أحمد رباص – حرة بريس

انطلقت منذ الإثنين 11 ماي 2020 فعاليات الأسبوع الرقمي التضامني مع حراك الريف الذي نظمه تيار اليسار المواطن والمناصفة الناشئ بين صفوف الحزب الاشتراكي الموحد بتنسيق مع جمعية (تافرا) التي تضم عائلات المعتقلين. وللحقيقة والتاريخ، شكل هذا الأسبوع أهم حدث سياسي يعيشه المغرب في ظل الحجر الصحي المراد به إجراء فعالا لمحاصرة انتشار فيروس كرونا.
ابتداء من الساعة العاشرة من تلك الليلة الرمضانية، كان رفاق بنسعيد آيت إيدير وعموم المتتبعين على موعد مع الجلسة الافتتاحية التي تميزت بإلقاء ثلاث كلمات لكل من مصطفى بنصباحية، المنسق الوطني للتيار صاحب المبادرة، ونبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب.
بدأ بنصباحية كلمته بتوجيه التحية لكافة الرفاق والمؤمنين بمبادئ وأهداف الحزب والمساهمين في أجرأتها بممارسات وسلوكات تيسر تجاوز الحجر التاريخي الذي نعيشه لمعانقة رياح الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، غير هامل توجيه نفس التحية لكل المشاركين والمشاهدين لفعاليات هذا الأسبوع التضامني الفريد من نوعه ولنبيلة منيب ولمعتقلي الرأي وفي مقدمتهم معتقلي حراك الريف ولعائلاتهم الصامدات.
ينظم تيار اليسار المواطن – يقول المنسق الوطني – أسبوعا تضامنيا مع حراك الريف للتأكيد على عدالة قضيتهم ومشروعية مطالبهم، وللتعبير بضوت مرتفع على رفض المنتمين للحزب استمرار الاستبداد ومواجهة الاحتجاجات الشعبية السلمية المشروعة والمطالب العادلة بالآلة القمعية، وللمطالبة بالإطلاق الفوري لسراح كافة معتقلي الرأي، وعلى رأسهم معتقلو الريف ووضع حد لمعاناة عائلاتهم.
إن حراك الريف، يتابع بنصباحية، الذي حاولت مغالطات الحاكمين شيطنته وتخوينه واتهامه بتهم باطلة كالانفصال والعمالة عن طريق تجنيد وسائل الإعلام الرسمية وأئمة المساجد وبعض الجرائد والمنابر المفترى على استقلاليتها، وصولا إلى القمع والمحاكمات الصورية والأحكام الجائرة، إنما يجسد في الحقيقة ممارسة شباب الريف حقهم في الاحتجاج السلمي لأجل مطالب واضحة يمكن إجمالها في المحاور التالية:
1- رفع التهميش عن منطقة الريف من خلال إلغاء ظهير العسكرة ورفع كل أشكال الحصار والتهميش عنها وإعادة الاعتبار لذاكرتها الجمعية؛
2- المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمجالية تتغيى تأهيل المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا حتى تستجيب لحاجيات ساكنتها من التعليم والسكن والشغل والصحة؛
3- الصدح بمطالب ذات صبغة بيئية تتمثل في الحفاظ على الغطاء النباتي للريف وحماية شواطئه من التخريب الذي ينهجه لوبي مقالع الرمال.
وعوض أن تلجأ الحكومة إلى فتح حوار مسؤول مع قادة الحراك خاصة بعد الإقالات التي عصفت بمسؤولين إداريين وسياسيين مركزيين ومحليين والتي تعترف الدولة من خلالها بمشروعية مطالب الحراك، نجد أنها جندت آلتها القمعية والتضليليةللزج بخيرة أبناء الريف في السجون بأحكام قاسية أعادت إلى الأذهان ممارساتها إبان سنوات الجمر والرصاص التي قيل لنا ذات مصلحة مزيفة أنها صفحة طويت إلى غير رجعة، تقول كلمة المنسق الوطني.
في ختام هذه الكلمة، أكد ملقيها على موقف حزبه الداعي لإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف والاستجابة لمطالبهم المشروعة كمقدمة للتصالح مع مغرب الهامش، كما أكد على أن الاستبداد كيفما كانت مرجعيته الإيديولوجية والقمع أيا كانت أساليبه لن يزيدا الوضع إلا تأزما، ويبقى في نظره الضامن الحقيقي للاستقرار هو الانتقال إلى مغرب الديمقراطية والحرية والكرامة.
من جهتها، ألقت نبيلة منيب كلمة نوهت في مستهلها بالأهمية البالغة التي يكتسيها موضوع هذا الأسبوع الرقمي التضامني؛ ألا وهو موضوع الاعتقال السياسي المستمر في بلادنا وما يرتبط به من محنة نشطاء الحراك الشعبي بالريف وعائلاتهم. كما تعتبر الأمينة العامة للاشتراكي الموحد أن المبادرة إياها تستمد أهميتها من كونها مناسبة للتعبير عن جميع أشكال التضامن الممكنة من أجل الوصول إلى إطلاق سراحهم وتمتيعهم بكل حقوقهم المشروعة ورفع الحيف عن جهتهم المهمشة منذ عقود حتى يمكن لبلادنا أن تتقدم باتجاه مغرب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية وحتى لا يبقى مغرب يتمتع بإمكانيات العيش الكريم ومغرب مهمش، مغرب غير نافع ولا مغرب.
وفي حديثها عن التيارات داخل حزبها، قالت منيب إنها إبداع من أجل تقوية الديمقراطية الداخلية ولإعطاء حرية التعبير مداها وحرية الرأي الرزين الذي يساهم في تقدم الأطروحة المقدمة من قبل الحزب من أجل تجاوز الأزمة المركبة التي تعرفها بلادنا وبناء مغرب الديمقراطية الكاملة والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
في ثنايا كلمتها، لم تدع إيقونة اليسار المغربي الفرصة تفوتها لتوجيه التحية العالية لهيئة الدفاع التي وقفت إلى جانب نشطاء الريف وعائلاتهم ولكل المناضلين والمناضلات الذين صمدوا وحضروا المحاكمات واستقبلوا عائلات الضحايا في بيوتهم، كما تحيي نضال حزبها بغير من بهذا النضال على نشطاء وساكنة الريف الأبي، مذكرة بأنه (الحزب) نظم ندوة بالحسيمة وعقد فيها مكتبه السياسي اجتماعا تمخض عن بيان تاريخي سمي ببيان الحسيمة، وأردفه بنداء الحسيمة الذي وقعه أزيد من 5000 شخص من ضمنهم مثقفون وأساتذة وشباب.
إن الحزب الاشتراكي الموحد – تتابع نبيلة منيب – يؤكد على مطلب الإفراج الفوري بدون قيد أو شرط عن المعتقلين السياسيين كلهم وعلى رأسهم معتقلو الحراك الشعبي بالريف ومعتقلو الرأي والصحافوين والمدونون، إيمانا منه بأن المدخل إلى بناء دولة الحق والقانون كما تصبو إليها بلادنا هو إنهاء ظاهرة الاعتقال السياسي وضمان الحرية والحقوق لكافة المواطنات والمواطنين أينما وجدوا.
وبخصوص أزمة جائحة كرونا التي تمر بها بلادنا، تمنت منيب زوالها بأقل الخسائر الممكنة، معلنة في ذات السياق أنها ورفاقها في الحزب يفكرون في تدبير هذه المرحلة لفائدة مغرب ما بعد كرونا الذي لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يستمر على الحال التي نعيشها اليوم ومنذ ستة عقود؛ يعني مغرب فيه فوارق اجتماعية ومجالية. وبناء عليه، تحذر منيب من أنه إذا لم نبن في الغد المدرسة والجامعة المغربيتين ولم نعتن بالبحث العلمي فسيكون هناك شرخ رقمي؛ علما بأن العالم مقبل على ثورة الذكاء الرقمي وعلى تغيير هذا النظام النيولبرالي المتوحش الذي إذا لم يسقط لا بد له من أن يتغير ليفسح المجال لدور الدولة الاجتماعية في المجالات الحيوية وفي مقدمتها التعليم والصحة والحق في الشغل وضمان الكرامة والعدالة الاجتماعية بالنسبة لكافة المواطنين والمواطنات.
مرة أخرى، تتوجه الأمينة العامة بالتحية إلى رفيقاتها ورفاقها على هذا الزخم النضالي، ليس فقط على الفضاء الافتراضي ولكن كذلك بالحضور في الميدان ووبالكتابات والتواصل والتفكير في كيفية إنهاء محنة الاعتقال بالتضامن مع كل الأصوات الحرة في هذا الوطن التي تؤمن بان التغيير ممكن وبأنه يمكن لبلادنا أن تنتقل إلى دولة الحق والقانون، ولكن كل ذلك يتطلب الصمود والنفس الطويل والانخراط الواعي للشباب وغيرهم في معركة التغيير حتى يتحقق فصل السلط وإصلاح نظام العدل والعدالة الاجتماعية، وحتى نتمكن من القضاء على الفساد ومن إبعاد المفسدين وأن نعيد بالفعل القيمة للسياسي، خاصة ونحن نرى اليوم الدولة المغربية تسيد التقنوقراطي على السياسي وتهمشه وتقبل بالسياسي المنبطح، ونريد أحزابا قوية، جادة ومستقلة في جعبتها مشاريع قوية حتى تشكل قوة ضغط من أجل حصول التغيير.
في نهاية كلمتها، جددت نبيلة منيب، نيابة عن حزبها، التحية العالية لأمهات وأخوات نشطاء الحراك الشعبي بالريف ولآبائهم وإخوانهم ولكل المناضلات والمناضلين وتقول إنهم في الاشتراكي الموحد يشدون على أيديهم ويقفون إلى جانبهم حتى يتم إطلاق سراح المعتقلين وتتم الاستجابة لمطالبهم وحتى يبنى المغرب الذي يحقق التصالح التاريخي مع جهة الريف الغالية التي كتبت ولا زالت تكتب صفحات مجيدة من تاريخ بلادنا؛ بالأمس مع عبد الكريم الخطابي واليوم مع الشباب المناضل الذي كان نضاله محط فخر واعتزاز.
بعد ختم إيقونة اليسار المغربي لكلمتها المقتضبة،حان دور المناضلة أمينة مراد، مسيرة الندوة الرقمية الافتتاحية، لترحب بكل المتتبعين لفعالياتها الهادفة لتمكين تيار اليسار المواطن والمناصفة من التعبير عن تضامنه مع حراك الريف المبارك، قبل أن تزيح الستار عن المشاركين وهم على التوالي المؤرخ المغربي مصطفى بوعزيز الأستاذ الباحث في كلية الآداب بالدار البيضاء والمستشار العلمي لمجلة “زمان” وأحد أعمدة مركز محمد بن سعيد آيت إيدير للدراسات والأبحاث، وخالد رفيق من مواليد 1968، نائب كاتب فرع الحزب ببلجيكا، وخالد البكاري الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي، وأخيرا أحمد الخمسي، عضو في التيار المنظم للندوة وأحد رموز اليسار المغربي، “سلاحه قلمه المؤسس لجريدة “الأنوار” لملء الفراغ الذي تركته جريدة “أنوال” بعد منعها”، كما قالت أمينة مراد.
باعتبارها مكلفة بإدارة النقاش المؤثث لهذه الندوة التي افتتح بها الأسبوع الرقمي التضامني مع ضحايا الاعتقال السياسي في الريف، جنحت أمينة مراد إلى تقديم موجز للسياق العام الذي اندرج ضمنه حراك الريف؛ حيث قالت إن تاريخ المنطقة الحديث زاخر بالمقاومة التي حمل مشعلها كل من الشريف أمزيل خلال مدة 13 عاما انطلقت من 1909، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قاد حربا ضروسا ضد الاحتلالين الإسباني والفرنسي على امتداد مناطق الريف بعد واقعة أنوال سنة 1921 وما أعقبها من قصف للمنطقة بالغازات السامة من طرف التحالف الثلاثي المكون من إسبانيا وفرنسا وأمريكا الشمالية، إمعانا في كسر مقاومته الشرسة ما خلف ندوبا عميقة وجراحا دامية لم تندمل بعد بفعل الإصابات السرطانية التي ألمت بالمنطقة دون أن تتوقف عن الانتشار لحد الساعة.
ومن ذلك خلصت المتحدثة إلى واقعة مقتل الشهيد محسن فكري طحنا داخل شاحنة الأزبال المنزلية ليشعل موته غضبا عارما واحتقانا شديدا نتج عنه خروج الآلاف من الساكنة مطالبين بمحاكمة المسؤولين عن حدوث هذه الفاجعة الأليمة، وكذا برفع الإقصاء والتهميش وإلغاء ظهير العسكرة إلى جانب مطالب اجتماعية واقتصادية. وفي إطار ربط الحاضر بالماضي، رأت أمينة في هذه التطورات التي عرفتها قضية محسن فكري امتدادا لموجة الغضب التي امتدت انطلاقا من مواقف عبد الكريم الخطابي من سياسة الدولة ومن الطريقة التي تعاملت بها مع المنطقة على وجه الخصوص إبان التفاوض من أجل إعلان الاستقلال، ومن انتقاده الشديد لاحقا للعنف الذي تعرضت له انتفاضة 1958-1959 التي رفعت بدورها مطالب إصلاحية تتطلع إلى رفع الإقصاء والتهميش، فضلا عن مطالب ديمقراطية وتنموية جهوية.
وهكذا تستنتج مسيرة النقاش على ضوء الجرد التاريخي الموجز استمرار الدولة في تكرار أساليب تعاطيها مع المنطقة بإقصائها وتعثر مشاريعها التنموية وعسكرتها وإخضاعها لمنطق الانتقام. هذا، بالإضافة إلى محددات اجتماعية واقتصادية وسياسية ساهمت في تفجير مخزون الغضب لدى الساكنة وشباب المنطقة بزعامة ناصر الزفزافي. ولم تر المتحدثة بأسا من ذكر ولو بعجالة لهذه المحددات التي سيتطرق لمحاورها السادة الأساتذة المتدخلون في النقاش ضمن هذه الندوة الافتتاحية.
بالنسبة للمحدد السياسي، فمن مكوناته استمرار العسكرة واعتماد تشتيت الريف في التقسيم الجهوي واستمرار أسلوب الإقصاء والتهميش والتقاطع بين مصلحة الجهة والدولة والتحكم في الخريطة السياسية واتهام أحزاب الأغلبية الحكومية الحراك بالعمالة والانفصال واستحضار الجانب الديني لشيطنة الحراك عن طريق تجنيد حوالي 80 فقيها. أما مكونات المحدد الاقتصادي فتتمثل في الإقصاء والتهميش الذي تعاني منه المنطقة وضعف الاستثمار والمشاريع التنموية وغياب الشبكة الطرقية والافتقار للبنيات التحتية الأساسية. في حين أن المحدد الاجتماعي يتكون من ارتفاع معدلات البطالة وتهاوي مؤشر التنمية والتدبير المؤسساتي للتراث المادي واللامادي وسلوك السلطة التنفيذية في تدبير بعض الملفات الاحتجاجية ومقتل الشهداء الخمسة إبان حركة 20 فبرايروصولا إلى مقتل محسن فكري.
في النزع الأخير من مداخلتها، أوضحت أمينة مراد أن كل هذه المحددات تفاعلت في ما بينها لتعطي حراكا سلميا منظما شمل 72 مدينة وقرية نظمته فئات اجتماعية مختلفة تحت كنف ناصر الزفزافي الذي عرف كيف يؤجج غضبا أمد الحراك بطاقة نوعية بعدما وصل للأفق المسدود، فما كان من الدولة إلا التدخل بالقوة لإفراغه من محتواه والنيل من فاعليه ونشطائه عبر شيطنتهم، خصوصا بعد واقعة مسجد ديور المالك بتهمة عرقلة ممارسة الشعائر الدينية، الشيء الذي أوحى للمتتبعين والملاحظين بلجوء الدولة لسياسة تكميم الأفواه ومصادرة الحق في التعبير والمحاججة والحيلولة دون تأسيس فضاء عمومي ريفي بمعايير وشروط محلية كأسمى خير عمومي بتعبير الفيلسوف الألماني كانط المؤسس لمبادئ التنوير، ليختم المخزن كل ذلك بتسفيه الحراك ونسفه باعتقال مناضليه وعلى رأسهم نجل أحمد الزفزافي وتكبيلهم بتهم ثقيلة وأحكام تراوحت بين 20 سنة و15 سنة و10 سنوات، كما مورس عليهم بعد ذلك مختلف الانتهاكات الجسمية والنفسية في حقهم وعائلاتهم.
وما أن ختمت مداخلتها حتى طرحت المناضلة أمينة على الأستاذ مصطفى بوعزيز سؤالا عما هي العلاقة القائمة بين الريف والدولة وكيف ساهمت في تغذية الحراك وتمديده. وللإجابة على هذا السؤال المركب، قال المستشار العلمي لمجلة “زمان” إنه سيركز على الحركات الاجتماعية وضمنها حراك الريف الذي يود أن يقارنه بأصوله التاريخية لأنه في الحقيقة تطور نوعي في إطار حركة الاحتجاج المغربية. ووفاء منه لهذا المطلب المنهجي، لاحظ مصطفى بوعزيز أن المغرب التاريخي بشكل عام أنتقل من نمط معين للاحتجاج معروف بثنائية المخزن والسيبة، أي ثنائية المناطق التي تسيطر عليها السلطة المخزنية والمناطق المنتفضة لتي كانت مناطق قبلية وسميت بهذا التعبير: السيبة، وهي غير المحكومة بنظام راشد حسب التعبير المخزني. سيقع انتقال في العقدين الأخيرين من القرن التتاسع عشر إلى الاحتجاج المدني في المناطق التي كان المخزن مسيطرا عليها بالكامل. ومن هنا تأدى الأستاذ الباحث في تاريخ المغرب إلى أن هذه الاحتجاجات الحضرية التي ابتدأت مع تولية السلطان الحسن الأول هي النموذج الجنيني الذي سيحكم كل الاحتجاجات الحضرية التي ستحدث في المغرب والتي يعتبر حراك الريف امتدادا نوعيا لها.
بعد ذلك، انتقل المؤرخ المغربي إلى الحديث عن النقاش الذي أثاره بعض المثقفين المغاربة حول طبيعة الاحتجاجات المغربية، وما إذا كانت مجرد احتجاجات ذات بعد سياسي محدود أم هي حركات اجتماعية ذات طموح يمكن وصفه بالاستراتيجي. في الحقيقة، لا زال بوعزيز يميل إلى أنها حركات اجتماعية وليست حركات احتجاجية ظرفية سياسية عابرة. ثم بعد ذلك يحيل إلى النقاش عن ماهية الحركات الاجتماعية، ليهتدي إلى تقديم تعريف للحركة الاجتماعية باعتبارها تحررا جماعيا وسط المجتمع يتأسس على قاعدة حيف وشعور بالدونية وينطلق بهدف رفع الغبن وجبر الضرر. ولتدقيق هذا التعريف الذي بدا له عاما، يقول المتحدث إن الحركات الاجتماعية تنشأ كجواب على اختلالات اجتماعية تشكلت على المدى الطويل ورسخت الحيف واللامساواة؛ لذلك تعبر الحركات الاحتجاجية عن انتظارات طالبي حق. إذن، هناك غبن وحيف تشكل عبر الزمن الطويل نتج عنه رد فعل مجتمعي قامت به فئات اجتماعية تشعر بهذا الحيف بصفة جماعية وتتمثله شيئا غير مقبول، فتتحرك لتطالب بحق هو رفع هذا الضرر وجبر الكسر الناتج عن هذا الضرر، يوضح الإطار الباحث في مركز محمد بن سعيد آيت إيدير.
وللتدليل على بداية احتضان الوسط الحضري المغربي للحركة الاحتجاجية منذ القرن التاسع عشر، قدم بوعزيز بعض الأمثلة مصحوبة بدلالاتها التاريخية. وكانت البداية حسب وجهة نظره في فاس سنة 1873 حينما توفي السلطان محمد الرابع، إذ كانت هناك عملية انتقال الملك من خلال مبايعة وتولية السلطان الحسن الأول. كانت هذه المرحلة استثنائية لأن الانتقال من “مات الملك” إلى “عاش الملك” كان قبل الحماية يستغرق وقتا يقاس بالشهور؛ لأن الملك الجديد كان عليه أن ينتقل من منطقة مراكش إلى فاس ليحظى فيها ببيعة أهل العقد والعزم وبتزكية علماء القرويين لهذه البيعة.
ففي هذا الظرف الاستثنائي، كل الفئات تتحرك لتطالب بمطالب محددة مقرونة بالبيعة. هكذا انتبه الدباغون في فاس إلى أنهم يئنون تحت ضغط حيف طال أمده لمدة عقدين، ويتمثل في كونهم يؤدون ضريبة دخول السوق وضريبة الأرباح؛ أي ما عرف بالمكوس، بينما جزء آخر من المغاربة كان يتمتع بامتياز عدم أداء تلك المكوس ولا يتورع عن منافسة الجزء الملزم بأداء الضريبة. والسر في إعفاء تجار الجزء الأول من دفعها يكمن في حملهم لبطاقة محمي التي كانت تمنحها له بعض الدول الأوربية، وفضلا عن ذلك كان يسمح لهم بعرض سلعهم في السوق وبإنتاجها في المصانع المغربية. ومن أجل رفع هذا الحيف، شارك الدباغون في انتفاضة للمطالبة برابطة القانون وبأن يكون الناس سواسية أمام القانون، وحال لسانهم يقول: إما نؤدي المكوس جميعا وإما لا نؤديها. إذن، الجديد في هذه الانتفاضة كان هو تأسيس رابطة القانون، ولو أنها كانت متقطعة ودامت حوالي أربعة أشهر ثم انتهت بعدم تلبية تلك المطالب نظرا للظرفية الموجودة آنذاك، ولكنها مع ذلك كانت مؤسسة لهذا النوع من الاحتجاج حيث نجد أن مجموعة من الانتفاضات سارت في هذا الاتجاه عبر مختلف مناطق المغرب.
ومن الأمثلة التاريخية التي لها دلالتها في هذا السياق، ذكر مصطفى بوعزيز الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها سنة 1930 والمعروفة بالظهير البربري، ما يوحي بأنها كانت ضده، مع أن ذلك ليس هو اسمه التاريخي حيث عرف في الحقيقة بظهير العدلية في المناطق العرفية، نظرا لتفريقه بين أهل العرف وأهل الشرع؛ الشيء الذي حمل المغاربة على مناهضته لأن لا الإسلام ولا السلطان الذي هو أمير المؤمنين يدعوان إلى التفرقة. وما يدل على ذلك هو أن حركة اللطيف التي كانت تخرج من المسجد كانت تردد: يا لطيف، يا لطيف، ألطف بنا بما جرت به المقادير، ولا تفرق بيننا وإخواننا البرابر. وهكذا يتبين لنا أن الحركة الاحتجاجية كانت من أجل الوحدة وقد حالفها النجاح حيث تم إلغاء الظهير تحت ضغط المحتجين.
في نفس السياق، وقف بوعزيز عند سنة 1944 المعروفة بوثيقة المطالبة بالاستقلال، مشيرا إلى أن مغرب الحماية لم يشهد وثيقة واحدة من هذا القبيل بل سلسلة من الوثائق. ويبقى المهم، في نظر محدثنا، أن المغرب انخرط خلال هذه السنة في الحرب العالمية الثانية التي كانت في أوجها وعاش في نفس الوقت في ظل انتفاضة رفعت مطلب الاستقلال. على أن اليومين الجوهريين في هذه الانتفاضة كانا هما يومي 29 و30 يناير اللذين خرجا فيهما المغاربة يطالبون بالاستقلال والحرية وأمسى الكثير منهم ضحايا للمجازر التي ارتكبت في حقهم بمدن مغربية على رأسها سلا والرباط وفاس. وهنا لاحظ المؤرخ أننا نحتفل بذكرى 11 يناير كحدث تاريخي مع أنه ينبغي الاحتفال بيومي 29 و30 يناير لأنهما يومان حاسمان سقط فيهما شهداء بالعشرات.
من هنا نشأت الحركة الوطنية التي تميزت بتداخل بين الحركات الاجتماعية الناشئة والحركات الشبابية والحركات التي قادتها الجمعيات النسائية والحركة الكشفية والحركة الرياضية التي انصهرت كلها في بوثقة واحدة تقول لا لدونية المغاربة أمام الأجانب ولا نريد الحماية، بل نريد الاستقلال.
أما بعد الاستقلال، يعترف بوعزيز بأن هذه الفترة شهدت حركات كبيرة ذكر منها واحدة لأنها معروفة في وجدان الجيل الذي ينتمي إليه كجيل من الشباب اليساريين. استمرت هذه الحركة على مدى ثلاثة أيام (22- 23-24 مارس 1965) وكانت مدن مغربية كالدار البيضاء والرباط وغيرهما مسرحا لها. في بادئ الأمر، انطلقت هذه الحركة على يد الطلبة الذين طالبو بالحق في التعليم ثم ما لبث أن انضم إليهم العمال ليطالبوا بحقهم في الشغل. لكن المخزن لم يعرف سوى القمع كلغة وحيدة للتعامل مع المحتجين فكانت حالة الاستثناء في المغرب وبداية سنوات الجمر والرصاص التي أصبحت موضوع أحاديثنا في الألفية الثالثة.
بعد ذلك، يضيف بوعزيز، وقعت احتجاجات معروفة في سنة 1979 قام بها رجال التعليم والصحة، تلتها انتفاضة 1981 التي لقب ضحاياها بشهداء الكوميرة على حد تعبير إدريس البصري. وفي 1984 وقعت أحداث لها صبغة خاصة تتلخص في جواب المجتمع العميق على الاختلالات الكبيرة الموجودة في المجتمع حيث برزت احتجاجات على التمثيلية السياسية التي لم تكن في المستوى. ولم تكن مدن الريف بمنأى عن هذا الغليان الاجتماعي الذي أطلق نقاشا حول ما إذا كان للجماهير المحتجة رأس مدبر. ثم جاءت أحداث 1990 التي أعادت نسبيا إلى الواجهة القوى المؤسسة للمجتمع والتي هي النقابات، خصوصا الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين اللتين قادتا هذه المعركة التي لعلع فيها الرصاص.
وفي الأخير، استنتج المؤرخ المغربي من هذا الجرد التاريخي أن هذه الحركات تشترك في نفس الميزات، أهمها قصر مدة الاحتجاج ووجود كثيف للشباب وضعف التنظيم، ما سهل على النظام القائم إحداث استفزازات كانت تؤدي إلى تجاوزات في الشارع العام، لهذا لم تؤد إلى انتقال لا في النظام الاجتماعي ولا في النظام السياسي ولكنها مكنت من توجيه إنذار كبير للسلطة القائمة بحيث أعادت ترتيب أوضاعها. لكن الأمر مختلف تماما في الحركات الاجتماعية التي اندلعت في 2011 ومابعدها، إذ نجد أن المساحة المغطاة اتسعت ووقت الاحتجاج تمدد ولو أن ضعف التنظيم ظل ثابتا. كذلك لوحظ أن البرنامج المحمول خلال احتجاجات الربيع العربي وما بعده تضمن دوافع وطنية غير فئوية كما كان الشأن في الحركات الاحتجاجية التي حدثت قبل 2010 والتي كانت تسير نحو توافق مع المؤسسة الملكية بخلاف منطق تحسين الأوضاع الذي مشت نحوه الحركات الاحتجاجية لما بعد الربيع العربي.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube