أحمد رباص – حرة بريس

في الحقيقة، قرأ العروي أ أثناء دراسته الثانوية الكثير من نصوص نيتشه، وأندريه جيد. في ما بعد، اهتم بديكارت وأرسطو وهيغل. حول المنظومة التعليمي الاي تكون في إطارها مفكرنا في عهد الحماية، قام بمقارنة دالة مع الوضع الحالي وكتب في هذا الشأن يقول إننا نلاحظ اليوم أن مستوى التعليم أو بالأحرى الدراسات مندمح مع المناخ الثقافي العام.وأن الوضع في ما قبل كان عكس ذلك، حيث الأمية كانت متفشية جدا، وكانت ثقافة الناس غير مهمة، لكن ذلك لم يكن لذلك أي تأثير على المدرسة في ذلك الوقت حيث كان مستوى التعليم مرتفعًا جدا، وبدا وكأنه واحة معزولة عنها بيئته.
مسار عبد الله العروي غني ولكنه صعب لتحديد. في عام 1953، غادر المغرب لمتابعة تعليمه العالي في باريس. تردد بين الطب والعلوم السياسية، واختار الأخيرة. تحدث عن التحاقه بكلية العلوم السياسية، أثار انتباه قارئه للمتاهة الفكرية لفرنسا في ذلك الوقت. توقف على خصوصية المدرسة الحرة للعلوم السياسية التي أسسها البروتستانت وتميزت ابلانضباط والعمل الجماعي. كانت الدروس تقدم على شكل ندوات وليس على شكل محاضرات. كانت البرامج التي تقدمها المدرسة تسعى لتحديد وتحليل ديناميات وبنيات الدولة الحديثة.
كانت برامجها تستخدم العلوم التي تمكن الطلبة من فهم هذا الدينامية التي تميز بنيات الدولة الحديثة. وأدرك عبد الله العروي أن التكوين الذي توفره هذه المدرسة كان مخصصا للطلبة الغربيين بشكل عام والفرنسيين بشكل خاص. هذه الملاحظة التي دفعته إلى أن يكتب أنه في ما كان يتعلمه هو الطالب المغربي مع أحكامه المسبقة وتطلعاته..إلخ، كان عليه أن يميز بين ما هو خاص بفرنسا في ذلك الوقت وما هو قابل للتعميم، وما كان يمكن أن يطبق بطريقة أو بأخرى على الوضع الذي كانت عليه بلاده.
كما أدلى عبد الله العروي بملاحظة ثانية حول هذا التكوين. لقد أكد على تهميش أو بالأحرى غياب التاريخ في هذا المنهاج الدراسي. في هذا الصدد، تساءل: كيف نعرف ما هي الدولة الحديثة لأجل بنائها أو إعادة بنائها إذا لم نسائل التاريخ؟ ذلك ما لم يقع ذكره، لكنه الاستنتاج المنطقي الذي يمكن لطالب يقظ أن يستخلصه، كما كان يقول.
عندما أكمل العروي دراسته في مدرسة العلوم السياسية عام 1956، أراد الالتحاق بالمدرسة الوطنية للإدارة. تزامنت هذه الرغبة مع استقلال المغرب ولم تعد الإدارة الفرنسية تسمح للمغاربة باجتياز امتحان الولوج إلى هذه المدرسة التي كانت آنذاك تعتبرهم غرباء. أدى هذا الوضع الجديد إلى تغيير عميق في مسار مفكرنا والذي جعله يقول: “لذلك انقلبت خطتي في الحياة رأسا على عقب، اعتقدت أنني اخترت بالتأكيد مصيري وها انا ذل في حالة من عدم اليقين”. بعد خيبة الأمل هذه، التفت إلى تاريخ العالم الإسلامي. أمضى سنة في قراءة الكتب العربية التي تتحدث عن الفكر العربي المعاصر. وسع نطاق أبحاثه من خلال قراءة الدراسات بالفرنسية وبالإنجليزية في كل من الفكر والاقتصاد والعلوم الاجتماعية والفلسفة. ما دفعه إلى القول: “كونت نفسي بنفسي من خلال قراءات الخاصة “.
كانت إقامته في باريس مفيدة له؛ إذ سمحت له باكتساب ثقافة جديدة وتعميق نطاق معرفته بالعالم العربي والعالم الغربي وبتحقيق الانفتاح على العالم.
اختار العروي دراسة التاريخ في جامعة السوربون لأجل الحصول على دبلوم في العلاقات التجارية بين المغرب والمدن الإيطالية من البدايات إلى القرن الخامس عشر. سمح له هذا البحث بمقاربة تاريخ المغرب لفهم الآليات التي أعاقت التطور الطبيعي لبلادنا وأجبرتها على الانعزال والانحطاط والتقهقر بدلا من اتباع ديناميات التغيير التي كانت تحدث أوروبا في نفس الوقت.
ولما كان غير قادر على نيل شهادة التبريز في التاريخ بسبب جهله باللاتينية، قرر عبد الله العروي إعداد دبلوم في اللغة العربية ما دفعه إلى أن يقول بقناعة معينة: “ها أنا ذا مدفوع لأصولي”.
بعد حصوله على إجازة في اللغة العربية، قام بإعداد دبلوم الدراسات العليا في نفس التخصص سنة 1961. أطره روبرت برونشفيج، المؤرخ المختص في الحفصيين. هذا الأخير كلف العروي بترجمة نص لابن خلدون: شفاء السائل وتهذيب المسائل.
في عام 1963، حصل مفكرنا على شهادة التبريز في الإسلاميات ثم في علم المعلومات. وفي عام 1976، حصل على شهادة دكتوراه الدولة في التاريخ من جامعة السوربون.
تركز مسار العروي الفكري على العالم العربي بشكل عام والمغرب بشكل خاص، كما أدرك هو نفسه عندما كتب أنه متى يعكف على الوضع المحدد للمغرب يمارس عمل مؤرخ وعندما ينتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية يتحول إلى باحث في علم الاجتماع، ولكن عندما يركز انتباهه على المفاهيم يستخدم الفلسفة. يرفض العروي التخصص ويشجع الانفتاح على التفكير النقدي. مكنه اهتمامه بابن خلدون من الكشف عن التناقض بين العقلانية اللازمة للدولة وظهورا التصوف، سواء كان فرديا أو جماعيا، الذي يشهد – وفقا له – على اليأس العام ويدفع الفرد والجماعة إلى الانعزال عن العالم للسقوط في “انتظار الموت والأمل الراسخ في أن يتذوق بسرعة مباهج الجنة”.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube