
بين أمل “الإنصاف والمصالحة”* و *Sauve qui peut !*
أحمد ويحمان
× ليس ما وقع في سبتة ومليلية، قبل أيام، ومازال يتفاعل، سوى رأس جبل الجليد.فمن يقرأ المشهد المغربي بعين الباحث، لا بعين المتفرج، يدرك أن ما حدث في الشمال ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة من الاهتزازات الاجتماعية التي امتدت، في ظرف وجيز، من الغرب إلى الجنوب الشرقي، ومن الأطلس إلى العاصمة، ومن الأقاليم الجنوبية في صحرائنا إلى مدن الشمال. في الغرب، احتجاجات على خلفية الأراضي السلالية. وفي آيت خباش وآيت عطا، احتقان بسبب الأرض. وفي مناطق آيت يافلمان وآيت سغروشن، ملفات نزع الأراضي والمراعي من أصحابها وتفويتها للصهاينة .. وفي وادي نون والساقية الحمراء ووادي الذهب، مسيرات قبلية رافضة لتفويت عقارات القبائل تحت شعارات الاستثمار. وفي الرباط، قضية هدم حي المحيط. وفي الأطلس، مسيرات احتجاجية صاخبة ضد العزلة والتهميش… حتى أصبح ظاهرا للجميع أن كل ذلك لا يمكن أن يكون مجرد وقائع متفرقة. المغرب اليوم يعيش احتقانًا عامًا، تتغير عناوينه، لكن أسبابه العميقة واحدة.الهروب الكبير نحو سبتة، هو تعبير عن مزاج وطني عام .. وهذا الهروب الكبير ليس هو المرض، بل هو أحد أعراضه.أما المرض الحقيقي فيكمن، في تقديرنا، في الانسداد السياسي، وفي أزمة الثقة، وفي الشعور بأن السياسة فقدت معناها، وأن المؤسسات لم تعد قادرة على إنتاج الأمل. لقد أنعش المغاربة آمالًا كبيرة على مرحلة الإنصاف والمصالحة لتجاوز سنوات الرصاص، ثم، بعد اهتزاز 20 فبراير ،على دستور 2011 بما تضمنه من مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال مؤسسات الحكامة، وتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد.غير أن تلك الوعود لم تتحول إلى واقع بالمستوى الذي كان مأمولًا، وأن مسارًا معاكسًا أخذ يتشكل، أضعف الثقة في السياسة، وأفرغ عددًا من المؤسسات من دورها المنتظر، وأعاد إنتاج الإحساس بأن الفساد والإفلات من المساءلة ما زالا من أكبر معضلات الحياة العامة. ومن هنا يصبح من الطبيعي أن يفقد المواطن الثقة، لا في شخص بعينه، وإنما في الطريقة التي تُدار بها الحياة السياسية نفسها.لقد بلغت سوريالية المشهد السياسي، في نظر المغاربة، حدًّا جعلهم يتساءلون عن معنى العمل الحزبي أصلًا. كيف تُبنى الأحزاب؟ وكيف تُفرز قياداتها؟ وما قيمة المؤسسات الداخلية إذا أمكن أن تتحول القيادة إلى قرار لا يمر عبر المسار الحزبي كما هو ماعارف عالميا ؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي في صميم أزمة الثقة التي يعيشها المغرب اليوم، وهي الأسئلة نفسها التي تتجدد كلما طُرحت أسماء جديدة لتولي مواقع حزبية أو حكومية، فتتوسع دائرة النقاش حول طبيعة الممارسة السياسية، وحول مدى قدرة الأحزاب على إنتاج نخبها من داخلها. إن الأزمة ليست أزمة حكومة فقط، ولا أزمة حزب فقط، وإنما أزمة بنية سياسية كاملة، فقدت في نظر المواطنين، كثيرًا من قدرتها على الإقناع والتمثيل والوساطة. ولذلك لم يعد غريبًا أن تتراجع مكانة العمل الحزبي والنقابي، وأن تضعف ثقة الناس في مؤسسات الوساطة، وأن تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع. وفي المقابل، فإن البيئة الدولية والإقليمية لا يمكن عزلها عن هذه التطورات. فالمغرب يوجد في منطقة تتقاطع فيها رهانات استراتيجية كبرى، وهو ما يفرض، في نظرنا، أعلى درجات اليقظة الوطنية. كما أن المواقف التي اتخذتها الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز من الحرب في غزة، ولا سيما انتقادها للإبادة الجماعية لكيان الإجرام الصهيوني ورفضها تسهيل نقل شحنات سلاح القتل لفائدة جيش الحرب الصهيوني، كذا رفض إسبانيا دعوة ترامب الدخول في ما يسمى “مجلس السلام ” الذي يزكي مجازر الإرهاب الإسرائيلي… كل ذلك أدخل مدريد في توتر سياسي مع الصهاينة والأمريكان الذي عدد رئيسهم المسؤولين الإسبان بكل وضوح، وهو معطى إقليمي يستحق المتابعة والتحليل في سياق العلاقات المتوسطية . إن قوة المغرب لن تتحقق بتكثير بؤر الاحتقان، ولا بإضعاف السياسة، ولا بتحويل المؤسسات إلى مجرد واجهات، وإنما بإعادة الاعتبار للثقة، وللعدالة، وللمحاسبة، وللعمل السياسي الجاد، وللمؤسسات التي يشعر المواطن بأنها تحميه قبل أن تطلب منه حماية الدولة. *آخر الكلام* إن الدولة القوية لا تخاف من الحقيقة، ولا من النقد، ولا من المحاسبة.والأوطان لا تصل إلى حافة الهاوية فجأة، وإنما تصل إليها حين تتراكم الأخطاء، ويصبح الإصلاح المؤجل هو القاعدة، والاستثناء هو الإصغاء إلى صوت المجتمع. وإذا كان الهروب الكبير قد أصبح رسالةً يبعث بها اليأس من أطراف الوطن، فإن الرسالة الأهم هي أن إنقاذ المغرب يبدأ بإنقاذ السياسة، وإحياء الثقة، وجعل العدالة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسةً يومية لا مجرد شعارات تُرفع في الخطب والبرامج والمناسبات .
وسيترقب المغاربة لاختبار أي التزامات قادمة : هل يتم القطع مع العبث؛ العبث الذي اوصل أخنوش إلى رئاسة الحكومة عبر وضعه على رأس حزب لا علاقة له به وتحاول ماكينة العبث إعادة إنتاجه مع فوزي لقجع
؟هل تتم العودة لاحترام إرادة الشعب أم ان العبث سيمضي إلى مداه بإلقاء مصير المغرب إلى حافة الهاوية؟!
اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير .وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !
——————×
باحث في علم الاجتماع السياسي




