
بعد المدخل الدي رسمنا فيه الغاية من هدا الطرح و قبل تحديد ما نقصد به بالعصيان المدني ، لا بد من تحديد ما لا نقصد به عملا بالمقولة ، بأضضادها تعرف اللأشياء . بداية يلزم التفريق بين العصيان السياسي و العصيان المدني ، و هما و ان تلاقت أهدافهما في كثير من القضايا ، كالعدالة الاجتماعية و المساواة بين الرجل و المرأة و هدا على كافة الأصعدة ، و ضمان الحريات الفردية و الجماعية ، الا أنهما يختلفان في أسلوب و طريقة بلوغ هاته الغايات و نوعية الدولة التي ينبغي بناءها. العصيان السياسي يفرض فيما يفرض في نهاية المطاف ، اللجوء الى العنف المنظم بكل أنماطه كوقاية و مجابهة للعنف المسلط من طرف الحكم القائم . ادن العصيان السياسي يشرع العنف الثوري كحصانة و دفاعا عن النفس أمام العنف الدي تشرعه السلطة المستبدة بالحكم . فعنف السلطة الدي هو اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا لا يمكن القضاء عليه عند العصيان السياسي العام الا بالعنف الشامل أي الثوري . من هنا نستخلص أن نوع السلطة الدي يطرحه العنف الثوري يظل هو كدلك رهين العنف الدي انطلق منه ، أي سلطة دات مرجعية اديولوجية ، دينية سماوية كما حصل في ايران مثلا أو عقائدية دهرية كما حصل في الاتحاد السفياتة سابقا أو سلطة نظام حكم الحزب الواحد الفرداني . الخلاصة أننا رغم اختلاف الأساليب و الأهداف فان السلطة التي تقوم على العنف ، رجعيا كان أم ثوريا تتولد عنه لا محالة دولة تعتمد في بقائها و فرض سلطتها على أدواة قمعية ممثلة في البوليس و الجيش أساسا ، ناهيك البيروقراطية الحزبية و هياكل الدولة . و هكدا نجد أنفسنا بعد الخلاص من قبضة شردمة من الطبقيين المستفيدين من خيرات البلاد عن طريق النفود الدي توفره لهم الدولة القائمة كطغمة خارج و فوق القانون ، تخلفها بيروقراطية الحزب المتنفد بالسلط لتمارس نفس الاطهاد و نفس الاستغلال لمجموع الشعب بنفس العنف الدولتي.خلافا للعنف السياسي المنظم باسم الشعب و طبقاته المستضعفة ، نجد نوعا آخرا من العنف الدي يحدث بطريقة عفوية ، اما بشكل عام فوضوي أو حركي منسجم لكن غير منظم أو عن طريق انقلاب عسكري ، و في كل هاته الحالات نجد أنفسنا أمام دولة تعتمد العنف عوض الديمقراطية ، دلك أن الحتمية التاريخية تؤكد بعد كل تجاريب الشعوب أن أي نظام قام على العنف لا يمكنه الاستمرار الا بالعنف . هدا حصل في السابق و لا زال هو النهج السائد ، لكن هدا لا يعني أنه ليس هناك مخرج آخر للتحرير . هدا المخرج الدي تجسده سيرورة العصيان المدني السلمي . و يختلف العصيان المدني عن الانتفاضة المدنية التي تعبر عن الرفض العام لدى الجماهير للحكم القائم ، غير أنها و ان تبنت هي أيضا نوع من العنف لحماية نفسها و للاطاحة بالنظام القائم ، الا أنها في غياب الركيزة الرافعة لمطالبها و الموحدة لصفها تضيع من قبضتها في نهاية المطاف عملية التغير لصالح قوى سياسية دات عقيدة سماوية أو دهرية و التي هي أيضا كانت رافضة للنظام القائم و في صراع معه لا يستثني العنف . و هدا ما حصل مثلا في تونس و مصر و اليمن ن حيث تم تركيز عملية التغيير في شخص الدكاتور رمز السلطة القائمة و ليس في طرح البديل و التعبأة له . و منه نستنتج أن الحراك الشعبي العفوي و العام يمكنه أن يصب في طاحونة قوى سياسية معادية في العمق لروح الحراك الشعبي الدي أطاح برموز النظام المستبد .مما سبق يمكننا تحديد ما نقصده بالعصيان المدني السلمي ، و الدي هو تحقيق التغيير الشامل لشكل الدولة القائمة في غياب أي لجوء الى العنف . كيف يمكن لدلك أن يحصل و السلطة القائمة عمادها العنف بكل أنماطه الاجتماعية والاقتصادية و السياسية ؟ هدا ما سنحاول ، قدر المستطاع ، الاجابة عليه عبر الأبواب اللاحقة ، علما أن كل منظور جديد لعملية التغير المنشود يجد رفضا و شدود من قبل المنظورات الأحادية الجانب . و نحن نعلم أننا لا نملك كل الأدواة المعرفية و المادية في الآونة الراهنة ، غير أننا مقتنعون بوضوح المنهجية التي تؤصل لمنظورنا ، و تجعل من طرحنا هدا عملية مستمرة .أ – المـرجعيــةبما أننا ننطلق من الواقع المعاش و التاريخي لبلدنا المغرب ، و بما أننا نريد معايشة الحراك الشعبي الحاصل و جعله يكب في المجرى التحرري الدي من أجله قام . البحث في الحراك الشعبي الحاصل بالمغرب ، يفرض أول ما يفرض تفحص ما حصل في تجاريب المجتمات الأخرى و الاستفادة منها و عدم الانغلاق على الدات الدي هو احدى العاهات المرضية التي يلزم الانفلات منها . و هكدا سنجد أنفسنا أمام مراجعة الفكر البرودوني و كمونة باريز التي تبنت في زمانها 1870 المساواة التامة بين الرجل و المرأة و حرية الاعتقاد و العدالة الاجتماعية و رفض الاعدام و تعميم التضامن باقتسام الخيرات الجماعية على عموم المواطنين بالقسطاس ، كل حسب عمله و كل حسب حاجياته و جعل الانتاج تعاونيا . ألأمر الدي يدكرنا بما كانت عليه الأعراف التضامنية للجماعات الشعبية عندنا و التي حطمها نمط الانتاج الكولنيالي ، كأبشع ظاهرة استغلالية لنمط الانتاج الراسمالي المتوحش . و كدلك سيكون لنا رجوع لطرح المنتفض هانري تورو ضد الحرب الأمركية المكسيكية 1948 ، حيث بين لمادا سيقدم الضرائب و يخدم دولة تقوم بحروب ضالمة ضد أمة أخرى ؟ و كدلك ينبغي مراجعة الغندية بالهند في مواجهة الاستعمار البرطاني بطريقة سلمية . كما أن هناك تجاريب حديثة و قديمة مثل التجربة القرمطية و ثورة الزنج و التجربة السبارطية عند الاغريق ، كلها تجارب تساعد فهم الحراك الدي تقوم به حركة 20 فبراير لأنها عمليا اختارت مجرى نوعي في تاريخ الشعب و الأمم و دون هدا الوعي لدى الفاعلين فيها بالدور المنوط بهم سيتم اختزالها في حركة سياسية عادية ، استافدت من مناخ حركي عام في المنطقة المغاربية و العربية ، لكنا لم ترتقي للمستوى التاريخي الدي سيضمن لها الاستمرارية و الفعالية .ب – حركــة 20 فبــراير و العصيان المــدنيقد يمكن للعصان المدني أن يكون جزئيا كما حصل في أمريكا خلال الستينات حيث طالبت الأقلية الأفرو- أمريكية المساواة في الحقوق الاجتماعية و كدا الانتفاضات السلمية للحركة النسوية باوروبا بعد الثورة الاجتماعية لعام 1968 و كدا الحراك السلمي الثقافي الدي قامت بة الأقليات للتعريف و المطالبة بالاعتراف بثقافتهم كمكون أساسي للثقافة العامة كما حصل بالنسبة للوالون في بلجيكا أو الكرس بفرنسا و الكاطلون باسبانيا و الأمثلة عدة ، لكن العملية التي أماننا بالنسبة لحركة 20 فبراير كونها تريد تغييرا شاملا على كافة المستويات السياسية منها و الاجتماعية الاقتصادية و الثقافية ، أي أنها تهدف تغيير الدستور كأساس تقوم عليه الدولة و هياكلها الى جانب المطالب الأخرى التى ترمز، لما ينبغي في العمق أن تسير علية دواليب الدولة المطلوبة . بلغة أخرى ان حركة 20 فبراير تريد ثورة جدرية ، الا أنها تريدها بشكل سلمي ، الأمر الدي يقلي بكل عقاريب التفكير و الممارسة السياسية السابقة جانبا و التحلى بمنظور و أسلوب جديد للنضا . هدا يطرح المسألة الجوهرية ، كيف يمكن تسليح المواطنين بالوعي الضروري الدي يحصنهم للاستمرار في طريق المطالبة بالدولة الجديدة أي الدستور الجديد بدون أن تخمد شوكة المقاومة و من دون اعتماد العنف كوسيلة لمواجهة عنف السلطة المخزنية المتنفدة ؟ الواضح أننا أمام معضلة حاسمة يلزم فك مكنزماتها لحل المعادلة السياسية العظمي ، المطروحة المشخصة في القيام بثورة سلمية عن طريق العصيان المدني . كيف يمكن تحصين العصان المدني السلمي لحد جعل آليات السلطة المخزية تتهاوى كأوراق التوت أمام مطالب الشعب الصامد ؟ هدا يطرح نوع الرافعة أو أداة مشروع التغيير العام ، علما :أولا – ينبغي الاقتناع بأن الحراك وحده لا يكفي و لا يمكنه الصمود أمام العامل الزمني لأن الوقت لا يرحم ،و الدي هو دو حدين ، اما المباغتة و تحقيق المرام و اما تغيير خطة الهجوم لما يستعيد الخصم اماكنية التحكم في الوضع و الغلبة ، كما هو معروف ، لمن استطاع ربح الوقت عبر تحصين داته .تانيا – السلطة القائمة من طبعها استعمال العنف بكل أشكاله لضمان استمراريتها و ضمان مصالحا . و الوضعية كما تتضح معالمها أن القبضة القمعية في حالة التصعيد الشامل كما حصل في مدينة تازة و ما يحصل راهنا بآيت بوعياش ، حيث أمام المطالب المشروعة و البسيطة للمواطنين تعمد السلطة الي القمع الممنهج العام ، ليس فقط اتجاه المتظاهرين ، بل اتجاه عموم الساكنة بمداهة البيوت و الأماكن التجارجية و زرع الدعر بين المواطنين أطفال ، نساء، شباب و شيوخ . ثالتا – الوضعية الجديدة تفرض تطوير أشكال المجابهة و دلك على كل المستويات : – المستوى السياسي ببناء رافعة تتشكل من كل القوى الحية سياسية أم جمعوية ، و هدا عبر مؤتمر الشعب العام ينتج عنه مجلس عام يوجه الصمود و وضع الخطوط العامة لضمان استمرارية العصيان المدني ، – المستوى الاجتماعي بتطوير شبكات التعاون و التعاضض بين المواطنين – علي المستوى الاقتصادي بخلق تعاونيات متنوعة و في كل المجالات ، – المستوى الثقابي بتطوير كل أشكال التعبيرو الابداع الثقافي الفني ، – – تطوير الاعلام و ربط اتصال مباشر و دائم مع الصحفين. و أن تكون البوصلة الموجهة في هدا المضمار ، هو الايمان بالمقومات الشعبية المبنية على التحلي بالأخلاق الحميدة و الصدق في المعاملة و الصراحة عند القول و الثبات عند المواجهة و أن تحقيق المصير الحر و العيش الكريم تبدأ من الآن و ليس غدا . هدا يعني خلق فضاء لتفعيل مبادىء و أهداف الحراك الشعبي على أرض الواقع و ليس الاكتفاء بطرحها و التظاهر من أجلها .
يتبع .
محمــد المبــاركي
19 مــارس 2012



