مستجداتمقالات الرأي

*عبد الله العلوي: ابن بطوطة و اليوغا

يحتفل العالم في 21 يونيه من كل عام برياضة اليوغا، وهي رياضة جسدية وتأملية تعود إلى آلاف السنين. وأول من أشار لها في كتاب رحلته تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار ابن بطوطة محمد بن عبد الله الطنجي 1304-1377، الذي عاش في الهند ما بين – 1333 و 1342- وهي الإشارة الأولى لهذه الرياضة في كتاب غير هندي…وقد لاحظ الرحالة المغربي عدة عوائد هندية مثل “الساتي” أي انتحار الزوجة بعد وفاة زوجها حرقا برغبتها، وعوائد الهندوس مع نهر “جمنا” المقدس، واحترام وتقديس البقرة، بل لاحظ أيضا وهو في بلاط السلطان الهندي محمد شاه 1324-1351 أعمال شعوذة قام بها بعض السحرة أثارت استغراب الرحالة ابن بطوطة الدقيق الملاحظة. و لم يكتف الرحالة بالحديث عن الشعوذة، التي رآها ببلاطي السلطان الهندي و الإمبراطور الصيني، فضمن الملاحظات التي روى لنا عن رياضة اليوغا، ومعايشته لها أثناء مقامه بالهند و التي –أي اليوغا- تعود إلى 5000 سنة ، واليوغا أول ظهور يذكر لها كان في ملحمة ” المابها بهارتا ” وهي أطول ملاحم العالم. و اليوغا هي رياضة عقلية وجسدية كان ينسب في القديم لممارسيها قدرات خارقة, و يتميز اليوغي بنبذ العنف، و بالإخـلاص، والبعد عن الجشــع، ولا تؤمن رياضــة اليوغا بالطــائفية، أو الأعــراق، وفي هذا تختلف عن الهــندوسية ذات الطابع الطبقي أو الطائفي كما لا تعترف اليوغا بالزمان و المكان.وأفعال اليوغي توجب ممارسة النظافة والرضا وتنقية الذات من خلال الاستسلام الروحي, وهدفها تحرير العقل الواعي من الهويات المزيفة وانعكاسات الحواس الشهوانية لتنبني من جديد على ذات صادقة و لتحقيق ذلك هناك ثلاث قدرات أو مراحل: قـــوة الــعــمــل،مـلـكــة المعرفة، الإيـــــــــمــــان.فالتحرر يوجب استخدام طاقة العمل من اجل تقوية الروح إلى درجة التوازن النفساني للوصول إلى الإيمان أو اليقين وذلك من خلال الاستسلام للخالق, بلا شك فان الطرق الصوفية الإسلامية تأثرت ببعض تعاليم اليوغا من خلال تأثرها بالعوائد والأفكار الهندوسية: الموسيقى , التأمل , الجدب, السماع, اللباس, وحدة الوجود …هناك قصيدة قصيرة قد تختصر نسبيا اليوغا, فتقول:كــــل قليــلا ** واشرب قليلاتحدث قليلا ** و نــــم قليلاامزح قليلا ** وتحرك قليلااعمل قليلا ** واسترح قليلاادرس قليلا ** و تعبد قليلاكن جيدا قم بالخيركن لطيفا كن رحيمااسأل : من أنا ؟اعرف ذاتك, وكن حراوفي معرض حديث ابن بطوطة عن اليوغا و الذين لقبهم بالجوكية (= اليوجي ) وهو تحريف دأب عليه الرحالة الذي لم يكن يستسيغ المصطلحات الهندوسية, ( مثلما أشار إلى “كريشنا ” باسم ” كساي ” وتجاهل مصطلح ” الساتي “) وأكد انه شاهد ممارسي أو متعلمي اليوغا “… تحفر لهم حفر تحت الأرض وتبنى عليهم, فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء..”وفي مدينة منجلور – كما تعرف حاليا – رأى “.. رجلا من المسلمين ممن يتعلم منهم قد رفعت له طبلة أقام بأعلاها لا يأكل ولا يشرب مدة 25 يوما..”, وعزا الرحالة هذه القدرة كما سمع إلى كون الجوكية أو ممارسي اليوغا “.. يصنعون حبوبا يأكلون الحبة منها لأيام معلومة.. ” واليوغا كما هو معروف رياضة بدنية و عقلية تحارب الشهوات الجسدية وتؤهل الفرد من الناحيتين العقلية و الجسدية لينسجم مع الطبيعة, فهي ” علم ” داخلي يشمل مجموعة من الوسائل التي من خلالها يستطيع الإنسان تحقيق التوازن و السيطرة على نفسه, وقد لاحظ الرحالة الذي تمتع بفكر ثاقب وملاحظات ذكية أن اليوغا مجرد رياضة فقال: “.. والظاهر من حالهم – أي ممارسي اليوغا – أنهم عودوا أنفسهم الرياضة ولا حاجة لهم في الدنيا وزينتها ..” وتعتبر ملاحظات وإشارات الرحالة إلى اليوغا في الهند أول كتابة عنها في مصدر غير هندي في التاريخ, فهو أول من نبه إلى اليوغا من خارج الهند واعتبرها مجرد رياضة.لم تكن هذه هي الإشارات الوحيدة إلى اليوغا في كتاب الرحلة فهناك إشارة أخرى تدل على تعاطف الرحالة مع ممارسي اليوغا واضحا في رحلته الهندية فقد روى لقاءه بأحد “الجوكية” في شبه جزيرة “غوا” وكانت تسمى قديما حسب قول الرحالة “تندابور”. وغــوا استعمرتها البرتــغال سنة 1510 ولم تطرد منها إلا في 1960 ولا زال تأثير البرتغال على المدينة ظاهرا سواء في المعمار أو اللغة. والوجود البرتغالي ممثل في الكنائس، مع وجود قنصلية، وجالية مهمة ورحلات مستمرة طوال أيام العام بين غوا ولشبونة. ويروي الرحالة مصادفته احد الجوكية “اليوغي” في غوا مستندا إلى حائط في”بدخانة” «<=معبد هندوسي» بين صنمين لا يتكلم.وان هذا اليوغي صرخ صرخة عظيمة فسقطت جوزة من جوز النارجيل ومنحها للرحالة كما منح الرحالة عباءة واخذ سبحة الرحالة وشمها وأشار اليوغي الى السماء ثم الى جهة القبلة. وفهم الرحالة ان الرجل مسلم يخفي إسلامه فقبل يده رغم استنكار رفاقه وتبسم اليوغي وقبل يد الرحالة بعد أن أدرك غضبهم وحاول الرحالة مساعدته ماليا لكن”اليوغي” رفض.لا يعرف تاريخ بداية اليوغا بالتحديد، فالبعض يرجع بداية هذه الرياضة إلى فجر التاريخ الإنساني و البعض إلى 5000 سنة و البعض الآخر إلى 2500 سنة، إلا أننا عندما نعود للملحمة الهندية (المابهابهارتا) و التي تروي قصة صراع عائلتين ملكيتين على السلطة على شمال الهند، نجد أن رياضة اليوغا ذكرت في هذه الملحمة التي تعتبر أطول ملاحم العالم، وتعود إلى ما قبل الميلاد، وبذلك تكون اليوغا قديمة بكل المقاييس.واليوغا رياضة الجميع، فلا تستند إلى عقيدة معينة رغم أن بدايتها كانت في الهند الهندوسية، ويمكن ممارستها في كل مكان و زمان و من مختلف الأعمار، ولا تتوفر على رموز دينية، ولها جانبان: الجانب العقلي أو النفسي، و الجانب الرياضي و الجسدي، ولها أهداف سامية من خلال ممارستها، فهي تهدف إلى النظافة و النقاء الروحي، و التلاحم بين الإنسان و الطبيعة ومحيطه العائلي و الاجتماعي، لأنها تحارب الجشع و الأنانية، وتهدف إلى تحرر الإنسان من الأمراض النفسية و الاجتماعية و الصراع على الملذات التي لا تزيد الإنسان إلا شقاء وتنقية الجسم من السموم النفسية و الجسدية.ومصطلح اليوغا يمكن ترجمته إلى العربية بمعنى التحكم ، فاليوغي من خلال الممارسة العقلية النفسية و الجسدية يصل إلى السعادة أو النجاة من القيود عبر الملكة العقلية و الفهم و المعرفة إلى إدراك اليقين أو الإيمان، و بالتالي يصل إلى الدرجة الأسمى للتحرر من خلال الاستسلام المعرفي بالفهم العميق و العمل الجاد للخالق.الــلأنــانــيةإن الإخلاص و الصدق ونكران الذات وضرورة العمل البناء للوصول إلى التحرر من المبادئ الأساسية لليوغا، لأننا مُنحنا هذا الجسد للقيام بالأعمال و الأفعال الخالية من الأنانية نحو الآخرين، وليس هناك ربح أو خسارة في الجهد، فالعمل في حد ذاته عبادة، وهنا يصل اليوغي إلى حالة من الراحة النفسية و السعادة، لن تزيحه حتى أكبر الفتن عن هذه السعادة و المتعة العقلية و النفسية و الجسدية، التي يصل إليها عبر مكافحة الأنانية إلى أن يصل لمرحلة «اللأنانية»، لأن اليوغا تعتبر أن العالم الخارجي قابل للتغيير وقابل للتلف، بينما الروح / النفس/ المعنوي كلها أبدية أو خالدة، لأن المحب اليوغي إذا سلم نفسه للعمل عن طواعية خاصة الأفعال المحبة للإنسان و الطبيعة و الكائنات و للروح، فإن المحب يصل إلى مرحلة بث الروح في الجسد، بل يمكن لليوغي أن يبصر داخله ويصبح خاليا من الأنانية و يصل إلى الإدراك الروحي و الراحة النفسية.فلسفة للحياةلليوغا تأثير عقلي ونفسي لأنها رياضة عقلية ونفسية، وهي أيضا رياضة جسدية، فهناك حركات يمارسها اليوغي تبدأ بالأصابع و الأيدي وتنتقل إلى باقي أعضاء الجسم، ومن حركات بسيطة وسهلة إلى درجة من التركيب بعد أن يشتد عود اليوغي أثناء الممارسة، مثلا: رفع الجسم و الرأس و العنق في خط مستقيم، و الحرص على النظر إلى جهة محددة واحدة دون أن تحول وهو ما يسمى بـ «عدم التيه»، وهناك حركات الأصابع وتكاثف الأيدي وحركات عديدة تطورت عبر الأزمنة من حركات صعبة إلى حركات سهلة ومرنة، وهي التي تمارس في مختلف أنحاء العالم، والملايين في العالم يمارسون اليوغا، وقد بدأت هذه الرياضة خارج الهند في بريطانيا أولا ثم الولايات المتحدة الأمريكية ثم الاتحاد الأوروبي، وانتشرت في باقي بلدان العالم، وقد وصلت في السنوات الأخيرة للمغرب، إذ أن هناك عشرات النوادي التي تمارس اليوغا خاصة من طرف العنصر النسوي، إذ أن محاربة اليوغا للشراهة وتشجيعها على التواضع في الاكل وفي كل شيء ونحافة ممارسيها، زيادة على فائدتها الروحية و الجسدية تجلب العنصر النسوي أكثر في العصر الحديث، لأنها ممارسة رياضية هدفا تناغم الجسم مع باقي العضلات و المفاصل و وقاية من الأمراض، وانضباط رياضي وفلسفة للحياة ويقظة روحية للوعي، وكما تقول إحدى حكم أو أناشيد اليوغا: ممـكن أن يكون الكل سـعيـدا، ممكن أن يكون الكل بلا مرض، ممكن أن لا نعــاني الحــزن، ممكن الوصول إلى كل ماهو ميمون.وهي رياضة لا تلزم الممارس بالتجهيزات، إذ يمكن ممارستها ببساطة عن طريق الحركات و بنظام الروح و العقل، فهي تضعف التوثر و القلق بل وتزيلهما، كما أنهما من خلال الحركات الجسدية تزيد من مرونة الجسد، وتصل إلى مفاصيل عادة لا تتحرك،هذا مع التوازن النفسي و العقلي، حتى يصل الممارس إلى مرحلة التنور فهي وسيلة رياضة وتأملية تهدف إلى الإنعتاق الفعلي من رغبات الجسد السيئة عبر التحكم النفسي.الــيـوغا الــمـــعـــاصــرةإن التطور الذي عرفته اليوغا عبر القرون حتى المرحلة المعاصرة أدى إلى مرونة اليوغا وتحولها إلى رياضة جسدية تمارس من طرف المتعلمين عن طريق معلم أو أستاذ أو عن طريق كتب أو أفلام، كما أن لها وجها تأمليا في داخل عقل كل ممارس عبر حركات جلوس خاصة، مما جعلها تنتشر عالميا، ومع ظهور الشبكة العنكبوتية أصبحت ممارستها ودروسها سهلة و مرنة لكل راغب عن طريق الكتب و الأفلام و المجلات و الانترنت، ولم تعد مدارسها القديمة التي كانت تشترط طرقا صعبة لممارستها مثل التقشف و العزلة كما كان في القديم، ومن أهم الاعترافات بهذه الرياضة الرائعة

إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في لسنة الماضية 2014 و تخصيص يوم عالمي للاحتفال بهذه الرياضة كل سنة وهو 21 يونيه عيدا أمميا للاحتفال باليوغا باعتبارها تراثا إنسانيا، ودعا الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كافة الأعضاء -177 دولة- إلى الاحتفال بهذا اليوم كل سنة ودعا الناس أفرادا و جماعة لممارسة هذه الرياضة التأملية و الجسدية خصوصا في عصرنا هذا المليء بالحروب و الأحزان و الجشع و الأنانية و الظلم الفردي و الجماعي الإقليمي و الدولي، وهنا من يرى أن الهدف أن تحديد 21 يونيه احتفالا باليوغا هو ترضية لرئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندار مودي المعروف بتطرفه الهندوسي ومعاداته للإسلام وأيضا لجعل اليوغا بديلا عن الإسلام الذي ينتشر في المجتمعات الأوروبية والأمريكية.

*باحث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID