حيمري البشير

الصحافة والمال: استحالة الحياد في زمن السلطة المطلقة

محمد نبيل*

في عمق الأزمة التي تعيشها صحيفة واشنطن بوست الامريكية، نجد مرآةً لانهيار مفهوم الصحافة كفضاء حر للتفكير والمساءلة. صحيفة التاتس الألمانية تناولت هذه القضية تحت عنوان عريض: “فقدان السيطرة”.

القضية هي أننا لا نتحدث هنا عن نزيف مالي أو تراجع في الاشتراكات، بل عن مأزق أعمق: الصراع بين الحقيقة والمال، بين الاستقلال الأخلاقي والهيمنة الاقتصادية، بين الحرية التحريرية والسلطة المطلقة للمليارديرات.

وهم “المنقذ الثري”

لطالما رُوّج لفكرة أن إنقاذ المؤسسات الإعلامية المتعثرة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر استثمارات ضخمة من رجال الأعمال الأثرياء. وقد بدا هذا الطرح مقنعاً عندما ضخ جيف بيزوس أموالاً كبيرة في الصحيفة، وساهم في تحديث بنيتها الرقمية، ووسّع غرف الأخبار، وأعاد لها نفوذها خلال سنوات الاضطراب السياسي في الولايات المتحدة.

لكن التجربة كشفت حقيقة مختلفة: المال يمكن أن ينقذ الصحيفة مالياً… لكنه لا يستطيع ضمان استقلالها على المدى الطويل. فالصحافة ليست شركة تقنية، ولا منصة تجارة إلكترونية. إنها مؤسسة تقوم على الثقة العامة، وعندما يشعر القراء بأن الخط التحريري مرتبط بحسابات سياسية أو تجارية، تبدأ الثقة في التآكل – حتى لو بقيت الميزانيات قوية.

اللحظة التي تتحول فيها الصحيفة إلى أداة نفوذ..

المنعطف الأخطر في أي مؤسسة إعلامية لا يكون عند الخسارة المالية، بل عند الشك في استقلالية القرار التحريري. وعندما يصبح السؤال داخل غرف الأخبار: “هل هذا الخبر صحيح؟ أم هل سيغضب أصحاب النفوذ؟” فإن المؤسسة تكون قد دخلت فعلياً مرحلة الخطر الوجودي.

وفي السياق الأمريكي، ازداد هذا الخطر مع الاستقطاب السياسي الحاد، خاصة في ظل صعود شخصيات مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب، حيث تحولت وسائل الإعلام إلى جزء من الصراع السياسي بدل أن تبقى مراقباً له.

الصحافة ليست مجرد سلعة

الصحافة، في جوهرها، ليست سلعة تباع وتُشترى، ولا منصة تقنية لتحقيق أرباح. هي ضمير جماعي، وعين مراقبة على السلطة، وفضاء للتفكير النقدي. حين تتحول إلى مشروع ربحي محض، تبدأ معالمها في التشوه: أولويات التحقيق تتغير، سرديات الخبر تُقاس بالمردودية، والأجندات التحريرية تتعرض لضغط غير مرئي لكنه فعال.

الصحافة ليست مشروعاً ربحياً خالصاً

واحدة من أكبر مغالطات العصر الحديث هي التعامل مع الصحافة كمجرد صناعة ربحية. الصحافة الجادة تاريخياً كانت تعتمد على نماذج تمويل هجينة: دعم من مؤسسات أو مؤسسين لديهم التزام أخلاقي وإيرادات من الاشتراكات والإعلانات، وأحياناً دعم غير مباشر من مؤسسات أكاديمية أو مدنية. لكن تحويل الصحافة إلى مشروع ربحي خالص يجعلها عرضة لقرارات تقشفية قد تدمر قيمتها الجوهرية: جودة المحتوى، استقلال التحرير، وعمق التحقيقات.

الحياد كمفهوم مستحيل

في فرنسا، لطالما كانت الصحافة معركة فلسفية قبل أن تكون مهنة. لم يُنظر إليها كمجرد ناقل للخبر، بل كفعل وجودي يواجه السلطة والجاه والمال. وفي السياق الأمريكي الحالي، صار مفهوم الحياد الصحفي وهمياً. في ظل الاستقطاب السياسي وصعود الشخصيات الشعبوية، كل خبر يصبح أداة محتملة للصراع على الوعي العام.

الإجابة العملية كانت واضحة في واشنطن بوست: الصحيفة أصبحت رهينة الرؤية الاقتصادية للمالك وأدواته في حماية مصالح شركاته، بينما كانت مهمتها الأصلية – مراقبة السلطة – في تراجع مستمر.

أزمة عالمية لا أمريكية فقط

ما يحدث اليوم لا يخص الولايات المتحدة وحدها. في أوروبا أيضاً، تواجه الصحافة تحديات مشابهة: تراجع الاشتراكات الورقية وضغط المنصات الرقمية وصعود ملكية المليارديرات للمؤسسات الإعلامية مع تسييس متزايد لوسائل الإعلام. السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستنجو الصحف؟ بل: أي نوع من الصحافة سينجو؟

النقد الثقافي والمالي يتقاطع

الدرس العميق لا يكمن في الفشل الإداري وحده، بل في أن المؤسسات الإعلامية الكبرى، مهما كانت قوتها التاريخية، ليست محصنة أمام منطق السوق ورغبة المالكين. النقد التقليدي للصحافة، القائم على الأخلاق المهنية والمساءلة، يتقاطع اليوم مع منطق الاقتصاد والسياسة في تناقض دائم.

أي نقاش عن مستقبل الصحافة يجب أن يأخذ في الحسبان أن الحل ليس بالتمويل الفردي أو الاستثمار المالي وحده. الصحافة تحتاج إلى هيكل مؤسسي يضمن استقلالها الأخلاقي والثقافي: مؤسسات غير ربحية، صناديق وقفية، أو نماذج هجينة تجمع بين الاستقلال المالي والالتزام التحريري.

الصحافة كممارسة فلسفية

من منظور فلسفي، الصحافة ليست مجرد مهنة أو عمل إداري. إنها ممارسة فكرية، علاقة متبادلة بين المعرفة والقوة، بين الوعي العام والسلطة. عندما تنهار هذه الممارسة تحت ضغط المال، لا تنهار فقط المؤسسات، بل تنهار الفضاءات التي تسمح للمجتمع بالتفكير في ذاته، في سلطة حكامه، وفي قيمه الأساسية. وهنا تكمن مأساة واشنطن بوست.

ليست مجرد صحيفة تتراجع، بل تجربة حضارية توضح هشاشة المؤسسات التي تحاول الجمع بين استقلالية الضمير وقوة المال. كل قرار إداري، كل تخفيض، وكل تغيير في خط التحرير، ليس مجرد حدث مهني، بل فعل رمزي يعكس الصراع الأبدي بين الحق والمال، بين النقد والمصلحة، بين الحرية والهيمنة.

من أجل فهم ما جرى

في النهاية، أزمة واشنطن بوست ليست حدثاً أمريكياً محلياً فقط، بل جرس إنذار عالمي: عندما تتنازل المؤسسات الإعلامية الكبرى عن استقلاليتها لصالح المالكين الأقوياء، فإن المجتمع ككل يفقد القدرة على الحوار الحر والنقد العميق. الصحافة ليست مجرد خبر يُقرأ، بل ممارسة ثقافية وفلسفية، وعند تآكلها، يتآكل جزء من القدرة الجماعية على فهم العالم وتشكيل مستقبل مستقل وواعي.

*كاتب ومخرج مقيم في برلين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID