بمناسبة حلول فاتح يوليوز المطابق للذكرى 11 لإصدار الدستور المغربي الحالي ، لي الشرف باعادة نشر مداخلتي التي ساهمت بها في فعاليات الندوة المهنية والعلمية المنظمة من قبل الجمعية المغربية للقضاة والتي كانت تترأسها آنذاك الزميلة حاليا الأستاذة رشيدة أحفوض . وذلك في مثل يومه 29 يونيه 2013 بفندق روايال منصور بالدارالبيضاء . تحت عنوان : إصلاح منظومة العدالة ، أي دور للقضاة ؟ “
وأعتبر إعادة النشر بمثابة نداء إلى تفعيل مقتضياتها في ضوء التحولات الجارية لاحقا وحاليا ، من تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة إلى إصدار مدونة الأخلاقيات القضائية بتاريخ 8 مارس 2021 ، نداء بمحتوى وقيمة عنوان مداخلتي آنذاك :
التواصل المعرفي دعامة لإصلاح منظومة العدالة
إعداد الاستاذ مصطفى المنوزي

  بداية لابد من أن ننطلق من سؤال مركزي كمؤطر للبعد الإنساني والثقافي لكل تقويم أو إصلاح ،هل هناك ،فعلا إرادة حقيقية لإنجاز إصلاح شمولي وعميق وهيكلي لمنظومة العدالة ،إن على مستوى بنيتها التحتية ،التي يعتبر التنظيم القضائي عمقها الاستراتيجي والذي يحدد طبيعة الدواليب والميكانزمات والآليات البشرية والإجرائية التي يدار بها النشاط القضائي وتنتج الأحكام القضائية ؟

لا أحد ينكر بأن المجهود الدستوري أقام أعمدة صلبة للسلطة القضائية ،من خلال الباب السابع وعلى الخصوص وبالتحديد في الفصول 107 وما يليها الى غاية 128 ؛ لكن ما جدوى هذه الأعمدة إذا لم يتم إشراك المعنيين بالإصلاح كفاعلين من داخل المنظومة وكموضوع له ؟
كيف يمكن تأهيل مكونات منظومة العدالة لكي يلعب كل مكون دوره بنجاعة وتفان ، والحال أنه لا معنى لإكتساب القضاء لصفة السلطة دون إبراز مؤشرات وأسس الاستقلالية المنشودة ؟
هل يعقل أن نكرر تلك الأسطوانة المشروخة حول صعوبة البدايات ومقاومة التغيير ؟ أليس كل انتقال ورش للتأسيس والهيكلة على المقاس ؟
أليس مطلوبا منا أن نبني العدالة وهي تبنينا ؟
ألا يؤكد التوجس حول فشل مهمة الإصلاح في تكريس الأمن القضائي إصرار السلطة التنفيذية الضمني على تبخيس دور القضاء كسلطة مضادة ومراقبة للشرعية والمشروعية ، كرافعة لبناء دولة الحق والقانون ، وذلك باستعمالها كل الإمكانيات لتكريس هيمنة السياسي على القانوني والحقوقي والثقافي وحتى االتربوي ؟
ألم يحن الوقت للإعتراف للمحامين والقضاة بمركزية دورهم في إصلاح العدالة ؟
فأي دور لهم وأي تواصل وبأي محتوى وخلفيات يمكن إصلاح منظومة العدالة ؟
وهل القضاة واعون بأهمية استقلاليتهم ،كخيار ، مؤسسة
وأفرادا في تحقيق التقويم المنشود ؟ إصلاح أية أعطاب أية سلوكات ؟ هل ذلك يعني التجاوز بالقطع مع الماضي المقلق غير المرغوب فيه ، ماضي في حاجة الى تقييم وتقويم ذاكرته والتصالح معها ، وبأية و وسائل ، والحال أن السلطة التنفيذية تقوت نفوذا وقوة على حساب بقية السلط ؟ كيف يمكن للجسم القضائي المترهل والمنهك بسبب تسخير الدولة له في حسم الصراعات السياسية لفائدتها تتبيثا لأمنها وتزكية لقمعها ،إلى درجة لم يعد ينظر الى جهاز القضاء سوى ملحقة بالإدارة ،بل إن القضاة –وعلى الخصوص قضاة النيابة العامة – مجرد موظفين عموميين وضباط شرطة قضائية يحررون المتابعات ويزكون تصفية الحسابات السياسية ؟
لقد سبق للدساتير السابقة أن نصت على استقلال القضاء ، لكن صفة “السلطة ” التي جاء بها دستور 2011 قد حسمت الموقف والتأويلات ، وباعتبار المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو المثل المعنوي والقانوني للعدالة ؛فإن الهندسة الدستورية الجديدة التي حذفت عضوية وزير العدل
من تشكيلته ،كانت حاسمة في كون القضاء صار متحررا من أية هيمنة للسلطة التنفيذية .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه من الناحية الواقعية ، هل تحرر القضاة والقضاء من “حضور ” السلطة النتفيذية ، وطبعا نقصد الحكومة ورئيسها ، ولا نقصد الملك كضامن للاستقلال دستوريا …؟
أضيف سؤالا على سبيل الانكار البلاغي : لماذا لحد الآن لم يحتفل القضاة فعليا باستقلال القضاء وباستقلالهم عن مقتضيات وتمثلات المجلس الأعلى للقضاء الذي لازال يترأسه وزير العدل بالوكالة ؟
قد نعتبر الأنشطة والتظاهرات العلمية التي ينظمها القضاة في موضوع الاصلاح ، وكذلك الوقفات واصدار البيانات وتأسيس الجمعيات ،مظاهر من الفرح والإحتفاء ، لكن ألا يستحق المغاربة جميعا احتفاء جماعيا ووطنيا بعيد استقلال القضاء ؟ أليس الانكفاء في الاحتفال والتعبير عن مطلب استقلال القضاة وتحسين وضعيتهم نزوع الى نضال فئوي منغلق على الذات ؟ وهل بهذه المنطلقات الذاتية يمكن أن نؤسس لاستقلالنا كمؤسسة وكأفراد ، والحال أننا عن غير وعي ، نحتكم للحظات الحنين الى ما قبل الاستقلال الدستوري غير المؤسس واقعيا في شكل سلطة قائمة الذات والصلاحيات المتميزة ؟
لست وصيا على زملائي القضاة والقاضيات ،كي أملي عليهم جدول أعمالهم ، خاصة في العلاقة مع مطلب تحسين أوضاعهم المادية ولكن لأن العدالة شأن عام ، وهمني كهيأة (المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف )وهي منظمة مدنية غير حكومية ،أسست لجبر ضرر ضحايا سنوات الرصاص ، يهمني ليس فقط إصلاح القضاء كأداة سخرت في الماضي لتزكية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعسف الدولة ،الى أن صارت تمثلات المجتمع تعتبر بجزم أن القضاء وظيفة سياسية غير محايدة ،ويؤرقني الوضع الذي آلت اليه العلاقة بين مكونات منظومة العدالة ،فالتوتر السائد بين المحامين والقضاة لايخدم سوى أطراف خارج منظومة العدالة .فلماذا هذا الاحتقان غير المبرر وغير المؤسس على أية مصلحة مشروعة .ودون ان ادخل في التشخيص، اتساءل فقط: من يصلح ماذا؟ وكيف لمن خولوا مهمة تدبير النزاعات ان يصلحوا قطاعا دوره الاستراتيجي هو تدبير النزاعات وصناعة المراكز القانونية أو الاعلان عنها ، بل صنع بدايات الواجبات وارهاصات الحقيقة القضائية باعتبارها في آخر التحليل بشرية ونسبية؟
اذا كان المحامون (ككتلة وهيآت) والقضاة كمكونات للسلطة القضائية ، هم عماد وجود العدالة ووطنها ، فكيف لهم وهم يتحاربون خلال “اليومي” أن يحافظوا على مقتضيات العدالة التي ليست فقط مجرد تعاقدات وعقود بل كينونة وسيرورة ووجود؟
قد نسلم بقيام النزاعات كضرورة نظرا لتناقض المصالح وتنازع الحقوق ، والصراع من اجل “البقاء” ، غير أن حكماءنا المفترضين لبلورة المصالحات وخلق التوازن الاجتماعي والسياسي وتكافؤ المصالح الاقتصادية والمالية يفتقدون الى هاته الملكة ومهارة التدبيرالذاتي للخصومات البينية !
مما يستدعي الحاجة الى محطات ووقفات للتأمل من أجل التجاوز ، من هنا أعتبر الندوة ناجحة من الآن بكل المقاييس ، فالعنوان لامس الإشكالية وكذلك المحاور .ومن هنا كان إختياري لمحور ” التواصل المعرفي دعامة لإصلاح منظومة العدالة ” .
وفعلا ؛نحن جميعا في حاجة ماسة الى تواصل ،وبالأساس الى هدنة ،مرجعيتها الأساسية هي الوعي بأهمية المرحلة .
فنحن بصدد التأسيس لدولة الحق والقانون، دولة تقطع مع ماضي التعليمات والانتهاكات ، وأيضا الى مجتمع بنفس المواصفات حيث القانون هو الحكم وكمؤسسة فوق الجميع .فمطلوب منا أن نشرع أخلاقيا لتدبير النزاعات فيما بين القضاة والمحامين ، وكذا فيما بين هيئاتهم ، بما يعنيه
التواصل المؤسساتي ، لذلك ستلاحظون بأن المفكرين والأخلاقيين من النخبة وكذا علماء الإجتماع والنفس اتفقوا على أهمية وضرورة وجود هدنة لأجل التفكير العقلاني ، فيما يتراكم من شنآن وصراعات ،فحتى “المشرعين الدينيين ” كانوا يشرعون لما يسمى ب “نظام هدنة الله ” لدى المسيحيين ، وأيام كيبور لدى العبريين اليهود ، والأشهر الحرم التي ورثها الإسلام عن الجاهلية وسار عليها . وهي فترات يرخص فيها للمتحاربين كي يهتموا بطقوسهم وشعائرهم العقائدية والدينية ويمارسونها بخشوع ودون تشويش . ما أحوجنا الى هدنة قد تطول أو تقصر ، للعمل على بلورة مصالحات بينية ؛ وإذا كان يصعب الوصول الى صلح قطعي ودائم ،فنحن في المنتدى نعتبر استحالة بلوغ المصالحة كمسلسل وبالأحرى الصلح الذي يعني وضع حد نهائي للنزاع ، لذلك نعوض –اجرائيا ومصلحيا – المصالحة باصطلاح التواصل التاريخي حيث المد والجزر ، في أفق بلوغ الهدف الأسمي وهو العيش الجماعي وحسن تدبير الإختلاف كحق وكفطرة .
ولأن التواصل التاريخي وحده غير كاف بحكم استحضاره دائما لسلبيات الماضي وتراكماته وجراحه ،فإنه ينبغي الإرتقاء بالتواصل الى مستوى فكري وعلمي ، من أجل حسن التأطير وتغليب المصالح العليا على الذاتية .
لذلك فالمقصود بالمعرفي كل المبادرات والأدوات والسبل والتراكم الثقافي والعلمي والفكري الذي يتناول النزاع ويحلله في كليته ونهايته بما تعنيه “الكلية” بالعموم والشمول والكمون ،خاصة وأن أغلبنا يتعامل مع الظاهرة من خلال أسبابها السطحية والجلية ، والحال أن الأسباب
والعلل المباشرة هي مجرد أقنعة خادعة ، لما يختفي في الخلف هي مجرد نتائج لأسباب جوهرية ، فكيف لنا أن نعالجها إذن بالتواصل المعرفي ؟
لا يمكن أن نتحرر من هيمنة التحليل السياسي والإقتصادي سوى بإعمال أدوات التحليل المعرفي الشامل وتمثلها ،انطلاقا من المقاربة القانونية /الحقوقية /التعاقدية الى المقاربة المعرفية الشاملة ، وإن القانون معرفة بذاته كعلم وتقنية .
فهل نملك هاته الإمكانية المعرفية القانونية ، وهل هي كافية ككفاية ؟
وباعتبار المعرفة تراكم وتواصل ،فإني سوف أقتصر ،تفعيلا لهذه المقاربة ،على إقتراح ثلاثة مداخل مندمجة لهذا النوع من التواصل بمثابة توطئة خام :
-المدخل الأول : التعايش في ظل النزاع بواسطة التواصل المعرفي .
-المدخل الثاني : الحوارالمعرفي كتمرين لدمقرطة التواصل .
-المدخل الثالث :التسامح كبيداغوجيا للاعتراف بالآخرين .

المدخل الأول : التعايش في ظل النزاع بواسطة التواصل المعرفي .
بغض النظر عن التربية التي تلقينا ،وهي تجسيد لقيم الانسانية الايجابية التي استطاع آباؤنا وأمهاتنا وعائلاتنا ومعلمونا أن يلقنوننها لنا ؛فإن ما تلقيناه في منظومتنا التعليمية وخلال وقتنا الحر / الثالث ومثاقفتنا وتكويننا الفكري والقانوني جعل منا أناسا غير عاديين ،فوق المجتمع ، كنخبة تتماهى مع السلطة العمومية ،باعتبار أن المجتمع لايولي عناية للقضاة والمحامين إلا بقدر ما يستطيعون أن يكونوا قدوة ، في النزاهة والتباث ، هاته القدوة التي ينبغي أن تلمس في طريقة الحياة المعيشة الجلية – كما يقول نتشه – في حق الفلاسفة ، وكما يقول ميشيل فوكو في حق
الفنان ،ألا يمكن أن تغدو حياة كل فرد تحفة فنية ؟ ..ويحق لنا أن نقول معه ألآ يمكن أن تغدو حياة المحامين والقضاة عدالة تمشي على رجلها بدل رأسها أو بطنا ، فكيف لهم أن يجسدوا تلك العدالة الوطن الفاضل إذا هم لم يسقوا فطرتهم وسلوكاتهم بالتكوين المعرفي ؟
لنا في حياتنا المهنية بعض النماذج البشرية ، والتي لعبت بابداعاتها وانتاجها واجتهادها وسلوكاتها دورا مهما في حياتنا وسلوكاتنا تربية وفكرا ونضالا ، كانت بمثابة النبراس الذي ينير الطريق ، فكل واحد منا يعد مثالا وقدوة يهتدى به ويقتدى . ولكن هل يكفي في زماننا تمثل سلوكات غيرنا ، أي هل يكفي أن يعتز كل واحد منا بنفسه دون أن يعمل على التفاعل مع الآخرين ؟ فهذا هو المقصود عمليا من الحياة الجمعية وما نسميه فن تدبير الحق في الحياة السعيدة . وأعتقد أن عصرنا يقتضي تطوير هذه السلوكات الى ما هو أكثر فائدة في التواصل وتبادل الخبرات واقتسام المعلومات، أي بلوغ التفكير في العيش معا ، أو ما يدعوه الفلاسفة والإجتماعيون والتربويون فن التعايش .لأن التفكير في العيش مع الآخر وتدبير المجال معا كفضاء يحضن الجميع ،لا يمكن أن يتم دون تفعيل قاعدة البوح الايجابي من أجل التعبير الجماعي . فكيف سيتم هذا التعايش ؟

المدخل الثاني : الحوارالمعرفي كتمرين لدمقرطة التواصل .
يعتبر الحوار أنجع وسيلة لرفع اللبس و تجاوز سوء التفاهم و لاستحضار الحكمة و تكريس الائتلاف بتقريب أوجه الاختلاف و ملء البياضات ، فهل تكفي المحادثة العادية لتقوم بهذا الدور ، خاصة فيما بين أطراف مفترض فيهم “الوعي” والفهم العميق لما يجري ، أم لابد من حوار بمعايير
وبمواصفات وخصائص محددة ؟
كثيرا ما يقال بصدد النزاعات، ينبغي تحكيم العقل ، وكما يقول الفلاسفة ” ان العقل السليم هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس” .اذن العقل موجود فينا بالتساوي ولكن إعماله وتحكيمه يحتاج الى قوة مادية ، تؤطره وتفعلها إيجابيا. طبعا لا بديل عن المعرفة ، وبالتالي فالتواصل المعرفي
أداة لتجاوز الذاتيات والنرجسيات المعبرة عن المصالح الضيقة ، وهنا يحضر القانون والأخلاق والوازع العقائدي والديني والمبادئ والقيم في شكل حكمة شمولية ـ أي فلسفة خاصة ـ كمناقض جوهري وعدو عنيد للخزعبلات والايديولوجيا التي تتعمد تجاهل التناقضات وشرعيتها وطبيعتها الكونية كقانون ؛ فنحن كقضاة ومحامين أي النخبة المفترض فيها بحكم المستوى التعليمي والكفاءة المعرفية ، على علتهما وحجمهما ، لابد وأن نحتكم للعقل المؤطر بالمعرفة وعلى الخصوص علم الاجتماع القانوني وفلسفة الحق من أجل إستنباط الحكمة من التشريع، وبأنه لا حق إلا وراءه صفة تلازم الطالب ومتلازمة مع مصلحة مشروعة واضحة ، فالحكمة العاقلة بالمعرفة أو الوعي العالِم إن صح التعبير ، تسعى الى الكشف عن الاختلاف فيما وراء الائتلاف المقنع وعن التعدد فيما وراء الوحدة القسرية ، والاتصال المصطنع ، فالاتصال من جهة واحدة “على وزن انفعال” يتخذ صيغ آمرة ويشتغل عموديا من أعلى الى أسفل ، ليس كالتواصل بين طرفين “على وزن تفاعل” فهو أفقي وحتى إن كان أحيانا عموديا ، فغالبا ما ينطلق من أسفل الى أعلى . صحيح أن الحوار يتعثر بصفة كبيرة عندما يتعلق الأمر بنقاط الالتقاء ، لكن لابد من أن نؤمن بأن التاريخ يؤكد بأنه كلما ازدادت المسافة قربا بين القضاة والمحامين في الأمور التقنية البسيطة ازداد بعدهم بفعل الاحتكاك اليومي ،لكن ولأن المعرفة كالشرطي الضابط لعملية الجولان وتسهيل المرور ، فإن للعملية التحاورية بمحتوى علمي ، نتائج بعدية
مهمة ، وهي أنه كلما ازداد أحدهما بعدا عن نفسه عن ذاته الجاهلة ، وذلك بالانفتاح والحوار نحو حاجاته الثقافية والخبرات المجتمعية ، ازداد قربه من الآخرين ، من هنا لابد من العمل على تحويل النزاعات والخلافات ،على الأقل ، إلى صراع صريح فكريا وثقافيا ، ولما لا إلى صراع سياسي يتجاوز الذاتيات وشخصنة الصراع المؤطر بالتواصل المعرفي هو الذي يقيم ويقوم الذوات ويقوي مشروعية مطلب الاستقلال عن كل جهة لها مصلحة في الانشقاق والانفصال ،وتجاوزا لكل انكفاء على الذات وتفاديا لكل غرور واحتضار ذاتي ، لأن القضاة لا يمكنهم العيش بمفردهم ، يواجهون كل المصائر المجهولة في العلاقة مع استقلالهم على الخصوص ،كمكتسب وطني أدينا عنه جميعا الثمن
بالتضحيات غير الهينة ، فهم كما قلنا وكما سنفصل عند الحديث عن آلية التسامح ، هم ضحايا الدولة والمجتمع معا ، لذلك فنزعة اللمبالاة بالآخر ـ أوما نسميه نحن بالنقيض الثانوي ـ تجر الى العزلة وسهولة السقوط في التبعية بما يعتبر ارتدادا وانتكاسة لمطلب التحرر والاستقلال، فالممارسة التحررية لن تتأتى إلا بترتيب الأولويات والتناقضات وتدبير التحالفات ، فالتعايش لا يعني في آخر المطاف سوى حسن تدبير الائتلاف والتحالف مع احترام الخصومات الضرورية والعرضية كأمر واقع ، من هنا فالتواصل المعرفي وسيلة لبلوغ هذه الوسائل في التحليل والتمكن منها ، وقد تعلمنا ان لكل تعاقد مصلحة مشتركة مشروعة فبالتالي يظل المحامون والقضاة مرآة لبعضهم البعض تقييما وتقويما ،لأن الإختلاف فيما بينهم ضرورة يحكمها الماضي والمستقبل و يتحكم فيها ، وإذا كان مفهوما بأنه للحنين للماضي مبرراته وهي أن القضاة لم يكونوا مستقلين بما يكفي عن الإدارة دستوريا وواقعيا ، والمحامون (النخبة) وجدوا نفسهم مخندقين بقوة الوقائع السياسية والاجتماعية مع ضحايا سنوات
الرصاص ،فكيف يمكن تبرير استمرار التوتر في ظل حاضر يؤسس لمستقبل استقلال الجميع عن سلطة الحاكم وعن السياسة و الايديولوجيا ؟
أليست دولة الحق والقانون والمؤسسات مطلبا للجميع ؟ فكيف لنا أن نتوافق ونتراضى حول ما نحن بصدد الإختلاف حوله ، ذلك الماضي الذي لا يريد أن يمضي ؟

المدخل الثالث: التسامح كبيداغوجيا للاعتراف بالآخرين :
نحن أسرة واحدة، لكن هل الحروب الصغيرة بين مكوناتها تماثل المناوشات داخل الأسرة؟
هل يحصل عندنا أحيانا الطلاق للشقاق ( رغم انها مسطرة لتفادي الشقاق) كما يحصل داخل الأسرة النووية ؟
قلنا إن التعايش والحوار يفضحان الاتصال الوهمي وبالحقائق السيوسيولوجية التي يقدمها الاعلام عن القضاة والمحامين ، كشريحة منزهة عن العبث ومعصومة من الخطأ، لا يمكن أن يطالها الفساد وكأنها معزولة عن المجتمع وثقافته وسلوكاته؟ فكيف نتخلص من هذه التمثلات والحروب القاتلة للتعايش والحوار وإمكانياته ؟
أعتقد انه يمكن اعتماد “معبر” التسامح الذي لا يمكن تمثله سوى في سياق معرفي مترفع عن الحزازات ، لأنه حسب العقائديين والدينيين لا يمكن اعتباره سوى وسيلة للنيل من وحدة الأمة، كتصالح مع العدو، ولأننا ارتأينا أن نخوض منذ البداية بالتركيز على ” المعرفة “، لأنها هي التي تعطي الأولوية لأهمية التعايش ثم الحوار كآلية ممهدة لما بعدها من تسامح . فالتسامح لا يمكن أن يتأتى إلا بعد التعايش الاضطراري، فالاختياري/الطوعي /التلقائي/الواجب، ثم الحوار اللازم لكل تواصل وتعايش أو العيش معا. فقد قلنا بأن التعايش لا يكفي وكذلك الحوار إذا لم يفضيا الى الوعي بالمصلحة المشتركة، أي بضرورة تبادل المصالح، وأول تفعيل للمصلحة هو الإعتراف بوجود الآخر، والذي لا يستقيم إلا إذا كان متبادلا. فالاعتراف بالآخر ييسر الإعتراف بوجود الاختلاف والإقرار بالحق فيه، فلسنا مضطرين لكي نتماثل. فكل ميول نحو التواصل التاريخي لا يعني بالضرورة التعبير عن الإعتراف بوجود دين تاريخي في الذمة وكحق مطلق، وبالتالي فنحن مضطرون للاعتراف ببعضنا البعض كمختلفين غير متماثلين ، وبالخصوصيات الثقافية والتربوية الملازمة لنا وكذا العمل على الاعتراف بالآخر كما هو، وبفعل التعايش والحوار نحول التسامح كالتزام أخلاقي (ببدل عناية) الى تعاقد قانوني (بتحقيق نتيجة) ، فالتسامح هو قبول الاختلاف والتميز عن الآخر ايجابيا وسلبيا. والمقصود هناليس التسامح مع الآخر كتجاهل له وعدم المبالاة بحاجياته والتسليم بأن الآخر عدو استراتيجي وتناقض تناحري، وبالتالي القبول به كأمر واقع مستحيل التحول أو التغيير، بل نقصد التسامح كانفتاح على الآخر في اختلافه واقتراب منه في ابتعاده، اي الانشغال به.فإذا كان التسامح
الأول يضمر التعالي بالنظر الى أن العلاقة تكون عمودية كعلاقتنا مع الدولة والاستعمار والخارج بصفة عامة، فإنه في الحالة الثانية تكون العلاقة أفقية حيث الاختلاف متباين ومتصالح ندا للند. لذلك فالقضاة والمحامون مختلفون وليسوا متمايزين.
اذن كخلاصة فالتسامح وسط بين رذيلتين كما يقول بن مسكويه ، وسط بين التساهل وبين التغاضي. ومن سمة التسامح انه يبعدنا عن ذواتنا،
فتحول بينها وبين التعصب للرأي والتشبت بمنظور والتعلق بنموذج ، فهو تسامح مع الذات ، ضدا على الغرور والوهم بتضخم الذات،
والاستلاب بتملك السلطة والقوة العمومية ، فالأصل أننا ميالون الى الخطأ، فعلينا أن نكون مستعدين للاعتراف بأخطائنا وتقديم نقد ذاتي دون جلد للذات. وفي جميع الحالات ، فإن التسامح لا يمكن أن يكون بدون سقف وحدود. فينبغي أن تؤطره المصلحة المشتركة وبالتالي يقتضي الأمر
على أن يـتـأسس التسامح على مبدأ التبادل وفي إطار التعايش والحوار، انسجاما مع إرادة التواصل المعرفي التي تنبني على أساس التدبير السلمي للصراع ان كان له محل ، ومادامت المعرفة سلطة فالتكوين والتكوين المستمر يظل شرطا لمواجهة السلطة التنفيذية التي تحتكر القوة العمومية تعوض بها ما نقص في المجال الحقوقي وتملك الايديولوجيا تعوض بها خصاصها في العقل والقانون، وتسخر التقنية في مواجهة فقرها الثقافي والتزامها السياسي. فليكن وعينا الجماعي كرد فعل عقلاني ومعرفي على بؤس واقعنا المادي والمعنوي.
وعلى سبيل الختم والاستنتاج العام يشكل التواصل المعرفي وعبر المداخل الثلاثة :التعايش ثم الحوار فالتسامح آلية مستدامة ومستمرة في الزمن والمكان يتغلب فيها البعد السيكولوجي على النزعة التقنية لفض النزاعات وتدبيرها بطرق حضارية وسلمية دون عنف سواء مادي أو لفظي
وهو كثير في حياتنا اليومية رغم أنه محرم ومجرم ، ويا للمفارقة العجيبة ، ونحن حماة القانون والسلم والحق في الأمن .
مصطفى المنوزي
محام رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube