مسهامة- شهادة في الحفل التأبيني لفقيد الوطن، الحاج عبدالله المنوزي

السبت 14 فبراير 2026
المركب الثقافي للحين الحسني بمراكش
عزاؤنا واحد في فقدان عمّنا الحاج عبد الله، رحمه الله.يصعب على المرء في مثل هذه اللحظة المؤثرة و المتميزة، لحظة الأربعينية، أن يستوعب وقع الفراق. فالأربعينية ليست مجرّد محطة زمنية، بل هي استدراكٌ لألام الغياب، واستحضارٌ لمسار حياةٍ بكاملها، واستشرافٌ لما سيظلّ منها ممتدًا في المستقبل.صحيحٌ أنّ عمّنا عبد الله الجسد قد رحل عنّا، لكن عمّنا عبد الله، ابن تربة سوس العتيقة، ما زال حاضرًا بيننا بمساره الطويل وأثره العميق.عبد الله الطفل الذي ازداد في المحيط الأمازيغي الأصيل، ثم هاجر إلى مدينة الدار البيضاء، و كان شاهدًا وفاعلًا في مغرب الثلاثينات، زمن التحوّلات الكبرى والمقاومة الصامتة والعلنية. مغربُ معركة آيت عبد الله بالجنوب المغربي سنة 1934، تلك المعركة التي استشهد فيها العشرات، وخلّفت في الذاكرة الجماعية معنى الكرامة والصمود.في هذا السياق التاريخي تشكّلت ملامح شخصيته: الصلابة، والارتباط بالأرض، والإحساس المبكّر بالمسؤولية. حمل معه هموم سوس أينما حلّ، لغةً وقيمًا وذاكرة، وجعل من الغربة امتدادًا للجذور لا قطيعةً معها. فكان مثالًا للرجل الذي لا ينسلخ عن أصله، مهما اتّسعت المدن وتغيّرت الأزمنة.هاجر أرض الأجداد، لكن تمازيرت لم تغادره يومًا. ظلّت تسكنه حنينًا ومسؤولية، ولم يكن ذلك الحنين عاطفةً عابرة، بل التزامًا ثابتًا؛ إذ جعل من جزءٍ من تقاعده عهدًا متواصلًا مع الأرض والناس، يضمن به الحدّ الأدنى من العيش الكريم لأهل امانوز ، ويؤكد أن الوفاء للأرض لا يسقط بالتقادم، وأن الانتماء لا يُهاجر.وفي الذكرى الأربعينية لوفاة الفقيد، نستحضر سيرة وفاءٍ وصبرٍ قلّ نظيرهما، ونخصّ بالذكر زوجته الصابرة المحتسبة، عمتناالحاجة فاطمة تبلعيدت. لقد تقاسمتِ معه الحاجة فاطمة كل مراحل الحياة، منذ الأيام الأولى للهجرة إلى الدار البيضاء، ثم إلى ورزازات ومراكش، فكانت رفيقة الدرب في الترحال والاستقرار، في الشدة والرخاء.وحين اختُطف وسُجن لمدة سنتين، و هي حامل، تحمّلتِ المسؤولية كاملة بشجاعة نادرة، فكانت للأبناء أبًا وأمًا، سندًا وحضنًا، ومدرسةً في الصبر والثبات… مررتِ بمرحلة قاسية، لكنكِ قاومتِ الألم والمرض لسنوات بإيمان قوي وعزيمة لا تلين، لتمنحي أبناءكِ وبناتكِ أفضل تربية وأحسن تكوين، وتزرعي فيهم القيم التي عاش من أجلها فقيدكم الغالي.إن ما قدّمتِه ليس مجرد واجب، بل قصة كفاحٍ ووفاءٍ وتضحية، ستظل محفورة في ذاكرة أبنائكِ وكل من عرفكِ. نسأل الله أن يجزيكِ عن صبركِ خير الجزاء، وأن يربط على قلبكِ، وأن يجعل كل ما عانيتِه في ميزان حسناتكِ، وأن يجمعكِ بزوجكِ في مستقر رحمته.و استسمح الحضور الكريم و اطلب منكم الوقوف للتعبير عن تقديرنا الكبير لما قدمته عمتنا الحاجة فاطمة تبلعيدت من تضحيات و مساهمات من اجل الوطن و الديمقراطية و حقوق الانسان. كما نستحضر في هذه الذكرى صورة عبدالله المواطن الصادق في الزمان والمكان، الذي لم يفصل يومًا بين الحقوق والواجبات، بل جعلهما ممارسة يومية وسلوكًا عمليًا يعيشه في تفاصيل حياته. لم يكن الحق عنده شعارًا يُرفع، ولا الواجب كلمة تُقال، بل التزامًا يُترجم في المواقف والمبادئ.لم يحصر مفهوم المواطنة في حق الاختيار والتصويت الحر فحسب، بل ارتقى بها إلى شرطٍ للانتماء الحقيقي والالتزام الصادق داخل حزب الاستقلال و حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والمنتدى المغربي للحقيقة و الانصاف. كان يرى أن العضوية مسؤولية، وأن الانخراط موقف أخلاقي قبل أن يكون موقعًا تنظيميًا.كان سبّاقًا في التعبير عن رأيه في الاجتماعات الحزبية والحقوقية، لا يتردد في قول كلمة الحق، منتفضًا لتعرية الخلل والانحراف، مدافعًا عن الفكرة بإخلاص نادر. وكان يعتبر أن صفاء العلاقة الأخوية يمرّ عبر الصدق والوضوح، حتى جعل من الإخلاص للمبدأ شرطًا – في بعض الحالات – لاستمرار تلك العلاقة.رحل عمّنا عبد الله، لكن سيرته باقية في أبنائه وأهله وكل من عرفه. باقية في الحكايات الصغيرة، وفي المواقف، وفي ذلك الخيط الهادئ الذي يربط الماضي بالحاضر، ويعلّمنا أن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بعمق أثره.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل صدقه وإخلاصه في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله ورفاقه جميل الصبر والسلوان.وإنا لله وإنا إليه راجعون.
صلاح الدين المنوزي




