أحمد رباص-‘ حرة بريس

إقامة مفكرنا بالقاهرة سمحت له بفهم الأزمة العميقة التي كان العالم العربي يمر بها في الستينيات وبتطوير تفكيره حول الثيمة التي شكلت الأطروحة المركزية لكتابه؛ ألا وهي التخلف التاريخي للعالم العربي وتمثله للآخر والذات. بلور كتابه “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” تفكيرا عميقا وأصيلا. إنه تشريح جثة لوضعية تمتد جذورها من بعيد.
استبدت بعبد الله العروي موهبته كباحث، لكنها لم تمنعه من شغل الوظائف التي سيستخدمها في بحوثه. عند عودته من باريس عام 1958، التحق بوزارة الشؤون الخارجية. في عام 1960، أصبح ملحقا ثقافيا في باريس ثم في القاهرة. ثم تم تعيينه ممثلا للمغرب في اليونسكو.
انطلاقا من عام 1962 غادر الوزارة ليتفرغ للبحث والكتابة والتعليم. وهكذا عمل في سنة 1963 استاذا في معهد للدراسات الإسلامية بباريس. تم تعيينه أستاذا في كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط سنة 1964. بين عامي 1967 و1970، كان أستاذا زائرا في لوس أنجلوس بجامعة كاليفورنيا. بعد عودته من جامعة كاليفورنيا، تم فصله من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ليلتحق بمعهد التعريب.
تزامن ذلك القرار مع نشره باللغة العربية لكتاب “الإيديولوجيا العربية المعاصرة”. كانت السلطة تخشى من أن يكون لهذا الكتاب تأثير على الحركة الطلابية التي شهدت غليانا غير مسبوق.
بعد هذه الفترة المضطربة، عاد عبدالله العروي لمنصبه كأستاذ بالكلية واستمر فيه حتى حصل على تقاعده سنة 2000. في عام 1977، انخرط العروي في تجربة سياسية من خلال الترشح للانتخابات باسم حزب للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالدار البيضاء بدائرة حي العنق. دون قيامه بأي مهمة دبلوماسية سابقة، تم تكليفه من قبل الملك الحسن الثاني يعدة ملفات من بينها قضية الصحراء المغربية وتسوية الخلاف الطارئ عام 1990 بين المغرب وفرنسا. إستطاع أن يتدخل لدى أصدقائه من اليسار الفرنسي و التقى بموروا وجوسبان وفابيوس.
منذ عام 1985، أصبح عضوا في أكاديمية المملكة المغربية. وكان أيضا عضوا في مجلس السلام العالمي، وهو مؤسسة تابعة للأمم المتحدة. في عام 2002، صار عضوا في مجلس حقوق الإنسان بالمغرب.
حصل عبد الله العروي على العديد من الجوائز الفخرية والعديد من الجوائز في المغرب وأماكن أخرى. سأذكر ، من بين أمور أخرى ، جائزة الحكومة الكاتالونية لعام 2000 وجائزة رجل العام في الإمارات العربية المتحدة. هو من الواضح أن هذا الطريق ، غنيًا ومتنوعًا ، سيكون في أصل خلق الفكر الأصلي الذي سوف تغذي مجموعة من العمل غزير الإنتاج بقدر ما هو محفز و مزعج.
حصل عبد الله العروي على العديد من الجوائز الفخرية والعديد من الجوائز في المغرب وأماكن أخرى. نذكر منها على سبيل المثال، جائزة الحكومة الكاتالونية لعام 2000 والجائزة رجل السنة في الإمارات العربية المتحدة.
من الواضح أن هذا المسار، الغني والمتنوع، كان وراء خلق فكر أصيل سوف تنتج عنه مجموعة كبيرة من الأعمال المحفزة والمزعجة.
ليس من السهل تصنيف العروي. لكنه ظل هو نفسه يؤكد على أنه مؤرخ بالضرورة. لكن أي نوع من المؤرخين هو؟ يرفض التاريخ كمخزون للوقائع والأحداث، ولا يقتصر عنده دور المؤرخ في إبراز آثار الماضي. بالنسبة له، من يكتفي في أبحاثه بهذا المخزون ليس مؤرخا ولكنه أراخ مدون تاريخ.
ابتكر العروي كلمة خاصة باللغة العربية بالنسبة لأولئك الذين يختصرون التاريخ في عملية التخزين الوقائع: هذه الكلمة هي (أرّخ). الكلمة العربية تؤكد شدة الفعل الذي يسعى للحصول على أقصى قدر من الوقائع. هي تعني أيضا أن الأساسي يتركز في إرادة تقديم أكبر عدد ممكن من الأحداث التاريخية. الأراخ يعطي أكبر قدر من الحقائق لمحاربة النسيان.
بالنسبة للعروي، من يكتفي بهذا العمل لا رؤية واعية له. إنه بكل بساطة وسيط. إنه خبير بدون خبرة لفترة زمنية يكتب تاريخها دون أن يكون قادرا على أن يكتشف الأساسي فيه ومنطق الأحداث التي استطاع تخزينها.

التاريخ بالنسبة للعروي عملية معقدة. يتم إنجازها عبر عدة مراحل يشكل عمل الأراخ انطلاقتها الأولى. يجب ألا يكتفي المؤرخ بتجميع الأحداث. لكن من المفترض أن يكون له تصور ورؤية بحيث لا ينفصل التاريخ عن الحرية. الوعي التاريخي ضروري للمؤرخ. والتاريخ تصتعه الوقائع. بناء الواقعة التاريخية يتأسس ويتغذى على الوثائق. كل من اكتسب الوعي التاريخيً، كما يقول، تكون لديه القدرة على إدراك الفرق بين المؤرخ والإيديولوجي. الأول يبحث عن منطق الأحداث بينما يحاول الثاني العثور على الأحداث التي يمكن لها تبرير مواقفه.
هذا الوعي التاريخي لا ينبغي أن يتوفر فقط لدى المؤرخ وحده ولكن يجب أن يكون موجودا أيضا في المجتمع ككل. في هذا الشأن، كتب العروي يقول إن المسألة لا تكمن في التاريخ كوقائع، لأن الوقائع التاريخية تحدث بدون توقف، ولكن المشكلة تكمن بالضبط في وجود أو عدم وجود وعي تاريخي. هذا يهم عقلية المجتمع بأسره وليس فقط المؤرخين المحترفين.


(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube