فيلم افتتاح الدورة 76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي
فيلم “لا يوجد رجال طيبون” أو الحب الملغوم
برلين: محمد نبيل
في فيلم الافتتاح، يعود مهرجان برلين السينمائي إلى كابول مسلطًا الضوء على واقع الشعب في أفغانستان تحت حكم طالبان. فيلم ” لا يوجد رجال طيبون ” للمخرجة شهبانو سادات يقترب إنسانيًا من مرحلة انسحاب الولايات المتحدة من البلاد، وما تبعه من تحولات سياسية واجتماعية عميقة.
يرصد الفيلم أفغانستان عام 2021، قبيل عودة طالبان إلى الحكم. تكافح نارو، المصوّرة الوحيدة في أهم محطة تلفزيونية في كابول، للحصول على حق حضانة ابنها البالغ ثلاث سنوات. وبعد انفصالها عن زوجها الخائن، ترسّخ داخلها اعتقاد قاسٍ: لا يوجد رجال صالحون في بلدها.
لكن هذا اليقين يبدأ بالاهتزاز عندما يمنحها قدرات، أبرز صحفي في القناة، فرصة مهنية حقيقية. وخلال تنقلهما في شوارع المدينة لتغطية ما قد يكون الأيام الأخيرة من الحرية، تتولد بينهما مشاعر غير متوقعة، فتبدأ نارو في مراجعة أحكامها: هل يمكن أن يوجد رجل صالح في مكان ما؟
نارو معتادة على الألم الصامت. فهي تتحمل بصبر – رغم الإحباط – حصرها في تصوير برامج حوارية خفيفة، بينما تطمح إلى عمل صحفي حقيقي. وبصفتها أمًا منفصلة حديثًا، ينحصر قلقها اليومي في تأمين حياة مستقرة لابنها داخل حضانة القناة. ومع ذلك، لا تتوقف عن المطالبة بفرص مهنية أكبر، رغم رفض إدارتها المتكرر.
وعندما يعتذر أحد الزملاء فجأة عن إجراء مقابلة، ترى نارو فرصتها أخيرًا، حتى لو انتهت التجربة بشكل صادم. إذ يرفض قدرات في البداية اصطحابها، مصرًا على وجود «مصور رجل حقيقي». وعند تنفيذ المهمة، تتعلم نارو بطريقة قاسية لماذا لم تكن “مناسبة” في نظره.
المخرجة سادات تؤدي بنفسها الدور الرئيسي، وشاركت في كتابة السيناريو مع شريكها في البطولة، مستندين إلى وقائع حقيقية. وتستند إمكانية عمل نارو كصحفية إلى الإطار الزمني للأحداث: عام 2021، أي قبل إعلان الانسحاب الأمريكي وعودة طالبان للسلطة.
لم يتم تصوير الفيلم داخل أفغانستان لأسباب أمنية. وبدلًا من ذلك، استُخدمت أحياء في هامبورغ كبديل بصري لكابول، حيث تعيش المخرجة منذ أغسطس 2021. أما إنتاجيًا، فالفيلم نتاج تعاون دولي بين عدة دول أوروبية إضافة إلى أفغانستان.
العادات الذكورية والبنية الأبوية
تواصل سادات، التي عُرفت بأفلامها السابقة ذات الحس الواقعي، تفكيك صورة المجتمع الأبوي من الداخل. فنارو لا تواجه فقط هيمنة الرجال في العمل، بل تناقش مع زميلاتها بصراحة علاقتهم بالرجال ونواقص هذه العلاقات.
وفي أحد المشاهد، خلال استطلاع حول عيد الحب، تكتشف أن كثيرًا من النساء يشاركنها الشعور ذاته تجاه العادات الذكورية لأزواجهن. ومن هذه الإجابات يولد عنوان الفيلم. ولم تكن النساء يدركن أن التعبير عن هذه الآراء علنًا سيصبح قريبًا مستحيلًا.
يعتمد الفيلم منظورًا نسويًا داخليًا، ويعالج مأساة تاريخية بلمسة من السخرية الخفيفة، في محاولة لتجنب السقوط في خطاب الضحية المباشر. كما يدمج خطًا عاطفيًا داخل السرد، لكن هذا الخيار لا ينجح دائمًا. فمع تصاعد التوتر السياسي والإنساني، تتراجع مساحة الفكاهة، وتتسلل أحيانًا نبرة ميلودرامية قريبة من المسلسلات التلفزيونية.
في المقابل، يتجنب الفيلم إعادة تمثيل الصور الصادمة لمطار كابول في أغسطس 2021، حيث ركض آلاف المدنيين خلف الطائرات العسكرية هربًا من المجهول. غير أن هذا الغياب يترك فراغًا بصريًا ودلاليًا واضحًا. كما يطرح العمل – بشكل غير مباشر – سؤالًا حساسًا: هل كان الحضور الغربي جزءًا من الحل… أم جزءًا من الأزمة الأفغانية؟
خلاصة نقدية
في النهاية، يترك الفيلم انطباعًا بأنه كان قادرًا على الذهاب أبعد في معالجة التعقيد السياسي والإنساني للقضية. وبين حساسيته الإنسانية وتردده السياسي، يبدو أن فيلم ” لا يوجد رجال طيبون” اقترب من طرح أسئلة كبرى… دون أن يغامر بطرح إجابات حادة.
