عزيز الفن/باحث في القانون البرلماني والقضاء الدستوري

صدر عن المحكمة الدستورية المغربية بتاريخ 19 ماي 2022، ملف عدد 196/21، القرار رقم 22/179م. ا. قرارا دستوريا ضمن اختصاصها في إطار الطعون الانتخابية.
حيث جاء القرار بمنطوق واحد في حق السادة نورالدين مضيان وبوطاهر البوطاهري ومحمد الحموتي ومحمد الأعرج وهو إلغاء انتخاب المطعون فيهم بصفتهم أعضاء بمجلس النواب، حسب ما هو مسطر في مقال الطعن مع اجراء انتخابات جديدة في الدائرة المعنية بهذا القرار، وفق الأحكام القانونية المعمول بها مع تبليغ القرار لمن لهم الحق في ذلك ونشره بالجريدة الرسمية، حيث اعتمد القاضي الدستوري ثلاث حيثيات كافيات لوجوبية هذا المنطوق باستحضار قانوني في جميع مراحل التعليل.
إن القاضي الدستوري وهو يبث في القضايا المعروضة عليه في حدود ما سطر في طلبات الطعن، وأن التعليل لكل منطوق يكون في حدود المطلوب، وما التأويل الذي يلجأ إليه في كثير من القضايا، عند وجود غموض أو تقصير في المقتضيات التشريعية التي تعتمدها المحكمة الدستورية، أو للضرورة السياسية التي تستلزمها المصلحة العليا للبلاد، وهي خصوصية يستفرد بها القضاء الدستوري، ذلك ما نستشفه من خلال الفقه التعليلي للقضاء الدستوري.
وبالرجوع إلى القرار موضوع هذه الورقة فهو مقسم في طلب الطعن على نقطتين قانونيتين: الأولى تخص مقتضى تشريعي خاص ذا طابع دوري في حالة الطوارئ الصحية، والثانية مقتضى تشريعي عام يتعلق بالحملة الانتخابية.
ـــ النقطة الأولى: حيث احتمى الطاعن بالدوريتين لوزارة الداخلية المؤرختين في 23 و 24 غشت 20121، وهو إلزام قانوني يجد سنده في القانون رقم 23.20 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.60 المؤرخ في 28 ماي 2020، على أن تكون التجمعات والأنشطة في الفضاءات المغلقة والمفتوحة في حدود 25 شخص، وهو مقتضى تشريعي خاص بطابع الدورية ملزم للكافة وعلى المحكمة النظر فيه متى أثير أمامها ذلك ، وتزول الدورية بزوال أسباب نزولها، وعزز الطاعن هذا المأخذ القانوني بحجة مرئية ومسموعة تعضد ادعائه، حيث المخالفة لأحكام الدورية الوزارية من طرف المطعون في انتخابهما الأول والثاني ، والمحكمة وهي تنظر في هذا الطعن معتمدة الوسيلة الأولى وهو خرق مقتضيات الدورية ،علما أن أحكام القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب وخاصة ما يتعلق بالاجتماعات الانتخابية يحيل على التشريع الجاري به العمل ، حيث الدورية قيدت أحكام القانون التنظيمي، وبذلك تكون المحكمة الدستورية قد عللت قرارها تعليلا كافيا وبحيثية واحدة وهي المخالفة البينة والمرتبة لجزاء انتخابي خاص، ثم إن الطعن مبني على الاخلال بمقتضى تشريعي خاص وليس على مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين كما أضيف في الحيثية من طرف القاضي الدستوري، على اعتبار أن الحديث عن مبدأي المساواة والتكافؤ يصح عندما تمنح السلطات امتياز لطرف دون الاخر، مما كان على المحكمة الاطمئنان إلى حيثية الاخلال بالدورية دون غيرها ، كما أن القاضي الدستوري غير ملزما إلى الالتفات إلى باقي الوسائل الأخرى سواء المثارة من طرف الطاعن أو المثارة من طرف المطعون فيهما، وبخصوص النقاش حول مسألة فارق الأصوات من عدمها لا تلزم القاضي النظر إليها، و التي قد يعتمدها في سياق آخر غير السياق الحالي، ولاحق له النظر في تأثير عدد الأصوات من عدمه ، مادامت الوسيلة الأولى حسمت في القضية ، والمحكمة غير ملزمة بالتأويل في مدى تأثير عدد الأصوات على النتيجة الانتخابية بقدر ماهي ملزمة بالمأخذ الخاص للدورية والمشفوع بالحجة المرئية والمسموعة المقدم من طرف الطاعن دفعا وإثباتا ، لذلك فالمطالبة بالارتكان إلى مسألة تأثير عدد الأصوات على النتيجة خارج المطلوب في الطعن هو نقاش خارج السياق ، قد تثار هذه المسألة في سياقات أخرى غير السياق الحالي ، لذلك يقال على القاضي الدستوري أنه يحابي المنطوق باختلاف الظروف والقانون، كما أن هناك قاعدة قضائية دستورية، أن الاجتهاد الدستوري لا يعتمد عليه إلا في حدود القضية بملابساتها ووقائعها القانونية والسياسية.
إن المحكمة الدستورية في الشق الأول من القضية باعتمادها الحيثية الوحيدة تكون قد التجأت إلى التكييف القانوني بالواقع وهو تكييف وجد صوابه في منطوق القرار.
ـــ النقطة الثانية: حيث اعتمدت المحكمة الدستورية في الشق الثاني من القضية على حيثيتين اثنتين في مواجهة المطعون فيهما بخصوص المطعون فيه الثالث، في اعتمادها عدم الجواب رغم التوصل بمقال الطعن، وبخصوص المطعون فيه الرابع في اعتمادها الجواب خارج الأجل القانوني.
حيث جاءت الحيثية الثانية في مواجهة المطعون فيه الثالث، معتمدة ادعاء الطاعن في غياب تفنيد هذا الادعاء من طر ف المطعون في انتخابهما، المطعون في انتخابه الثالث، الذي لم يجيب عن وسيلة الطعن المعتمدة من طرف الطاعن الشيء الذي يعتبر إقرارا منه بالمخالفة للأحكام القانون التنظيمي لمجلس النواب والمرسوم رقم 2.16.669 المتعلق بالإعلانات الانتخابية الخاصة بالانتخابات العامة لأعضاء مجلس النواب وهو تعليل كاف لقبول الطعن وترتيب الأثر لهذا القبول.
كما أن الحيثية الثالثة جاءت في حق الرابع مختصرة بعلة ورود المذكرة الجوابية خارج الأجل المضروب للمطعون فيه، وبذلك تكون المحكمة الدستورية قد عللت قرارها تعليلا قانونيا بثلاث حيثيات لا غرابة في هذا القرار، ثم إن الزلزال المتحدث عنه هل يصب على القرار أم على الأشخاص؟ ومادام أن القرار جاء خال من أي تأويل المعمول فيه في القضاء الدستوري المغربي والمقارن.
إن الديمقراطية القضائية أصبحت تقتضي القراءة في أحكام القاضي الدستوري ومدى اعتباره للقانوني والسياسي في مسار القضية منذ الوقائع مرورا بالتعليل ووقوفا عند المنطوق، وليس القراءة في طبيعة الأشخاص المعنيين بهذه القرارات القضائية، لأن القرارات القضائية تحمي القانون وليس الأشخاص هكذا تتم العدالة الدستورية في دولة الحق والقانون.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube