سياسةعبد الحي كريطمستجدات

بوديموس يحذر من “ارتدادات الترامبية” على الأمن الإسباني.. الكناري وسبتة ومليلية في مرمى الحسابات الجيوسياسية

عبدالحي كريط 

حذر حزب بوديموس اليساري الراديكالي، في جزر الكناري من ما وصفه بـ“التداعيات الخطيرة” لدعم الحزب الشعبي الإسباني  وحزب Vox لخيارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السياسة الدولية، معتبرا أن هذا التموضع لا يهدد فقط صورة إسبانيا الخارجية، بل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات تمس مباشرة أمنها وسيادتها الترابية، خصوصا في الأقاليم غير القارية مثل جزر الكناري “وسبتة ومليلية” (المحتلتين).

وبحسب موقف نقلته وسائل إعلام إسبانية، يرى الحزب أن انخراط اليمين الإسباني في منطق التدخلات الأحادية خارج الشرعية الدولية، كما فعل ترامب في ملفات مثل فنزويلا، يساهم في إضعاف منظومة القانون الدولي التي تشكّل، تاريخيا، صمام الأمان للدول متوسطة القوة. فحين تصبح القوة بديلا عن القانون، تتحوّل الحدود إلى مسألة تفاوض سياسي، لا إلى واقع قانوني ثابت.

من منظور بوديموس، لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف أيديولوجي مع اليمين، بل بمسار سياسي قد يخلق “سوابق خطيرة”، تسمح لقوى إقليمية أو دولية بتبرير ضغوط أو مطالب تمس أقاليم إسبانية حساسة.

وهنا يستحضر الحزب ما يسميه “الهشاشة الجيوسياسية” لجزر الكناري، باعتبارها أرخبيلا يقع في منطقة بحرية غنية بالثروات الطبيعية، من معادن استراتيجية إلى احتياطات محتملة من الغاز والنفط، ما يجعلها محط اهتمام متزايد في سياق التنافس الدولي على الموارد.

الرسالة التي يبعث بها بوديموس واضحة.. حين تبارك مدريد سياسات تقوم على كسر قواعد الشرعية الدولية في الخارج، فإنها تضعف، من حيث لا تدري أو تدري، الأسس التي تحمي مصالحها في الداخل. فالقانون الدولي ليس مجرد أداة أخلاقية، بل هو درع سياسي للدول التي لا تمتلك فائض قوة عسكرية أو اقتصادية.

وفي هذا السياق، ربطت المتحدثة باسم بوديموس في الكناري، النائبة نويِمي سانتانا، بين الوضع الراهن وتجربة المسيرة الخضراء سنة 1975، حسب توصيفها،   معتبرة أن التغاضي عن خروقات القانون الدولي في أماكن بعيدة قد يرتدّ لاحقاً على الأمن الإسباني نفسه. فتسامح معه اليوم في كاراكاس، قد يستحضر غداً في الكناري”، على حد تعبيرها، في إشارة إلى منطق ازدواجية المعايير الذي يحكم العلاقات الدولية.

هذا الخطاب يعكس رؤية نقدية عميقة للسياسة الخارجية الإسبانية في ظل صعود اليمين، إذ يرى بوديموس أن التقارب مع الخط الترامبي لا ينسجم مع مصالح مدريد الاستراتيجية، بل يجرها إلى مربع التوتر وعدم اليقين.

فإسبانيا، بخلاف الولايات المتحدة، لا تملك هامش المناورة ذاته، وهي في حاجة إلى نظام دولي مستقر تحكمه القواعد لا منطق القوة.

ومن هنا شدد الحزب على أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تظل الإطار القانوني الأساسي لضمان السيادة البحرية وحماية الحقوق الاقتصادية للدول. ودعا الحكومة الإسبانية إلى تبني موقف أكثر صرامة في الدفاع عن مصالحها، بعيداً عن الحسابات الأيديولوجية أو الاصطفافات الظرفية التي قد تضعف موقع مدريد التفاوضي إقليميا ودوليا.

نقد بوديموس لا يقتصر على التحذير من المخاطر، بل يتضمن تشخيصاً أعمق لتحول في منطق السياسة الدولي من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تدار فيه الأزمات بمنطق القوة والصفقات. وفي هذا السياق، يرى الحزب أن استيراد “الترامبية” إلى إسبانيا ليس مجرد خيار سياسي، بل مقامرة بمكتسبات سيادية بنيت على مدى عقود من الالتزام بالشرعية الدولية.

الخلاصة التي يلمح إليها الخطاب اليساري في الكناري هي أن السيادة لا تحمى بالشعارات، بل بالتمسك الصارم بالقانون الدولي.،  وأي انزلاق نحو تبرير التدخلات غير المشروعة، مهما كانت دوافعها، قد يحول الأقاليم الإسبانية الحساسة إلى أوراق في لعبة جيوسياسية أكبر من حدودها وقدرتها على التحكم في نتائجها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID