كلمات* … في الـ “Paradigm Shift*مع “أدولف ترامب”..

*هل ينتقل العالم؟ وإلى أين؟*
أحمد ويحمان
من المفاهيم المعتمدة في مناهج البحث العلمي ما يُسمّى بـ: “تحول النموذج” أو الـ Paradigm Shift؛ وهو ذلك الحدث التاريخي – الفكري الذي لا يكون مجرّد تغير في التفاصيل أو تبديل في الأدوار، بل انقلاب في البنية العميقة للرؤية، حين تسقط الفرضية التي حكمت العالم طويلًا، وتُستبدل بأخرى جديدة تغيّر خرائط الوعي والسياسة والقوة. حدث هذا حين انتقل العقل البشري من الاعتقاد بأن الأرض مركز الكون إلى الاعتراف بأنها مجرد كوكب يدور في فلك الشمس. وحدث عندما نسف آينشتاين التصوّر الساذج للزمان والمكان، وربطهما بالمادة والطاقة. هذه التحولات لم تأتِ فجأة، لكنها حين تقع، تغيّر كل شيء، وتفتح عصرا جديدا بقواعد مختلفة. هذا في العلوم الحقة .. وفي العلوم الاجتماعية ف *النقلة النوعية* ؛ أو ما كان معروفا في المادية الجدلية ب ” التحول الكيفي “، واكبت الرصد العلمي للتحولات الاجتماعية والسياسية في كل المحطات التأسيسية الأساسية التي أرخت لأهم ال *منعطفات النوعية* وطفرات التطور *والتحول الكمي إلى الكيفي .* الذي استوقف المفكرين والباحثين وجدالاتهم الكثيرة . اليوم، يبدو أننا أمام تحول من هذا النوع… لكن هذه المرة ليس في المختبرات العلمية وليس على مستوى ديناميات محلية مغلقة، بل في بنية “النظام العالمي” نفسه. إن ما جرى ويجري بعد حرب الإبادة في غزة – بكل ما رافقها من دعم أمريكي سافر بالمال والسلاح والتغطية السياسية والإعلامية – لم يعد مجرد انحياز مألوف منذ عدة عقود للكيان الصهيوني، بل إعلان صريح أن “القانون الدولي” لم يعد مرجعًا وأن “الأمم المتحدة” لم تعد مظلة، وأن “حقوق الإنسان” كانت مجرد واجهة تجارية للأقوياء. ولعل أخطر ما يرمز لهذا التحول، ليس فقط مشاهد الدم في غزة، بل ما تلاها ورافقها : رئيس دولة ذات سيادة، هو رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، يُختطف هو وعقيلته من فراشهما تحت جنح الظلام، في سابقة لم يكن يتجرأ عليها حتى الاحتلال التقليدي المباشر في عصور الاستعمار الكلاسيكي. إننا أمام سلطة إمبراطورية تقول للعالم صراحة :من نعاديه نُجرّده من سيادته، ومن نعاقبه نسلبه دولته ورمزيته، ومن نريدُه في السجن نأتي به، من سريره مع زوجته، إلى السجن ولو كان رئيسًا منتخبًا . هذا ليس سلوك دولة؛ هذا سلوك “نظام عالمي جديد” في طور التشكل… نظام لا يخجل من اللغة الاستعمارية القديمة، بل يعيد إنتاجها بوقاحة أشد.وليس بعيدًا عن ذلك تأتي تصريحات دونالد ترامب العبثية – المزلزِلة في معناها – عن شراء غرينلاند الدنماركية، وعن امتدادات النفوذ الأمريكي في كندا وبنما، ثم “ريفييرا غزة” كمشروع استحواذ سياحي استعماري فوق أطلال شعب مذبوح ! ثم تجاوزه ل” تعلة” المخدرات التي لم تقنعه هو نفسه وحديثه المباشر، وبكل ” فضوح ” عن عزمه للإشراف عن إدارة فنزويلا وتدبير بيع نفطها ! إن هذه ليست نكاتًا انتخابية، بلو إنها رسالة مفادها :العالم سوق مفتوحة للهيمنة، والشعوب أرقام، والسيادة “تفصيلة قانونية” يمكن تمزيقها عند اللزوم. إن السياق الذي نعيشه اليوم، بينما العالم يتفرج على إبادة في غزة، ويصفق رئيس القوة العظمى لها، ثم ينتقل خطوة أخرى نحو اختطاف رؤساء دول وإعادة تعريف السيادة، يشبه إلى حد كبير تلك اللحظة التي غُضّ فيها الطرف عن هتلر، ثم صُحّحت الأخطاء، لكن بعد أن صار الخراب شاملا. يومها كانت الحرب العالمية الثانية، واليوم… من الذي يضمن أن “التحول في النموذج” الجديد لن يأخذ البشرية إلى كارثة أكبر؟العالم ينتقل نعم. لكن السؤال المرعب هو:هل ينتقل إلى نظام أكثر عدلًا، أم إلى مرحلة “فوضى القوة” حيث تصبح الغابة هي القانون؟
*آخر الكلام*
قد تتبدل الأسماء، وقد يتغير ترتيب الحروف… لكن الجوهر واحد :هتلر لم يمت إلا كشخص، أما الفكرة فتعاد صياغتها الآن بربطة عنق حديثة ولغة انتخابية وابتسامة إعلامية.هكذا نصل، بلا مبالغة لغوية، إلى خاتمة مكثفة للمعنى:نحن اليوم بين أدولف ترامب ودونالد هتلر… والعالم مطالب بأن يقرر :هل يتعلم الدرس هذه المرة قبل أن يفوت الأوان؟
————————
× باحث في علم الاجتماع السياسي



