مستجداتمقالات الرأي

كلمات* .. في معنى هزيمتنا بـ“السحر الأسود”

* وا المغاربة.. “الرّْجوعْ للَّه” !*

أحمد ويحمان

× في لحظاتٍ بعينها، لا يعود الإنسان قادرًا على تفسير ما يجري بمنطق الأسباب ولا بطمأنينة العقل، فتتفلت المشاعر من ضوابطها، وتذوب الفردية داخل الجماعة، وتتحول الحشود—في الواقع كما في الفضاء الرقمي—إلى كائن واحد : يهتف ويغضب ويقدّس ثم ينهار. وفي مثل هذه اللحظات، يعود المجتمع دون أن ينتبه إلى إحدى أقدم طبقات التفكير في تاريخه : *التفكير السحري* ؛ حيث يُصبح الواقع أسير “قوى خفية”، وتتحول الهزيمة إلى “لعنة”، ويُقدَّم الانتصار على أنه “بركة”، ويُستبدل سؤالٌ طبيعي مثل: لماذا خسرنا؟.. بسؤالٍ طفوليٍّ مُريح : من سحَرَنا؟ ‼️ من هنا ينبغي قراءة ما جرى في البطولة الإفريقية الأخيرة، لا كأحداث رياضية معزولة، بل كصورة مكثفة لحالة نفسية–اجتماعية أخذت تتغلغل فينا : كرة القدم، حين تُستدعى داخل مجتمعات مُنهكة، قد لا تبقى رياضة ولا منافسة، بل تتحول إلى طقس تعبئة وإلى مساحة إسقاط سياسي وانفعالي، يُعاد فيها ترتيب المشاعر، واختراع خصوم رمزيين، وتأجيل مواجهة الأسئلة الثقيلة… ويُمنح الناس “وهم السيادة” حيث لا سيادة، و“وهم الانتصار” حيث تتراكم الهزائم الواقعية في كل مكان. لقد بدا ما وقع في هذه البطولة مسارًا متدرجًا لتصعيد التوتر: إقصاءات متتالية، ثم انفجار شماتات وتخوينات وتبادل اتهامات بين شعوبٍ يفترض أنها تتقاسم شيئًا من اللغة والتاريخ والمصير؛ بل وتشترك في العقيدة والقِـبلة الواحدة‼️، قبل أن يصل المشهد إلى نهائيٍّ مشحونٍ صار فيه اللقاء الرياضي أقرب إلى “استفتاء نفسي” حول قيمة الوطن ومعنى الكرامة. وحين ضاعت ركلة الجزاء، لم تضِع كرة فقط… بل انكسر “تعويض رمزي” كان يعلّق عليه المجتمع جزءًا من آلامه المتراكمة. ثم جاءت الصدمة الأفدح : وفاة مشجعٍ بسيط في إحدى المدن الداخلية؛ قلعة السراغنة . هنا، يتوقف المرء مذهولًا : كيف يمكن لحياةٍ أن تُطفأ لأن الكرة لم تُعانق الشباك ؟ليست هذه الواقعة جزئية عابرًة، بل هي مؤشر خطير على اختلال ميزان المعنى : فحين تُختزل الكرامة في لقطة ولحظة، ويُختزل الوطن في قميص، تصبح الروح نفسها رهينة احتمال رياضيٍّ هش. وهنا تصبح الحاجة ماسة للمثل المغربي لا كتهكّم، بل كجرس إنذار : *وا المغاربة.. الرّْجوعْ للَّه !* يجب الرجوع للعقل، للتمييز، للهدوء… ولرسم الحدود بين اللعبة والحياة، بين الرمز والحقيقة، وبين الانفعال والوعي. *1) حين يُهزم العقل وتستيقظ طبقات “الفكر البدائي”* التفكير السحري ليس مصطلحًا أكاديميًا مُعلّقًا في الفراغ، بل وظيفة نفسية تظهر حين يشعر الإنسان بالعجز أمام واقعٍ لا يملك مفاتيحه. فبدل أن يعترف بأسباب الهزيمة ويواجهها، يبحث عن تفسيرٍ سريع يخفف الألم ويمنحه مخرجًا نفسيًا .. وهكذا يتسلل منطقٌ بدائيٌّ بسيط في تركيبه، خطير في نتائجه :إذا فزنا فذلك “نية” و“دعاء” و“بركة”…وإذا خسرنا فذلك “سحر” و“عمل” و“مؤامرة”.. ‼️ هذا النوع من التفكير لا ينتج معرفة، بل يوزّع مسكنات. لا يشرح الواقع، بل يهرب منه. والأسوأ أنه يعيد المجتمع خطوات إلى الوراء : من مجال العقل والتحليل إلى مجال الظنّ والهلع. وهو اليوم لا يعود في صورة “اعتقاد شعبي بريء” فقط، بل في صورة ترندات، ومحتويات “تحليل” ومقاطع تُلبّس الخرافة لباس الوطنية، حتى صار بعضهم يقرأ مباراة نهائية كما تُقرأ “الطلاسم”. *2) “السحر الأسود”: من تفسير الهزيمة… إلى اختراع عدوٍّ خفي* بلغ هذا الانزلاق حدّه حين راج—عند بعض المتحمسين—أن السنغال لم تنتصر بإعدادٍ ولا تكتيكٍ ولا جاهزية، بل بـ**“السحر الأسود”** !!!. هكذا تصبح الرياضة مسرحًا لقوى غيبية، ويُستقيل العقل الجماعي من أبسط واجباته : الفهم والتقدير والنقد.والنتيجة ليست زلة تفسير فحسب، بل إهانة مزدوجة :إهانة للرياضة لأنها تُسحب من قوانينها الطبيعية،وإهانة للخصم الإفريقي لأنه يُختزل في صورة “الساحر”، بدل الرياضي الذي اجتهد واستحق .. (بعيدا عن أحداث ضربة الجزاء “المهدورة” وماسبقها وما تبعها من أسئلة ضخمة نزلت بكلكلها على 40 مليون إنسان بشكل هستيري) . لكن الأعمق من ذلك أن خرافة “السحر الأسود” لا تكتفي بشرح الخسارة : إنها تُنتج علاقة مرَضية مع الآخر، لأن الخصم يصبح “شرًّا خفيًا”، وتتحول المنافسة إلى عداوة، والنتيجة إلى جرح هوياتي. وهكذا تُصنع خصومات تتجاوز المستطيل الأخضر… فقط لأن كرةً ضاعت… أو ضُـيّـِـعت لدواعي أكبر من مجرد لعبة كرة وكأس..حسبما تناقلته مئات التحليلات حول طريقة ضرب الكرة وسهولة التقاطها من قبل الحارس السنغالي دون ذرة ردة فعل منه ولا من رفاقه …‼️ *3) حين تتحول البطولة إلى قناعٍ يغطي الانكسار الاجتماعي* لا ينبت التفكير السحري في أرضٍ سليمة. إنه يظهر حيث تتكاثف الإحباطات وتتراجع الثقة وتغيب الأجوبة. حين يفشل المجال العام في إنتاج الأمل، وحين تتآكل شروط العيش الكريم، يصبح المجتمع، الهش بجهله، أكثر قابلية لتصديق أي تفسير يخفف عنه مرارة الواقع.فتتجمد الأسئلة الأساسية :لماذا تتدهور الخدمات؟ لماذا تتسع الفوارق؟ لماذا تُسد الآفاق؟ لماذا يتضاعف اليأس؟وتُستبدل كلها بسؤالٍ واحد، سهل ومثير ومضلّل :+ “واش كاين السحر” ؟× القرآن تكلم على السحر ! × السحر كاين !!!هنا تتحول كرة القدم إلى تعويضٍ نفسي مؤقت، وحين لا يتحقق “الخلاص الرمزي” بالفوز، يخرج الناس من الطقس الجماعي مكسورين أكثر… لأنهم كانوا يطلبون من المباراة ما لا تملكه أصلاً : معالجة الجرح الوطني. *4) الأخطر: توجيه الغضب نحو القطيعة مع المحيط .. وصناعة “حليف وحيد”* غير أن الخطورة الكبرى لا تكمن في الخرافة وحدها، بل في الاستثمار فيها. فالتفكير السحري—عندنا—لا يتحرك بريئًا، بل يجري توظيفه داخل سيرورة أشمل : بتر المغرب عن محيطه العربي والإسلامي والإفريقي، وتغذية شعورٍ مرضيٍّ بأن “الجميع ضدنا”، وأن الخطر يأتي من كل الجهات، وأن القطيعة هي الطريق.وهكذا تُروَّج سردية مقلوبة، تتكثف في شعاراتٍ مألوفة في الوعي الإلكتروني الذي صنعه الذباب على مدى سنوات التطبيع مع كيان الإجرام الصهيوني :+ كل العرب ضدنا !+ كل المسلمين ضدنا !+ كل الجيران ضدنا !+ كل إفريقيا تحقد علينا !+ لا نحتاج أحدًا !+ لا يهمنا إلا المغرب ! عاشت “تامغربييت” ! ثم تُمرَّر النتيجة دون أن تُقال صراحة :إسرائيل فقط هي الصديق… هي السند… هي “الوفية” للمغرب .. ‼️‼️وهي أخطر عملية هندسة عاطفية يمكن أن يتعرض لها شعب : تحويل الانفعال الرياضي إلى عداوة مع المحيط، وإعادة ترتيب الولاءات نحو كيانٍ قائم على الإبادة والتطهير العرقي والفصل العنصري المنبوذ في كل العالم … لكنه يُقدَّم كأنه “فرصة نجاة” …‼️ *5) “السحر الأسود” كجسرٍ لتأهيل “حاخامات البركة” وتمائم النفوذ* يزداد الأمر غرابة حين نلاحظ أن الحديث عن “السحر الأسود” لم يعد مجرد هلوسات جمهورٍ غاضب، بل صار يتقاطع مع موجة ترويج “بركات الحاخامات”، والخيوط، والتمائم، و”القَبول”، و”التيسير”، بل و”الحماية” و”النجاح”.والنتيجة : بيئة ذهنية قابلة للاختراق، تؤمن بالخرافة أكثر مما تؤمن بالمؤسسات، وتثق بالتميمة أكثر مما تثق بالقانون، وتبحث عن “بركة مسوَّقة” بدل أن تطالب بالعدالة والكفاءة.وفي هذا السياق نستحضر الحوار الذي أثار صدمة واسعة، بين زعيم العصابة الرمضاني من جماعة “كلنا إسرائيليون”، وبين عمدة المحمدية ورئيس نادي الوداد البيضاوي آيت منا، حيث جرى الكشف عن تمائم موشومة، قُدِّمت باعتبارها تعزيمات ممن يُسمّى زورًا “الحاخام الأكبر في المغرب”؛ أوشياهو بينتو، وهو صاحب سوابق فساد داخل الكيان الصهيوني نفسه قضى بسببها مدة في السجن ..كما لا يغيب مثال المدعوة فاطمة كريم التي قضت أزيد من سنتين من الحبس بسجن وادي زم بعد توقحها على الذات الإلهية وعلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إثر اعتناقها اليهودية التلمودية وتسويقها للجيش الصهيوني، وبيعها خيوط “البركة” و“التٌْسابوب” لكل من يبحث عن “القبول”، في احتيالٍ فجّ : خيطٌ لا يساوي شيئًا يُباع بمئة درهم وأكثر للفتيات “العوانس” بقصد اسجلاب عريس وللشبان العاطلين لاستحلاب فرصة عمل … خيط عادي بقيمة سنتيم واحد مقابل مائة درهم.. لأن سوق الخرافة يزدهر حين ينهار العقل. *6) المعنى السياسي العميق: إعادة تشكيل الوعي… لا تفسير المباراة* حين تُزرع هذه الأفكار داخل مجتمعٍ يعيش أزمة ثقة، يصبح المقصود واضحًا :ليس “فهم المباراة”… بل إعادة ترتيب العدو والصديق.فإذا صَدَّق الناس أن “السحر الأسود” سر الانتصار، وأن الحاخامات هم أصحاب مفاتيحه، يصبح الطريق ممهّدًا لتثبيت منطق مفزع :الحل ليس، إذن، في العمل والإعداد والكرامة والعدل…بل في “التمكين” في السحر الأسود !والسحر الأسود تخصص حصري لحاخامات ” إسرائيل” !وبالتالي : فلا مندوحة لنا ولا غنى عن إسرائيل… حتى ننتصر .. ‼️‼️ في الكرة.. وفي كل شيء .. وهذه ليست سذاجة عابرة، بل تزييف لبنية الوعي : تحويل المجتمع من عقلٍ يربط النجاح بالاجتهاد، إلى عقلٍ يربطه بالتميمة. ومن وعيٍ يرى في المحيط سندًا طبيعيًا، إلى وعيٍ يراه “مؤامرة كبرى”. ومن شعبٍ يسأل عن شروط الكرامة… إلى شعبٍ يبحث عن “خيط بركة حاخامية”. ومن هنا لا تبدو الدعوة إلى “حزب نهضة تمغربييت” (الذي من أهم قادة مشروعه توجد عناصر معروفة بتوجهاتها الصهيوتطبيعية المدمنة على معانقة حاخامات و عملاء “اسرائيل” من وفود الضابطة ليا شطريط) .. لا تبدو مجرد فولكلور إلكتروني، بل قد تُقرأ كتمهيد سياسي لإعادة ترجمة هذه العاطفة الخام إلى مشروع قطيعة واصطفاف، يقوده بعض “العطاشة” الذين ينتظرون حصتهم في موسم الصهينة الشاملة للبلاد.*آخر الكلام* كرة القدم رياضة .. نعم.. لكنها داخل مجتمعٍ مُنهك يمكن أن تتحول إلى مرآةٍ لجرحٍ عميق، أو إلى أداة توجيه خطيرة. وما نراه اليوم من عودة التفكير السحري، ومن تسييد خرافة “السحر الأسود”، ليس مجرد انفعال رياضي عابر، بل علامة على ارتداد نفسي–اجتماعي وعلى وجود من يستثمر فيه لقطع المغرب عن محيطه الطبيعي، وإقناع الناس أن خلاصهم لا يكون إلا بالالتحاق بكيان الإبادة ونظام الأپارتهايد.لهذا نصرخ بصدق المثل المغربي الذي يلخص حكمة الناس حين تنفلت العقول

*وا المغاربة.. الرّْجوعْ للَّه !

* الرجوع للعقل… قبل أن نُهزم مرتين: مرةً في الملعب، ومرةً في الوعي .

نقول قولنا هذا وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !

—————————–

× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID