
هل يعقل أن تُدار مالية بلدٍ بأموال المغتربين، بينما تُدار ظهر الدولة لهم عند صناديق الاقتراع؟ هذا هو السؤال الحارق الذي يفرض نفسه أمام المشهد السياسي المغربي الحالي. إنها مفارقة صارخة تضع “مغاربة العالم” في منزلة غريبة: **أبطال في دعم الاقتصاد، ومهمشون في صناعة القرار السياسي.
**### المحفظة ممتلئة.. والصندوق فارغ!الأرقام لا تكذب، بل تفضح زيف الشعارات الطنانة حول “الدمج” و”الإشراك”. تشكل الجالية المغربية، التي تتجاوز **5 ملايين نسمة** (يتركز معظمها في أوروبا الغربية مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا)، ما يناهز **12% من إجمالي سكان المملكة**.هذا “العمود الفقري الديمغرافي” ليس مجرد رقم في سجلات الحالة المدنية، بل هو المحرك الاقتصادي الذي لا يتوقف: * **13% من الناتج المحلي الإجمالي** للمغرب يأتي مباشرة من تحويلات مغاربة العالم. * هذه التحويلات تتجاوز قطاعات وطنية حيوية مثل السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر. * بفضل هذه الأموال، يتم دعم الاستهلاك الداخلي، وتقليص معدلات الفقر، وضخ العملة الصعبة الأساسية في شرايين الاقتصاد، فضلاً عن تمويل السكن والتعليم والمشاريع المحلية.لكن، مقابل هذا العطاء السخي المستمر، ما هو المقابل السياسي؟ **الاقصاء التام.**“` مغاربة العالم: المعادلة المكسورة ┌─────────────────────────┐ ┌─────────────────────────┐ │ المساهمة الاقتصادية │ VS │ المشاركة السياسية │ │ 13% من الناتج │ │ أقل من 5% مشاركة │ │ المحلي الإجمالي │ │ بسبب عوائق التصويت │ └─────────────────────────┘ └─────────────────────────┘“`### دستور 2011: وعود ذهبية على ورق باهتعندما صوّت المغاربة على دستور 2011، استبشرت الجالية خيراً؛ فقد نصت الوثيقة الدستورية بصراحة على الاعتراف بالحقوق السياسية الكاملة للمغاربة المقيمين بالخارج، ووعدت بمنحهم حق المشاركة الديمقراطية والتمثيل المباشر في مؤسسات الدولة.لكن رياح الاستحقاقات الانتخابية لـ 8 سبتمبر 2021 (والتي شهدت تجديداً كاملاً لمجلس النواب بـ 395 مقعداً) هبت بما لا تشتهي سفن مغاربة العالم. ففي الوقت الذي بلغت فيه نسبة المشاركة الوطنية **50.18%**، تهاوت مشاركة الجالية إلى **أقل من 5%**!لماذا هذا الانهيار الإحصائي؟ لأن الواقع الانتخابي اصطدم بـ **”صِفْرٍ” كبير ومخجل**: * **0 دوائر انتخابية خارجية:** لم يتم فتح أي مكتب تصويت خارج الحدود. * **شرط الحضور المادي:** جرى اشتراط الوجود الفعلي للمواطن داخل التراب المغربي يوم الاقتراع للإدلاء بصوته. وكأن الدولة تقول لمغتربيها: *”نريد أموالكم عبر التحويلات، لكن إن أردتم التصويت، فادفعوا ثمن تذكرة الطائرة أولاً!”*### مهزلة “التوكيل”: مسكن إداري فاشللذر الرماد في العيون، تم الابقاء على آلية “التوكيل” (*Tawkil*) كبديل وحيد. وهي آلية بيروقراطية معقدة تتطلب من المغترب التوجه للقنصلية، واستصدار شهادة رسمية، وتعيين وكيل عنه في المغرب ليصوت مكانه.هذا الإجراء أثبت فشله الذريع وتحول إلى أداة إقصاء مبطنة لأسباب واضحة:
1. **غياب التواصل:** انعدام تام للحملات الإعلامية التوضيحية الموجهة للجالية.
2. **البيروقراطية القاتلة:** إلزامية التنقل الشخصي إلى القنصليات (التي تبعد أحياناً مئات الكيلومترات عن مقار إقامة المغتربين).
3. **أزمة الثقة والسرية:*
* غياب ضمانات فعلية لسرية التصويت ومصداقية نقل الإرادة السياسية عبر طرف ثالث.إن التوكيل ليس حلاً، بل هو اعتراف صريح بالعجز والالتفاف على جوهر الديمقراطية التي تقتضي التصويت المباشر والسرّي.
###
كلفة غياب الصوت المغربي المغترب هذا التغييب الممنهج داخل قبة البرلمان يترتب عنه ضياع حقوق تشريعية واجتماعية كبرى. فبسبب غياب نواب يمثلون الجالية بشكل مباشر، تظل قضاياهم الحيوية في مهب الريح:
* **سياسات الهجرة:
** غياب التأثير التشريعي في الاتفاقيات الثنائية والحقوق العابرة للحدود.
* **استراتيجيات الإدماج
:** غياب رؤية الجالية في برامج العودة أو تدبير الهوية المزدوجة للأجيال الصاعدة.
* **إدارة الأموال:
** انعدام أي رقابة سياسية مباشرة من طرف الجالية على كيفية استغلال وتسهيل تدفقات رؤوس الأموال التي يضخونها بأنفسهم.
# كفى إقصاءً..
حلول القرن الحادي والعشرين موجودة لم يعد مقبولاً اليوم، في عصر الرقمنة والعولمة، التذرع بالصعوبات اللوجستية. إن الإرادة السياسية الحقيقية هي ما ينقص لتحقيق قفزة ديمقراطية تليق بمغرب اليوم. تطالب منظمات الجالية ,من بينها برلمان الهجرة بصوت واحد بإنهاء “الوضع القائم” وتجاوز آلية التوكيل العتيقة، لتبني آليات حديثة ومعمول بها في كبريات الديمقراطيات:>
* **التصويت الإلكتروني:**
عبر منصات رقمية آمنة ومشفرة.>
* **التصويت البريدي:**
عن طريق البريد المضمون الدولي.
* **التصويت القنصلي المباشر:** تحويل السفارات والقنصليات إلى مراكز اقتراع فعلية مع خلق **دوائر انتخابية خاصة بمغاربة العالم**.إن دمج مغاربة العالم سياسياً ليس “صدقة” تمنحها الحكومة، بل هو واجب دستوري مستحق، وردّ اعتبار لـ 12% من الشعب المغربي الذي يثبت مغربيته في كل الأزمات. إن الاستمرار في إغلاق صناديق الاقتراع أمام الجالية هو شرخ في جدار Consolidation الديمقراطي للمملكة، وتحدٍّ صارخ يجب رفعه بلا تماطل.
أسامة سعدون



