
بقلم: ادريس السدراوي “رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان”
لم تعد الفيضانات التي يعرفها المغرب اليوم مجرد أحداث طبيعية معزولة أو وقائع ظرفية يمكن تطويقها بتدخلات استعجالية محدودة. ما كان يُقدَّم في البداية باعتباره أزمة محلية بمدينة القصر الكبير، سرعان ما تبيّن أنه امتداد جغرافي واسع شمل إقليم القنيطرة بما فيه مدينة القنيطرة، وتطوان، وسيدي قاسم، وسوق أربعاء الغرب، وإقليم سيدي سليمان، مع مؤشرات قوية على أن رقعة الخطر مرشحة لمزيد من التوسع في ظل تغيرات مناخية متسارعة.هذا الواقع الجديد يفرض مقاربة سياسية أعمق، لأننا لم نعد أمام “كارثة طبيعية” فقط، بل أمام أزمة بنيوية متعددة الأبعاد تكشف محدودية السياسات العمومية، وهشاشة التخطيط المجالي، وغياب العدالة في توزيع كلفة المخاطر بين الدولة والمجتمع والثروة.الدولة تتدخل… لكن الأرقام تنذر بالاستنزافبكل موضوعية وإنصاف، لا يمكن إنكار أن الدولة المغربية، إلى حدود اللحظة، تقوم بمجهودات معتبرة في مجالات الإيواء، الإجلاء، الترحيل، والتدخلات الاستعجالية، من خلال تعبئة السلطات المحلية، والوقاية المدنية، والقوات المسلحة الملكية. هذه التدخلات مكّنت من الحد من الخسائر البشرية، وهو أمر يُسجَّل للدولة ولا يمكن القفز عليه.غير أن القراءة الواقعية للأرقام تكشف أن الاستمرار بنفس الوتيرة سيكون مستحيلًا إذا استمرت الفيضانات في التوسع. فالتقديرات الدولية تشير إلى أن الكوارث المناخية، وعلى رأسها الفيضانات، قد تكلّف الدول المتوسطة الدخل ما بين 1 و3 في المائة من ناتجها الداخلي الخام سنويًا. وبالنسبة للمغرب، الذي يناهز ناتجه الداخلي الخام حوالي 140 مليار دولار، فإن الأمر قد يعني خسائر بمليارات الدولارات سنويًا، فضلًا عن الضغط المتزايد على الميزانية العمومية وعلى القدرات اللوجستية للدولة.من هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن للدولة وحدها أن تتحمل كلفة أزمة تتوسع جغرافيًا وبشريًا بهذا الشكل؟ الجواب السياسي الواقعي هو أن تحميل الدولة وحدها هذه الكلفة ليس فقط غير عادل، بل غير ممكن.الوطن؟في قلب هذا النقاش، يفرض سؤال جوهري نفسه بإلحاح: أين اختفى مليارديرات المغرب؟ نحن لا نتحدث عن فئة هامشية، بل عن أقلية اقتصادية راكمت ثروات ضخمة داخل هذا الوطن، واستفادت لعقود من الامتيازات، والإعفاءات الضريبية، والأراضي العمومية وأراضي الجموع، والصفقات العمومية، والتسهيلات الاستثنائية.حين نسأل عن عزيز أخنوش، فإننا لا نسأله فقط بصفته رئيسًا للحكومة، بل بصفته أحد كبار رجال الأعمال في إفريقيا. وحين يُطرح اسم عثمان بنجلون، أو عائلة الصفريوي، أو أنس الصفريوي، أو مولاي حفيظ العلمي، فإننا نتحدث عن فاعلين اقتصاديين راكموا ثروات تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات حسب تصنيفات وطنية وإقليمية.السؤال هنا ليس تجريميًا ولا شعبويًا، بل أخلاقي وسياسي بامتياز: كيف يمكن أن تغيب هذه الثروة عن لحظة وطنية حرجة، بينما تظهر بسخاء في مواسم الانتخابات، أو في لحظات الدفاع عن المصالح الخاصة؟ إن هذا الغياب لا يمكن تبريره بالصمت أو الادعاء بالعمل في الخفاء، لأنه ببساطة غير مرئي وغير مؤثر على حياة المتضررين.تزداد حدة هذا السؤال حين نقارن الوضع المغربي بتجارب دولية. ففي الولايات المتحدة، وخلال كوارث كبرى مثل إعصار كاترينا أو إعصار هارفي، تحولت مساهمة الأثرياء والشركات الكبرى إلى رافعة أساسية لإعادة الإعمار، من خلال تمويل مراكز إيواء طويلة الأمد، وإعادة بناء أحياء كاملة، وتقديم دعم مباشر للأسر المتضررة، دون انتظار تدخل الدولة وحدها.وفي أوروبا، خصوصًا بعد فيضانات ألمانيا وبلجيكا سنة 2021، شهدنا انخراطًا واسعًا لأثرياء وشركات خاصة في صناديق تضامن وطنية، وفي دعم البلديات المتضررة، وإعادة تأهيل البنيات التحتية المحلية. هناك، لا تُطرح المسؤولية الاجتماعية كخيار أخلاقي إضافي، بل كجزء من العقد غير المكتوب بين الثروة والمجتمع.في المقابل، ما زالت هذه الثقافة في المغرب ضعيفة أو غائبة، حيث تُمارس المسؤولية الاجتماعية – إن وُجدت – بشكل موسمي وانتقائي، دون أثر بنيوي حقيقي في زمن الأزمات.خطر الجمعيات والوساطات: مأساة فوق مأساةوفي ظل هذا الغياب المقلق للثروة الكبرى، يبرز خطر آخر لا يقل خطورة، يتمثل في جمعيات موسمية تتاجر بمآسي المواطنات والمواطنين، وتحول الكوارث إلى فرص للظهور الإعلامي أو لجمع التبرعات دون شفافية أو محاسبة.من منظور حقوقي واضح، لا يمكن القبول بتحويل الدعم العمومي أو الإنساني إلى وساطات أو أدوات زبونية. إن كرامة المتضررين تفرض أن يصل الدعم إما مباشرة من الداعمين، أو عبر السلطات العمومية المختصة، بعيدًا عن القنوات المشبوهة أو الاستثمار الرمزي في الألم الإنساني.أمام هذا الوضع المركب، يصبح من الضروري الانتقال من التشخيص إلى الفعل، عبر فتح اكتتاب وطني شفاف تُساهم فيه الدولة، ولكن تتحمل فيه الثروة الكبرى نصيبها العادل من المسؤولية. كما يفرض الواقع إحداث صندوق وطني دائم للكوارث المناخية، بمساهمة إلزامية لكبار الثروات، وربط الامتيازات الاقتصادية بالمساهمة الاجتماعية الفعلية في زمن الأزمات.إلى جانب ذلك، لا بد من إرساء آلية رقابة مستقلة تضمن النزاهة والعدالة في توزيع الدعم، وتحمي المال العام من أي انحراف أو استغلال سياسي أو جمعوي.خلاصة سياسيةما تكشفه الفيضانات اليوم لا يقتصر على هشاشة البنية التحتية أو ضعف التخطيط، بل يفضح هشاشة العقد الاجتماعي نفسه. فحين تتراجع الطبيعة، يُفترض أن تتقدم الإنسانية، وحين تعجز الدولة وحدها، يُفترض أن تتدخل الثروة.إن استمرار صمت مليارديرات المغرب في زمن الكارثة ليس حيادًا، بل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا كامل الدلالة، ستكون له كلفة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها في المستقبل.




