اليسار الإسباني ومتلازمة المغرب”المغرب، سبتة، وعجزُ اليسار الإسباني عن فهم المشهد الجيوسياسي الجديد في غرب البحر الأبيض المتوسط.”

عبد الحميد البجوقي
شكّلت المشاهد المأساوية التي عرفتها مدينة سبتة في أواخر شهر يوليوز جُرحاً عميقاً يفرض قبل أي طرف آخر، مساءلة المغرب نفسه. وكشفت تلك الفاجعة استمرار اختلالات اجتماعية عميقة، ونقائص في السياسات العمومية، وعجزاً مُقلقاً عن توفير أفق لفئة واسعة من شبابه. وسيكون من الخطأ الجسيم إنكار هذه الحقيقة أو التقليل من معاناة الأُسَر التي ما تزال تنتظر أجوبة عن مصير أبنائها.غير أنه، وبينما كانت هذه المأساة تستدعي نقاشاً هادئاً حول المسؤوليات المشتركة والتحديات التي ما يزال المغرب يواجهها، اختار جزء من اليسار الإسباني العودة إلى ردود فعله الإيديولوجية القديمة. فبدلاً من قراءة ما جرى بكل تعقيداته، عاد ليجعل من المغرب شاشةً يُسقط عليها أحكامه المسبقة وشعاراته ورواياته الموروثة عن زمن مضى، وكأن شيئاً لم يتغير على الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق.إن المبادرة البرلمانية التي تقدّم بها تحالف “سومار” وحزب “بوديموس” لاستبعاد المغرب من تنظيم كأس العالم 2030 ليست مجرد مبادرة سياسية، بل هي قبل كل شيء، عرضٌ من أعراض أزمة أعمق. إنها علامة على يسارٍ توقّف عن الإصغاء إلى نبض العالم، واكتفى بالحديث إلى نفسه داخل غُرفةٍ يعكسُ صداها ترديد الأفكار ذاتها منذ عقود.من اللافت أن اليسار الاسباني الذي ما فتئ يرفع شعار التنوع، يعجز عن الاعتراف بتنوع الجار. وأن الذين ينددون بالأحكام المسبقة، ما زالوا أسرى واحدٍ من أكثرها رسوخاً، ذلك الذي يختزل المغرب في صورة كاريكاتورية جامدة، عاجزة عن التطور، ومحكومة بأن تؤدي إلى الأبد الدور الذي كتبه لها الآخرون.وليس ذلك، في نهاية المطاف، سوى شكلٍ آخر من أشكال الاستعمار الفكري.المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، ولا هو البلد الجامد الذي يحتاجه البعض حتى يحافظ على يقينياته. مجتمع معقد، مليء بالتناقضات والتحديات، لكنه يمتلك أيضاً قدرة استثنائية على التحول. نجح المغرب في بناء واحدة من أكثر الاقتصادات دينامية في القارة الإفريقية، وأصبح فاعلاً استراتيجياً بالنسبة إلى أوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة، كما وضع غرب البحر الأبيض المتوسط في قلب مسارات اقتصادية وطاقية ودبلوماسية جديدة.كل ذلك قابل للنقاش والنقد، كما هو الحال في أي بلد. أما ما لا يمكن الدفاع عنه فكرياً فهو تحويل المغرب إلى استثناء أخلاقي دائم، بينما يجري التغاضي، بكل أريحية، عن مواقف وممارسات دول أخرى.الانسجام الحقيقي لا يعني توجيه الإصبع دائماً إلى الجهة نفسها.ولعل أكثر مظاهر هذا العمى إيلاماً يتمثل في العجز عن الاعتراف بالتاريخ العريق للشعب المغربي.في الحالتين معاً يختفي المغرب الحقيقي، المغرب الذي تعلّم أن يفتح فضاءات للحرية بالصبر والنضال، مغرب آلاف الرجال والنساء الذين دفعوا خلال سنوات الرصاص ثمن الدفاع عن الحرية والكرامة سجناً أو منفى أو تعذيباً، بل وأحياناً حياتهم نفسها، مغرب أجيال كاملة واجهت التعسف حين كان ذلك يعني التضحية بالمستقبل، مغرب الصحافيين والنقابيين والطلبة والمثقفين والمناضلين الذين خاضوا في صمت معركة طويلة لتوسيع هامش الحرية والديموقراطية. وكأن تاريخ هذا البلد لم يصنعه إلا حكامه، ولم يكتبه أيضاً شعبٌ استطاع، خطوةً بعد خطوة وبكلفة باهظة أن ينتزع جانباً مهماً من التحولات التي يرفض البعض حتى مجرد الاعتراف بها اليوم.إن محو هذه الذاكرة يحمل ظلماً مضاعفاً، لأنه يعني إنكار تضحيات أولئك الذين جعلوا المغرب اليوم مُختلفاً عمّا كان عليه بالأمس.والأمر نفسه يكاد ينطبق على قضية الصحراء.فبعض أوساط اليسار الإسباني ما تزال تُكرر رواية تشكلت في سياق الحرب الباردة، وكأن الزمن قد توقف. ففي الوقت الذي راجعت فيه أطراف واسعة داخل المجتمع الدولي مواقفها استجابة لتحولات الواقع، ما يزال هؤلاء متشبثين بجغرافيا عاطفية لا تسمح لأي شيء بأن يتغير، لأن الاعتراف بالتغيير يفرض، بالضرورة، مراجعة قناعات ترسخت عبر عقود.ليست القضية أن يتفق المرء مع كل ما يصدر عن الرباط، وإنما أن يقبل بأن السياسة الدولية لم تعد تُكتب بمنطق الحنين الإيديولوجي.والمفارقة أن كلما أصرّ اليسار الإسباني على تقديم نفسه بوصفه صوت المستقبل، ازداد حديثه بلُغة الماضي.وهنا تكتسب المفارقة طابعاً يكاد يكون مأساوياً.فعندما يتعلق الأمر بالمغرب، تبدأ الفوارق بين جزء من اليمين المتطرف وقسم من اليسار الراديكالي في التلاشي. تختلف المفردات، وتتبدل الحجج، وتتغير الذرائع، لكن الشك نفسه في الجار الجنوبي يبقى ثابتاً.فهذا يراه تهديداً.وذاك يراه مذنباً دائماً.أما الإنسان المغربي، بلحمه ودمه، فلا يكاد يراه أيٌّ منهما.ولعل السبب أن الاعتراف بالمغرب الحقيقي يقتضي هدم كثير من المسلمات التي تراكمت عبر عقود.لقد كان البحر الأبيض المتوسط دائماً مرآةً مُقلقة، من يطلّ عليه يكتشف عاجلاً أم آجلاً، أن الضفة الأخرى تنظر إليه أيضاً.وهذا تحديداً ما لم يستوعبه بعضهم بعد، لم يستوعب أن الجنوب لم يعد مجرد مسرح تُسقِط عليه أوروبا هواجسها، بل أصبح شريكاً يمتلك صوته ورؤيته وموقعه.ولعل كأس العالم 2030 يجسد هذه الحقيقة أكثر من أي خطاب سياسي. فهو ليس مجرد بطولة لكرة القدم، بل صورةٌ لمضيق يتحول من حدود فاصلة إلى جسر، ولمجال مشترك قررت فيه ثلاثة بلدان أن تكتب معاً فصلاً جديداً من التاريخ، من دون أن تطلب الإذن ممن ما زالوا يعيشون داخل خرائط لم يعد لها وجود.المفارقة الأكثر إثارة للاستغراب هي الطريقة التي حاول بها الحزبان اليساريان تبرير مطلبهما بإقصاء المغرب من تنظيم كأس العالم 2030، استندا إلى خطاب يختزل البلد كله في اتهامات تتعلق بحقوق الإنسان وقضية الصحراء. وكأن المغرب ليس مجتمعاً يضم ملايين المواطنين، بتاريخهم ونضالاتهم وتطلعاتهم، بل مجرد سلطة سياسية يُختزل فيها شعب بأكمله. والأدهى أن هذا المنطق يُعامل المغاربة ضمناً، وكأنهم شركاء في الاتهام، أو فاقدون لأي إرادة أو قدرة على صناعة مستقبلهم. إنها رؤية لا تظلم الدولة وحدها، بل تظلم شعباً كاملاً، وتمحو من الذاكرة تضحيات أجيال ناضلت من أجل توسيع فضاءات الحرية والإصلاح، كما تمحو الإنجازات التي حققها المجتمع المغربي في مختلف المجالات.وكأن المغرب، في مخيلتهم، لا شعب له، ولا مجتمع، ولا تاريخ من النضال، بل مجرد متهم دائم، يُعاقَب فيه الملايين باسم صورة نمطية لم يعودوا قادرين على تجاوزها.ويبقى أن أضيف ملاحظة أخيرة. كاتب هذه السطور ينتمي إلى ذلك اليسار الذي يؤمن بأن التضامن الحقيقي يبدأ بالنظر إلى الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون، حتى عندما يأتي ذلك الواقع ليفند قناعاتنا المسبقة ويقينيات تحتاج للمراجعة. اليسار، في جوهره، ليس عقيدةً مُغلقة، بل شجاعةٌ أخلاقيا وفكريا في مواجهة الحقيقة، أياً كانت.




