هجرة الآلاف بعد خطاب العرش… رسالة احتجاج اجتماعي أم ورقة سياسية؟

بقلم: عمر بنشقرون
في الوقت الذي كان فيه المغاربة يحتفلون بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، كانت صور آلاف الشباب والعائلات وهي تخاطر بحياتها في محاولات للهجرة غير النظامية تفرض نفسها بقوة على واجهة النقاش العمومي. هذا التزامن يثير أكثر من سؤال، ويستحق قراءة سياسية واجتماعية عميقة، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.هل يمكن اعتبار هذه الموجة من الهجرة غير النظامية مجرد بحث فردي عن مستقبل أفضل؟ أم أنها تعبير جماعي عن فقدان الأمل لدى جزء من الشباب الذي لم يجد مكانه داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية؟ فبين المهاجرين شباب في مقتبل العمر، وآخرون تجاوزوا سن الشباب، بل وحتى عائلات بأطفالها، وهو ما يعكس حجم الإحباط الذي تعيشه فئات واسعة من المجتمع.إن هؤلاء الشباب هم، في نظر كثيرين، ضحايا سنوات من تراكم السياسات العمومية التي لم تنجح بالقدر الكافي في خلق فرص الشغل، ولا في توفير التأهيل والتكوين الملائمين، ولا في حماية فئات واسعة من السقوط في براثن البطالة والهشاشة وتعاطي المخدرات والجريمة والانقطاع عن الدراسة.وفي المقابل، يؤكد الخطاب الرسمي أن المملكة تشهد أوراشًا كبرى، وأن المشاريع الاستراتيجية تتواصل بوتيرة متقدمة، بما يتجاوز الإيقاع الحكومي والبرلماني. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يشعر جزء من الشباب بثمار هذه المشاريع؟ ولماذا يختار المخاطرة بحياته بدل انتظار نتائج الإصلاحات؟من زاوية أخرى، يذهب بعض المحللين إلى طرح فرضية سياسية مفادها أن تزامن هذه الهجرة مع ملفات إقليمية حساسة قد يحمل رسائل تتجاوز بعدها الاجتماعي. فهل يمكن أن تكون مجرد مصادفة زمنية؟ أم أن هناك من يربطها بسياق العلاقات المغربية الإسبانية، خاصة بعد الجدل الذي رافق بعض المشاريع الطاقية والتعاون الإقليمي؟وتطرح في هذا السياق تساؤلات حول ما إذا كانت مواقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أو بعض التحركات المرتبطة بعلاقته مع الجزائر، قد أثرت في حسابات المنطقة. كما يتساءل البعض عما إذا كانت ملفات استراتيجية، مثل مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب نحو أوروبا، تدخل ضمن خلفية هذا النقاش. غير أن هذه الفرضيات تبقى تحليلات سياسية تحتاج إلى معطيات وأدلة لإثباتها، ولا يمكن الجزم بها كوقائع.ويبقى المؤكد أن ملف الهجرة غير النظامية ظل دائمًا أحد أهم الملفات في العلاقات المغربية الأوروبية، وأن التحكم في تدفقات الهجرة يمثل عنصرًا أساسيًا في الحوار بين الرباط وشركائها الأوروبيين.قد تكون هذه الهجرة بالنسبة للبعض رسالة احتجاج صامتة من شباب يشعر بأنه لم يجد فرصته داخل وطنه، وقد يراها آخرون حدثًا يحمل أبعادًا سياسية مرتبطة بظرف إقليمي معقد. لكن الحقيقة الثابتة هي أن استمرار نزيف الهجرة بهذا الحجم يستدعي وقفة وطنية صادقة، تضع الشباب في صلب السياسات العمومية، لأن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم مشاريعها، بل أيضًا بقدرتها على إقناع شبابها بأن مستقبلهم يوجد داخل الوطن، لا في قوارب الهجرة المجهولة.




