الــعصيــان المــدني: الباب الرابع

المشاركة في الانتخابات المحليــة كخطوة لبناء جبهة الإنقاذ الديمقراطيا- لماذا وجب مقاطعة الانتخابات التشريعية في حين وجب المشاركة في المحلية؟ذلك أن البرلمان هو الواجهة و التعبير السياسي للنظام القائم و هو بذا بوابة مشروعيته . و بما أن النظام القائم لم يراع الحد الأدنى لمطالب الشعب كما عبر عنها الحراك الشعبي الذي دشنته انطلاقته حركة 20 فبراير ، بل أنه كعادته ، أمام كل ضغط شعبي يلجأ للالتفاف و ربح الوقت و اللجوء للقمع الممنهج في نفس الوقت . هذا ما حصل و هذا ما يفسر تعيين لجنة تضع دستورا لا يختلف في الجوهر عن الدساتير السابقة ، اذا استثنينا بعض الروطوشات في الشكل ، ثم في سباق مع الحراك الشعبي تم الاستفتاء ، فالانتخابات البرلمانية في 25 يناير 2011 ، فالقمع المباشر لكل حراك و ما يترتب عن دلك من ضحايا و اعتقالات و تعذيب و محاكمات صورية … كان الموقف الصادق و الصائب أمام هاته الوضعية هو رفض اللجنة و دستورها و الاستفتاء و البرلمان الذي يريد اعطاء مشروعية لهدا العبث السياسي . لذا، اذا وجب مقاطعة الانتخابات التشريعية فانه من غير المعقول ربط الانتخابات المحلية بمصارها و رفضها هي الأخرى ، بل ان مشاركة اليساريين فيها واجب شعبي أكيد . و قبل تأكيد دلك ، سيكون من الضروري الرجوع الى البديهيات المبدئية التي تجمع كافة اليساريين و التي كثيرا ما تغيب عن أدهاننا ، الأمر الذي يتولد عنه التفاوت في الطرح و الفهم و منه عدم أخد مواقف موحدة. أولا : ينبغي الانطلاق كون الحراك الشعبي الذي دشنته حركة 20 فبراير ، لم يكن ثورة بالمفهوم الذي يحدث قطيعة صدامية مع النظام القائم تنتهي بزواله كما حدث في تونس و مصر و غيرهما . الحراك الشعبي المغربي بقي في مستوى المنزلة بين المنزلتين يتراوح بين المطالبة بالتغيير الجدري لمؤسسات الدولة و يمارس حراكه بطريقة سلمية هي أقرب للعصيان المدني منه للعصيان الثوري . ألمطلوب تبيان هاته الظاهرة النوعية للحراك الشعبي المغربي و الدي في اعتقادنا ليس أقل فعالية مما حدث في البلدان الشقيقة ، بل هو عملية أعمق. مهرونه ، دون غيرها ، بمدى قدرة اليسار المغربي استرجاع هيبته النضالية و قدرته التعبوية للجماهير الشعبية كما حصل ابان الاستقلال السياسي و مرحلة ستينات و سبعينات القرن الفائت ، حيث السلطة لم تكن قد حسمت نهائيا و لم تحسم لحد الآن بالشكل المرضي لكل الفرقاء الفاعلين في المجتمع و الدولة . لقد راهنت الحركة الوطنية على الشعب و كانت صائبة و أشركت معها في هذا الاختيار القصر بقصد ارساء نظام ملكي دستوري يسود فيه الملك و البرلمان يشرع و يشكل هيأة حكومية تسير الدولة أي تحكم . بينما راهن القصر على السلطة المخزنية و لم يشرك الحركة الوطنية الحكم بعد تمكنه من السيادة المطلقة ، اثر اقصاء حكومة عبد الله ابراهيم . و هكذا لما أرادت أحزاب الحركة الوطنيّة المشاركة في تسيير الدولة عبر حكومة التوافق وجدت نفسها مخلوعة عن الطبقات الشعبية و عن السلطة في آن واحد . لكن الرصيد التحرري للحركة الوطنية و يسار سنوات الجمر و الرصاص لازال قائما و هو الذي يحاول اليسار التقدمي الحالي بعثه من جديد في وضع معطيات اجتماعية و سياسية جديدة تفرض وعيا متطورا لتعبأة الجماهير الشعبية . ان المعادلة التحررية تعقدت مما لزم معه مراجعة الذات السياسية و المجتمعية بشكل دقيق بعيدا عن التقوقع والرضى عن الذات داخل هياكل لا تعبر سوى عن نفسها قليلة الفعل حيث لا يسمع صدي صوتها داخل الجماهير صاحبة المصلة الأولى و الأخيرة لأي تغير ، علاوة كونها القوة الوحيدة التي بوسعها فرض هدا التغيير ، سواء في حلته السلمية و هي الأنجع أو العنيفة ذات العواقب المبهمة . المطلوب راهنا من مجموع اليساريين بمختلف المشارب و الاتجاهات هو بناء الذات الجماعية عبر جبهة الإنقاذ الديمقراطي تنطلق من الواقع و متطلبات التغيير ، لا من ما حصل و ما كان ينبغي له أن يحصل . بحيث نجعل من حركة 20 فبراير المنطلق و من الجبهة العامة لكل الديمقراطيين التجسيد العملي للتغيير المطلوب . و ذاك عبر المشاركة الفعالة في الانتخابات المحلية كعنوان لقيام جبهة الإنقاذ الديمقراطي اليساري الشعبي ، الرافعة الأكيدة لبناء الدولة الديمقراطية الحداثية .ثـانيا : ينبغي الوعي النهائي أن اليساريين كديمقراطيين ليسوا ضد وجود الدولة كما يلفقه أعداء اليسار ، ذلك أن الدولة هي نتاج الاجتماع البشري و لن تزول سوى بزواله و المطلوب هو تطوير و تحديث دواليبها التي تتعقد بتعقد العلاقات البشرية على كافة المستويات ، الثقافية الدينية منها و الاقتصادية الاجتماعية و السياسية السيكولوجية و غيرها . الديمقراطية التي تعني تسيير الشعب نفسه بنفسه تفرض على الفيئة الواعية ، و في الحالة التي تهمنها فئة اليساريين ، الكفاح بلا هوادة من أجل جعل آليات الدولة في خدمة الديمقراطية أي جعلها في خدمة مصلحة الغالبية من الشعب ، عوض احتكارها من طرف طغمة متربصة و متسلطة .طبعا هناك بعض الافكار الطوبوية التي سادت بين صفوف اليساريين ، خاصة في القرن التاسع عشر ، الداعية أن تحقيق الرفاهية و تعميم العدالة الاجتماعية و المساواة يمر عبر زوال الدولة التي هي في جوهرها قمعية بيد الطبقة المسيطرة. تلك أفكار جميلة نظريا الا أن الواقع المجتمعي أعقد من التبسيطات النظرية و الاعتقادات الروحانية . الحاصل أن الدولة تشكل العمود الفقري للمجتمع و الهدف هو تقوية عضلات المجتمع ليصبح هيكل الدولة قائم الذات عوض الحالة المرضية المزمنة التي تعرفها . فكل تلك النضالات و التضحيات و اشعاع الوعي ترمي تلقيح و تقوية العضلات المجتمعية من أحزاب و نقابات و جمعيات ….و في هاته التقوية يتم تصحيح الخلل الدولتي عبر الطرق السلمية . و نستنتج من كل ذا ، أن الدولة و المجتمع هما وجهين لعملة واحدة و أن التجاوب و التطابق يأتي من داخل المجتمع و ليس العكس . فكل تغيير يأتي من أعلى الهرم المجتمعي الذي تشكله الدولة لا ينتج عنه سوى بقاء الوضعية كما هي . خلافا لذلك ، اذا جاء التغيير من داخل المجتمع المدني أي عبر توعية و تعبأة الجماهير الشعبية ، صاحبة المصلحة الأكيدة في التغيير الديمقراطي لتسيير الدولة ، فان ذلك سيؤدي الى تثبيت قواعد العدالة الاجتماعية و روح المسؤولية و المساواة و سيادة القانون .اا – المشاركة في الانتخابات المحلية كمدخل لبناء جبهة الإنقاذ الديمقراطي جاءت حركة 20 فبراير كتجسيد و استمرارية للمد التحرري الشعبي الذي دشنته المقاومة المسلحة في الشمال بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي و عبر جبال الأطلس بقيادة البطل محا وحمو الزياني في الجنوب على يد ماء العينين. و على منوال هذه المقاومة الشعبية قامت الحركة الوطنية مطالبة بالاستقلال الوطني . ثم بعد 1956 انطلق يسارها ، أي الحركة الوطنية، و اليسار التقدمي لسنوات الرصاص لوضع أسس الدولة الديمقراطية . أن خصوصية الحراك الشعبي الحاصل و الذي دشنه شباب 20 فبراير لا يخرج عن حلبة المد التاريخي التحرري و منه ينبغي فحص أسباب النكوص و أسباب المد . نرى حسب وعينا و تشبتنا بالرصيد النضالي التحرري و الهدف المشترك لمجموع اليساريين في بناء الدولة الديمقراطية ، أن المرحلة الراهنة تتطلب الاجابة الصائبة و الهادفة ، لتجعل المبادرة مرة أخرى بيد الصف التقدمي الذي تمثله في المرحلة التاريخية الراهنة حركة 20 فبراير و كل القوى المدعمة و المنخرطة في الحراك الشعبي الحاصل . لذا تصبح المشاركة القوية و الفعالة لكل اليساريين في الانتخابات المحلية المقبلة تجسيدا عمليا لقيام جبهة الإنقاذ الديمقراطي . عبر الحراك الشعبي يمكن اكتساح الساحة الشعبية و تعبأتها لأخد أكبر عدد ممكن من الجماعات المحلية ، البلدية منها و القروية و جعلها محطات انتقالية قاعدية للوصول الى التغيير الدولتي الضروري. حيث ستجعل القوى المطالبة بالتغيير الديمقراطي من الجماعات التي سيتم تسييرها ، بؤرا ديمقراطية يتم ضمنها تطبيق الديمقراطية الحقة باشراك المواطنين في تسيير شؤونهم بشكل مباشر . لما يتم الرجوع الى الديمقراطية المباشرة عبر أخد أي قرار في الجماعات/الجمهوريات المحلية سيتم النهوض بالوعي الجماعي للمجتمع و اقرار ، و ليس فقط المطالبة بالديمقراطية التمثيلية الحق ، للدولة الديمقراطية الحداثي . داخل الجماعات التي ستسيرها جبهة الإنقاذ الديمقراطي سيكون هناك برامج و مشارع تنموية لصالح الجماهير فمثلا سيتم السكن للجميع عبر منح الارض مجانا لكل المواطنين لأنها ملكهم المشروع ، ثم تشكيل تعاونيات تساهم بشكل شبه مجاني بناء السكن لمن ليس له سكن و بهاته الطريقة ستقضي جبهة الإنقاذ على المضاربة العقارية التي لا أساس لها ، داخل المناطق التي تسيرها . كما أنه ستكون هناك مشاريع للتعاونيات في بناء الطرق و الانتاج الفلاحي و المهني و التصنيع و الانتاج الثقافي و احترام تعددها ، بل و دعم منابعها كيفما كانت و أينما كانت ، لأنها نسغ الحيوية المجتمعية .لذا تصبح المشاركة في الانتخابات المحلية واجب المرحلة و من خلالها سترشح جبهة الإنقاذ الديمقراطي اليساري الشعبي أكبر عدد ممكن من المرشحين ، بحيث يصبح من واجب كل مناضل ، كل مطالب بالتغيير عبر حركة 20 فبراير و الجمعيات و القوى النقابية و السياسية المحسوبة على الصف اليساري التقدمي ، ترشيح نفسه و خوض معركة التحرير المحلي . أن المشاركة عبر ما نقصده ، لا تعني كما تعودناه اصباغ شرعية للانتخابت التشريعية لأن النظام دمج بينهما و جعل كل منهما نسخة للأخرى ، بل أننا سنفرق بينهما . ألانتخابات البرلمانية خاصة بالأعيان و الانتخابات المحلية خاصة بعموم المواطنين . دور جبهة الإنقاذ الديمقراطي اليساري الشعبي هو بالفعل توضيح هدا الموقف الذي ليس سوى المطالبة بالاستقلالية المحلية أي الاستقلال الذاتي للمناطق التي سيحررها اليسار بشكل سلمى و ديمقراطي.خلاصة هذا الباب ، أن التقييم الذي يمكن استنتاجه من الحراك الشعبي عبر البلدان العربية و خاصة عندنا ، كون التغيير من الفوق له محدوديته و أن التغيير عبر القاعدة الشعبية بنشر الوعي و التأطير و تحقيق بقع الاستقلال الذاتي و الاستمرارية في الضغط المباشر بشكل سلمي ، تفتح آفاقا جديدة للتغيير الجدري يلزم تحصينه عبر بناء الجبهة العضوية الموحدة للمطالبين و المساندين للتغيير و التي سميناها جبهة الإنقاذ الديمقراطي و التي هي طبعا لا يمكنها أن تكون سوى يسارية تقدمية و شعبية و الا أصبحت نخبوية كما حصل لأصحاب اليسار الحكومي .
محمــد المبــاركي
3 يــوليـوز 2012



