*كلمات* .. في القواعد وسؤال : من يحمي من من ؟

———————————-
*رسالة علماء الأمة إلى كل أحرار الأمة بشأن حرب “إبشتاين”*
أحمد ويحمان
× في لحظةٍ يختلط فيها الضجيج بالدخان، ويُراد للعقول أن تنشغل بالتفاصيل التقنية للصواريخ والمسيّرات، يطفو سؤال بسيط لكنه خطير هو : من يحمي من؟ لقد أُنشئت القواعد العسكرية الأمريكية في عدد من البلدان العربية، وقيل يومها إنها لحماية هذه البلدان من الأخطار المحدقة. غير أن المفارقة المربكة اليوم أن يُطلب من هذه البلدان نفسها أن تتحول إلى دروع بشرية لحماية تلك القواعد، بل ويطلب منها ويُضعط أن تنخرط في حرب يُديرها كلٌّ من مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، وهما اللذان ارتبط اسماهما بمجازر الإبادة الجماعية والتطهير وبمشاهد المأساة الإنسانية المتواصلة في غزة. *القواعد… من وظيفة “الحماية” إلى عبء الاستدراج* أيُّ منطقٍ هذا الذي يحوّل “الضامن الأمني” إلى عبء أمني ؟
وأيُّ معادلةٍ هذه التي تجعل الأرض العربية منصّة اشتباك في صراعات كبرى لا مصلحة للأمة فيها، بل تدفع أثمانها من أمنها واستقرارها وسمعتها وتاريخها ؟
إن الحديث الذي تردّد في بعض الأوساط الأمريكية عن توصيف المواجهة مع إيران بـ“حرب إبشتاين” – في إشارة ساخرة إلى شبكة المصالح والابتزاز والارتباطات التي فجّرها ملف Jeffrey Epstein – يعكس حجم الارتباك الأخلاقي والسياسي داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تداولت العبارة منصات إعلامية ونقاشات عامة، بما في ذلك في أوساط صحفية واسعة مثل The New York Times. لا بل إن عددا من السيناتورات الأمريكية ترفع صوتها، مع ورود الأخبار عن الخسائر الامريكية، بال”لا شرعية ” و ال”لاقانونية ” باعتبار أن إعلان الحرب هو من اختصاص الكونغرس وليس الرئيس الذي تصرف في اتخاذ القرار من تلقاء نفسه دون الرجوع لصاحب الاختصاص؛ الكونغرس، وليس تصريح السيناتور ساندرز والمرشحة السابقة للرئاسة كاميلا هاريس إلا مثال عن هذا النقاش الذي سرعان ما سيتطور، بحسب الخبراء، بعد توافد توابيت وجنود وضباط المارينز .
فإذا كان الأمريكيون، ومن أعلى المستويات أنفسهم يتساءلون عن خلفيات الحرب ودوافعها، فكيف يُطلب من العرب والمسلمين أن يكونوا وقودها ؟
*نداء العلماء… وتحريم الانخراط* في هذا السياق، جاء نداء عدد من علماء الأمة ، من المشرق والمغرب على السواء، محذّرًا من أي مشاركة في الحرب ضد إيران، ومؤكدًا أن الزجّ ببلدان المسلمين في معركة تخدم مشاريع الهيمنة والعدوان هو انخراط في *باطل بيِّن* ، وتفريط في واجب تحييد الأمة عن صراعات تُراد لها أن تُدار فوق أرضها وبدم أبنائها.كما عبّر الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس السابق لـالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في تدوينته/فتواه عن موقف واضح يحرّم المشاركة في هذه الحرب، ويحمّل المسؤولية الشرعية والسياسية لكل من يورّط بلاده في معركة لا تخدم إلا أجندات خارجية، مؤكّدًا أن الأولى بالأمة أن تتجه إلى رأب الصدع، وتفويت الفرصة على مشاريع التفجير الإقليمي.
*بوصلة الشافعي… حيث تكون إسرائيل* من الأقوال المأثورة للإمام الشافعي ما معناه :إذا التبس عليكم الحق بالباطل وتملكتكم الحيرة في التمييز، فانظروا حيث تتجه السهام، فثَمَّة الحق.وذات المعنى هو ما اعاد صياغته بواقع ما يجري، وبلغة العصر، د.الريسوني في تدوينته المتداولة اليوم على نطاق واسع، بالقول :
*إذا التبست عليك الصراعات السياسية والعسكرية .. ولم تعرف المبطل من المحق ، ولا المفسد من المصلح ، ولا المعتدي من المعتدى عليه، ولا أين هو الخير وأين هو الشر، فانظر أين توجد ” اسرائيل ” ، فكن مع الجهة الأخرى، تغنم وتسلم .
* ليست المسألة هنا تبسيطًا مخلًّا للواقع، بل قراءةً لبوصلةٍ تاريخية أثبتت أن الكيان الصهيوني لم يكن يومًا في صفّ المظلومين، بل إنه هو الظلم كله، ولا في معسكر المستضعفين، وإنما هو دوما في مقدمة العدوان وسحق المستضعفين ولا كان في خندق التحرر، بل هو قاعدة من القواعد المتقدمة للقوى الإستعمارية. فإذا كانت “إسرائيل” هي جزء من غرفة العمليات، أو رأس الحربة، أو المستفيد الأكبر، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي يصبح أكثر وضوحًا :
+ هل يُعقل أن تُسخَّر القواعد المقامة على أرض العرب لحماية مشروعٍ يقف خلف مآسي المنطقة وتمزيقها؛ وأمامنا مذابح غزة ومشاهد الكلاب تأكل من جثامين الشهداء بين الأنقاض ما تزال تهز العالم ؟
*من يحمي من؟*
في النهاية، فإن أي تحليل، مهما تشعّبت مساراته، لا يلبث أن تعود به الدائرة إلى السؤال الأول :+ هل وُجدت القواعد لتحمي البلدان، أم لتجعلها رهائن دائمة وأدوات في صراعات الآخرين ؟+ وهل يُراد للشعوب أن تدفع ثمن خيارات لم تُستشر فيها، ولم تخترها، ولم تجنِ منها إلا مزيدًا من الارتهان؟ إن ملف القواعد العسكرية الأجنبية لم يكن يومًا ملفًا تقنيًا محايدًا، بل كان – ولا يزال – قضية صدامية بين الشعوب العربية والإسلامية التي ترى فيه مسًّا بالسيادة وتهديدًا للاستقلال، وبين أنظمة خاضعة لإرادة وإملاءات القوى الأجنبية، تقدّم أمن السلطة على أمن الوطن، واستمرار أنظمة الحكم على كرامة الأمة.
*آخر الكلام*
إن تحييد أوطاننا عن حروب الآخرين ليس ترفًا سياسيًا، بل واجب شرعي وأخلاقي وسيادي. وقد حسم عدد من علماء الأمة، من المشرق والمغرب، الأمر بتحريم أي انخراط في الحرب ضد إيران، واعتبار الزجّ ببلدان المسلمين في هذه المواجهة خيانة للأمانة، وتفريطًا في الدماء، وتوريطًا للأوطان في معركة لا تخدم إلا مشاريع الهيمنة والعدوان.والأمة التي ما تزال تحت صدمة إبادة غزة، وذبح عشرات الآلاف من أطفالها، ليست مطالبة بأن تُفتح عليها جبهة جديدة باسم “الحماية”، بينما الحقيقة أن من يدّعي الحماية هو نفسه من يغذّي نار الحروب ويستثمر في الدم.والله من وراء القصد.وآخر دعوانا أن اللهم رحمتك على جميع الشهداء والشهداء القادة . وارحم الله البطل والزعيم المغربي والمرجع الأممي محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي اشترط عودته للوطن بتطهيره من جميع القواعد العسكرية الأجنبية أولا. فأسلم الروح بالمنفى واختار أن يدفن جثمانه بالقاهرة .
—————————
× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع



