ترجمة وتقديم: أحمد رباص

يرى نور الدين أفاية، في كتاب صدر له حديثا بعنوان “صور الوجود في السينما والفلسفة”، ان السينما شكلت حدثا عظيما في الثقافة المعاصرة؛ ساهمت، ومازالت تساهم في التأثير على إدراكات الناس، ووجدانهم، ووعيهم، وفي تغيير علاقتهم بالعالم؛ فهي تمتلك قدرات كبيرة على تأطير الأجساد، ونسج الحكايات، وكشف الوقائع، وصناعة الصور، وتشخيص الوضعيات الإنسانية بطرق غير مسبوقة في تاريخ الممارسات الفنية.
ويرى الكاتب أن “هذا “الفن صعب وإشكالي”، وأن “إنجاز فيلم هو انتصار على العوائق الذهنية والسياسية والمجتمعية؛ وهي عوائق قاسية في بعض الحالات، وانتصار على المشاكل المادية والثقافية والنفسية التي تسعف أو لا تسعف الفاعل السينمائي في بناء أفكاره، وبناء سروده ورسائله”.
فالسينما، يضيف أفاية، “تفكير بالفعل منذ الفكرة الأولى التي تراود صاحبها، إلى عملية بناء السيناريو، وهو أمر ليس سهلا على الإطلاق، مرورا بكل المراحل المادية والإدارية والتواصلية لبلوغ لحظتي التصوير والإخراج، التي تعبر عن قدرات الفاعل السينمائي على الترجمة البصرية للرواية الفيلمية، إلى المرحلة الحاسمة المتمثلة في تركيب ما تم تسجيله من صور ولقطات ومتواليات ومشاهد”.
تستحضر فلسفة السينما أولا المفاهيم الرئيسية التي أنتجها الفلاسفة، حيث تتناول ما كتبوه عن السينما، نذكر منهم إدغار موران، ستانلي كافيل، جيل دولوز، آلان باديو، وجاك رانسيير، وما اقترحوه على المناقشة الفلسفية العالمية. وتؤطر ثانيا تصورهم للسينما في النسق الفلسفي والجمالي العام لكل واحد منهم، خصوصا أن منهم من يجهر باعترافه بأن أسئلة الفلسفة دفعته إلى البحث عن أجوبة داخل السينما، من منطلق اعتبار الإبداع، ومنه العملية السينمائية، خاصية الفكر عندما يرتفع عن واقعه الوجودي.
وبالإضافة إلى كتابات الفلاسفة المذكورين عن السينما، يجب على فيلسوف السينما الانتباه إلى أن سينمائيين تمكنوا، عبر تاريخ السينما الغني، من صياغة لقطات، ومتواليات، وحكايات في منتهى العمق، حيث «أظهروا» ما يمثل جوهر الأشياء وتموجات الوضعيات الإنسانية، واستطاعوا مساءلة الكائن في سكينته وتوتره، في وحدته وانفصامه، في قلقه وفرحه، في حُبِّه وانفصاله؛ وما إلى ذلك من الأسئلة والموضوعات التي نجح عبرها سينمائيون، من خلال أفلامهم، في إنتاج آثار واسعة على الوعي، والوجدان، وأحدثوا أصداء عميقة في الثقافة الإنسانية المعاصرة، كما يقول أفاية

قوة السينما

لكن لماذا هي [القوة الفيلمية] متماسكة إلى هذا الحد؟ لأن مسألة التشكيك في الصورة انطلاقا من الصورة نفسها، في اتجاه ما بعد مؤسسها، هي مسألة السينما نفسها. في كتاب “ماتريكس، الآلة الفلسفية” لآلان باديو، هناك تسلسل مثير للإعجاب: طفل، ربته نبية ملهمة (ديوتيما المأدبة؟)، يلوي لفترة طويلة ملعقة، حتى التوت، مبينا بالتالي أنها ليست كائنا صلبا من العالم الحقيقي، ولكنها تركيب مصطنع، افتراضية غير متسقة.
لذلك، من داخل العالم، من خلال ديالكتيك نقدي يجهز جدلية صاعدة، يمكنك القول بأسلوب أفلاطوني: هذه الملعقة ليست الملعقة الحقيقية. الملعقة الحقيقية غير مرئية، يمكن فقط التفكير فيها. إن مبدأ فن السينما برمته هو أن نظهر بمهارة أنها السينما فقط، وأن صورها لا تشهد على الواقع إلا باعتبارها صورا على نح ظاهر.
ليس من خلال الإعطاء بالظهر للظهور، أو الثناء على الافتراضي، تتحقق لديك فرصة للوصول إلى الفكرة. فمن خلال التفكير في الظهور، وبالتالي كما لو أن ما ظهر للتو، من الوجود، يستسلم هو نفسه للفكر على أنه خيبة أمل في الرؤية.
تكمن قوة السينما في إجبارنا على سؤال أنفسنا عن الواقع بدء من الفجوة بين ما يظهر وما يفتقد ولكنع دائما مفترض (عن خطأ أو صواب)، أي موجود. هذه الفجوة هي تناسق الحضور-الغياب، النسخة والنموذج، الأصل وضله، النزوع الواقعي والنزوع الخيالي الذي ذكره كليمون روسيه في كتابه “Propos de cinéma”. هذه الفجوة تفتح بعد الممكن.

خدعة الرؤية

لنحاول تتبع المسار الذي رسمه باديو. بادئ ذي بدء، يكون الواقع في تفرده الصارم، بالمعنى الدقيق للكلمة، غير قابل للتمثيل: إذا كنا نعني بكل ما هو واقعي يقدم نفسه على أنه تفرد صارم – وبالتالي غير قابل ل”إعادة تقديمه” على الإطلاق – فإننا نميل إلى التقدير للوهلة الأولى أن السينما، من بين جميع الفنون، هي الفن الذي يحافظ على أقل علاقة بالواقع: الانتماء أساسًا ليس إلى عالم الواقع، بل إلى عالم تسخه.
يعتمد هذا التشخيص على مجموعتين رئيسيتين من الأسباب التي لخصها هنا باديو في كلمة واحدة، لأن الأمر يتعلق بمجرد أفكار تم اقتراحها قبلا ومعروفة جيدا.
اولا، ضعفت السينما بسبب قوتها التعبيرية. باعتبارها قادرة أيضا على امتلاك وسائل الفنون الأخرى (المسرح، الرواية، الموسيقى، الرسم، التصوير الفوتوغرافي..، إلخ) من خلال اقتراح سمات الحياة الواقعية بشكل لا لبس فيه (لأنهت تعرف كيفية إعادة إنتاج المعلمات الرئيسية – صورها وحركتها، ضجيجها – كونها قادرة على إنتاج نسخ طبق الأصل منها لا مثيل لها في الفنون الأخرى)، تعاني السينما من الافتقار إلى لغة خاصة بالنسبة للغات الفنية الأخرى ونقص الأصالة بالنسبة للواقع الذي تحاول الاكتفاء بمضاعفته بسبب قربه الخطير.
من ناحية أخرى، يبدو أن السينما محكوم عليها بأن تستحضر، من هذه الحقيقة بالذات، فقط الجوانب الأقل واقعية، أي أن تقتصر على مجالات التمثيلات التقليدية لأنها مقبولة اجتماعيا: يتم ذلك ةفقا لمشيئة حساسية مشتركة مدعوة لأن تقرر هنا – وهنا فقط – في مجال الواقع الفني، تكلفة الفيلم وضرورات الربحية المالية التي تحظر تجاهل الحساسية المذكورة.
سيؤدي هذان الاعتباران بسهولة إلى استنتاج مفاده أن السينما لا يمكنها إلا أن تقدم عن الواقعي نسخا بلا أصالة وتمثيلات بلا مفاجأة، أي أنه من غير المناسب تماما استحضاره كما هو.
بعد ذلك، تعني السينما كمبدأ للرؤية بالضرورة مبدأ للغموض محددا بخارج الإطار ولكن أيضًا مبدأ للتعتيم مرتبطا بالتقنيات السينماتوغرافية (صورة، مونطاج، تقطيع، نطاق، خارج النطاق.. إلخ)؛ أخيرًا ، لا تأتي الوظيفة الحكائية للفيلم، بالمعنى الدقيق للكلمة، من تصور.

خدعة الصورة

سقراط – خذ مرآة ووجهها إلى جميع الجهات؛ في لمح البصر ستلتقط الشمس وكل النجوم في السماء، الأرض، أنت ذاتك، الأعمال الفنية وكل ما قلناه.
جلوكون – نعم، سأفعل كل ذلك في الظاهر، لكن لا يوجد شيء حقيقي، لا شيء موجود بالفعل.
إذا كانت الصورة تتنافس مع الفكرة كما قال لاكان، فإن هذه الخدعة البصرية بالنسبة لباديو لا يمكنها الترفيه سوى لفترة من الوقت بقدر ما تكون الصورة، الأكثر واقعية، لا يمكنها التخلي عن وظيفتها كخدعة بصرية وعما لاحظه جودار عندما قال: “إنها مجرد صورة”؛ تعتبر الحكاية الرائعة لزيوكسيس وباراسيوس، في هذا الصدد، نموذجا للفراغ والغرور في الصور.

خدعة الممكن

يكون الفيلم الخيالي، أثناء عرضه، شكلا زمنيا خاصا يتطور، فيه يتم توزيع سجلات المحتمل وغير المحتمل وفقا لطبيعة ومحتوى الفيلم. ثم يستقر الخيال في سمك الممكن. بالنسبة إلى المتفرج، يعتبر الفيلم شكلا زمنيا حيث يوجد ما يشبه الإيهام. حتى لو حقق الفيلم توقعات المتفرج، فإن هذا الرضا يمكن أن يكون مؤقتا لأنه لا يمكن أن يرضي شره الغريزة البصرية ولأن الممكن ليس هو الحقيقي!
(يتبع)
المصدر: مجلة cairn.info

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube