عيد العرش السابع والعشرون.. عندما تحولت التنمية إلى قوة جيوسياسية

عند تقييم التجارب السياسية الخارجية للدول، لا تُقاس النجاحات بعدد الطرق السريعة أو الموانئ أو المصانع التي أُنشئت، بل بقدرة الدولة على إعادة تعريف موقعها داخل النظامين الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، تبدو السنوات السبع والعشرون من حكم جلالة الملك محمد السادس تجربة تستحق التأمل والتحليل، بوصفها نموذجاً لإعادة هندسة الدولة المغربية، لا مجرد سلسلة من البرامج التنموية.اعتاد العديد من الخبراء السياسيين الحديث عن ميناء طنجة المتوسط، والقطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقة المتجددة، والإنجازات الدبلوماسية التي حققتها المملكة في قضية الصحراء المغربية. ومع ذلك، فإن هذه المكتسبات على أهميتها، ليست سوى نتائج لسياسة أعمق تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُبنى بالسلاح وحده، بل بتطوير الاقتصاد، وتحديث البنى التحتية، وتعزيز الثقة الدولية، وتحويل الجغرافيا إلى مصدر للقوة الاستراتيجية.لقد أدرك المغرب مبكرًا أن المنافسة الدولية لم تعد تقتصر على السيطرة العسكرية، بل أصبحت تتمحور حول امتلاك الموانئ الأكثر كفاءة، وسلاسل الإمداد الأكثر استقرارًا، والاقتصاد الأكثر اندماجًا، والدبلوماسية الأكثر مرونة. ومن هنا، تبلورت الرؤية الملكية لتربط بين التنمية والسيادة، وبين الاستثمار والأمن، وبين السياسة الخارجية والإصلاح الداخلي.في هذا الصدد، لم تعد قضية الصحراء المغربية تُدبَّر بمنطق ردود الفعل الدبلوماسية كما كان الحال في العقود الماضية، بل أضحت جزءاً من نموذج وطني شامل يعتمد على تغيير الوقائع على الأرض قبل تغيير المواقف السياسية في الخارج. فالمشروع التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية لم يكن مجرد نموذج للاستثمار العمومي، بل كان تأكيداً على أن التنمية أصبحت إحدى وسائل ترسيخ السيادة والوحدة الوطنية.كما لم تعد المدن الجنوبية تُصنف كأقاليم بحاجة إلى الدعم، بل أضحت تُعتبر بوابة استراتيجية واقتصادية تربط المغرب بعمقه الإفريقي، ومنصة مستقبلية للتجارة الدولية، ومركزاً لاقتصاد المحيط الأطلسي. ومن هذا المنطلق، اتخذت المشاريع التنموية الكبرى في الداخلة والعيون مساراً يتجاوز التنمية المحلية، ليغدو جزءاً من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية لغرب إفريقيا.وبناءً على ذلك، يُفسّر هذا التحول جانباً جوهرياً من النجاحات الدبلوماسية التي حققتها المملكة في السنوات الأخيرة؛ إذ لم تعد الدبلوماسية المغربية تكتفي بالاعتماد على قوة الحجج القانونية والتاريخية فحسب، بل عززتها بواقع اقتصادي وتنموي جعل دولاً متزايدة تنظر إلى المغرب بوصفه شريكاً استراتيجياً للاستقرار والاستثمار، لا مجرد طرف في نزاع إقليمي. ونتيجة لذلك، أضحى الموقف من قضية الصحراء بالنسبة للكثير من الشركاء الدوليين مرتبطاً بحسابات التنمية والتعاون الاستراتيجي، متجاوزاً الاعتبارات السياسية التقليدية.ومن أبرز التحولات الجديرة بالوقوف عندها، نجاح المغرب في توظيف البنية التحتية كأداة دبلوماسية فاعلة؛ فالموانئ والطرق السيارة وشبكات السكك الحديدية والمناطق الصناعية والمطارات لم تعد مجرد مرافق خدمية، بل أضحت وسائل دبلوماسية لاستقطاب المستثمرين، ورسائل عملية للشركاء الدوليين تؤكد أن المملكة توفر بيئة مستقرة وقادرة على احتضان الاستثمارات الكبرى.قد يفسر هذا تزايد اهتمام كبرى الشركات العالمية بالمغرب في قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران، والطاقات المتجددة، والصناعات التكنولوجية وسلاسل القيمة العالمية. فالمستثمر يبحث أولاً عن الاستقرار، ثم عن بنية تحتية قوية، ثم عن رؤية استراتيجية واضحة للدولة — وهذه هي الركائز التي يعمل المغرب على ترسيخها ودمجها بشكل منهجي.اقتصاديا، لم تعد التنمية المغربية تعتمد فقط على النمو الداخلي؛ بل أصبحت جزءًا من استراتيجية تجعل المملكة بوابة إنتاج وتصدير تربط أوروبا بإفريقيا والعالم العربي والمحيط الأطلسي. بهذا التحول لم يعد الموقع الجغرافي مجرد معطى طبيعي، بل صار ركيزة اقتصادية تولد الثروة وتعزز النفوذ السياسي.على الصعيد السياسي، قدّمت التجربة المغربية نموذجًا مغايرًا في منطقة المغرب العربي، يجمع بين استمرارية المؤسسات وخيارات الإصلاح التدريجي. حافظت المملكة على ثبات مؤسساتها في سياق إقليمي من الضبابية، وفي الوقت نفسه واصلت تحديث الإدارة، تحسين الخدمات العمومية، وإطلاق برامج اجتماعية تهدف إلى رفع جودة الحياة وتعزيز الرأسمال البشري.أهم ما تميزت به الرؤية الملكية، في رأيي، أنها لم تعامل التنمية كغاية اقتصادية فقط، بل كأداة لتعزيز استقلال القرار الوطني. كل استثمار جديد، ميناء، منطقة صناعية أو مشروع طاقة يوسع قدرة المغرب على صياغة سياساته الخارجية بعيدًا عن الضغوط التقليدية.يمكن القول إن المملكة خلال العقود الأخيرة انتقلت من مرحلة السعي إلى الحصول على الاعتراف الدولي إلى مرحلة بناء نفوذ براغماتي هادئ. هذا النفوذ لا يقوم على الاستعراض الدبلوماسي بل على الثقة؛ لا يعتمد على الخطب بل على الإنجازات؛ ولا يُقاس بعدد البيانات السياسية بل بقدرة المغرب على أن يكون شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه في مجالات الأمن والطاقة والاستثمار والتنمية الإفريقية.وبمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، يجدر التفكير في التجربة المغربية من منظور مختلف: فهي ليست مجرد سردية نجاح تنموي فحسب، بل نموذج يبرز كيف تحوّل الدولة نفسها إلى فاعل جيوسياسي مؤثر عبر أدوات الاقتصاد والدبلوماسية والبنية التحتية والابتكار المؤسسي.وفي الختام، الدرس الجوهري في هذه السردية أن الدول ذات الرؤية البعيدة قادرة على جعل التنمية مصدراً للسيادة، وتحويل الجغرافيا إلى نفوذ، والاستثمار إلى قوة سياسية، والدبلوماسية إلى امتداد طبيعي لنجاحها الداخلي. وربما يعبر هذا بدقة عما تحقق في المغرب خلال سبعة وعشرين عاماً: ليس مجرد تراكم مشاريع تنموية، بل بناء تدريجي هادئ لدولة تعيد بثقة تحديد موقعها في عالم سريع التغير يسوده التحول واللايقين.
دكتور جمال ايت لعضام أستاذ العلاقات الدولية و القانون الدولي بجامعة جلين الصينية، تشانتونغ مركز الدراسات الاستراتيجية و العلاقات الدولية



