأحزان يصعب وصفها”. كاتب “المبادئ الرياضية” كان عالم منطق جيد للغاية، لذلك لم يقبل بالأدلة المفترضة لوجود الإله؛ وكان أكثر ميلا نحو التعاطف (“شفقة مؤلمة أمام معانات الإنسانية”)، لذلك لم يقبل أن يؤمن بإله جبار وخَيِّر؛ وأخير كان ذا نزعة إنسانية كبيرة، لذلك لم يقبل بأن يخضع الناس لشيء آخر غير القيم – خاصة “الحب الذي نبراسه المعرفة” – التي حددوها لأنفسهم.أخيرا نصل إلى مارسيل كونش الذي سيعتنق ما يمكن أن ندعوه بإلحاد أكسيولوجي (قيمي) أو أخلاقي. معاناة الأطفال، باعتبارها شرا مطلقا، تجعل من الإيمان بالإله أمرا غير مقبول من الناحية الأخلاقية. إذا كان الإله موجودا، فسيكون غير كامل (بما أنه يترك الأطفال لمصيرهم يعانون بشكل فظيع)؛ وبالتالي فلن يكون إلها: سيكون من الخطأ الإيمان به. ” إذا كان “الإله” موجودا، فهو ليس إلها” (لأنه ليس خَيِّرًا). إذا كان إلها، فهو ليس موجودا. الدين الوحيد المقبول سيكون هو دين الحب، وهو ليس دينا. الحب في الحقيقة يُشكل “طريقا مضمونا نحو الإله”، لكنه يُعفي من الإيمان به. لهذا فهو يُحررنا من كل الديانات التي يكشف عن حقيقتها وقصورها: إنه الحب، وليس الإله، من يجعلنا نعيش.[1] Le monde des religions, n°49, septembre 2011

عن افاق فلسفية

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube