أثارني هذا الصباح و أنا أتصفح جرائد هذا اليوم بيان اللجنة الوطنية لطلبة كليات الطب و طب الأسنان و الصيدلة الذي يستنكر إدماج طلبة أكرانيا في هذه الكليات لاتمام تكوينهم. كما أنهم يعلنون إضرابا و طنيا معللين قرارهم” بعدم إحترام تكافؤ الفرص، وضرب حق دستوري، و الإخلال بالضوابط الأكاديمية و البيداغوجية للتكوين في هذه التخصصات التي قد تكون غير متوفرة في طلبة أكرانيا”، كما يعللون رفضهم هذا بكثرة الطلبة في المغرب و عدم التوفر على الإمكانيات اللازمة للتأطير في المستشفيات الجامعية بالمغرب التي لن تستطيع الإيفاء بالغرض المنشود في التكوين.
إن هذه المبررات تبقى قابلة للنقاش و فيها شيء من الدفوعات المعقولة. إلا أنها تخفي مع كامل الاسف إنزلاقا خطيرا للحركة الطلابية في هذه التخصصات يضرب في العمق مبدء المواطنة و روح التآزر في الظروف الإستنائية التي يعيشها هؤلاء الطلبة الناتجة عن ظروف حرب لم يختاروها و هم أول ضحاياها.
لقد عبأ المغرب بجميع قواه كل ما يملك لإرجاع طلبته الذين يفوق عددهم أكثر من اربعة عشرة ألف طالب و طالبة، و إنقادهم من آثون حرب أتت على الأخضر و اليابس.
لقد راينا اباء و أمهات مفجوعين و خائفين على فلذات أكبادهم و يناشدون جميع القوى الوطنية للتدخل لإنقاد ما يمكن إنقاده. و كان هناك تدخل حكيم مكن من إرجاع طلبتنا و أبنائنا الى ديارهم ريتما تنتهي الحرب. إلا انه ليست هناك أي بوادر بإنتهائها و اصبح الإنتظار سيد الموقف في إنتظار كودو الذي قد يأتي او لا ياتي كما في رائعة سامويل بيكتSamuel Becket…
أمام هذه المعضلة الكافكاوية(نسبة الى الكاتب كافكا Kafka) كانت هناك إجتهادات من أجل إنقاد مستقبل هؤلاء الطلبة و إتمام تكوينهم و هو كذالك حق دستوري، و نتسائل: أليسوا كاملي المواطنة؟ أليسوا إخواننا لكم؟ ماذا سيكون موقفكم غدا إن كانوا أبنائكم؟
إن الموقف المعبر عنه في البيان موضوع هذه التدوينة و بكل صدق يبقى عبثيا، غير مسؤول و خال من كل حس مواطنتي.
قد أكون قاسيا في إصدار حكم قيمة من هذا النوع إلا ان هناك معطيات تبرر ذالك. في الماضي القريب رأينا بياننا من نفس النوع يستنكر و يرفض الحق لطلبة كليات الطب الخصوصية للولوج إلى المستشفيات الجامعية العمومية و كذالك حقهم في إجتياز المباريات للقبول كأطباء داخليين كانهم ياتون من كواكب أخرى. مرة أخرى أين المواطنة؟ أين الحق الدستوري؟..
وإني أستحظر إفتتاح كلية الطب و الصيدلة سنة 1975 بمدينة الدار البيصاء و كان عدد طلبة السنة التحضيرية يفوق 1300 طالب و طالبة وهو نفس العدد الذي كان في كلية الرباط و كان عدد الأساتذة المغاربة الرسميين في الدار البيضاء لا يفوق اربعة اساتذة و جل الأساتذة كانوا فرنسيين زائرين لا تتعدى مهمتم أكثر من أسبوعين، كان هناك حماس رغم ضعف التأطير لكن لم يشتك أحد و أغلب خريجي هذه المرحلة هم الذين مارسوا و ساهموا بشكل كبير في توفير الموارد البشرية الطبية للمغرب و أسسوا لطب حديث نجني ثماره إلى حد الآن و أساتذكم الحاليين هم أبناء هذا الجيل.
لقد عرف التكوين الطبي ضعف الموارد منذ بداية الثمانينات ووهجرة الاساتذة إلى القطاع الخاص، و كانت هناك نضالات من أجل توفير الموارد البشرية و التجهيزات التقنية و توفير شروط العمل إلا ان الوضع تفاقم مع مرور الوقت وأصبح العمل يفوق طاقات النضال اليومي الملتزم مما إضطرت الظروف أكثرية الكوادر الجامعية إلى اللجوء الى آفاق أخرى و في قلوبهم حسرة.
إن المنظومة الصحية بالبلاد عانت الكثير و أصبحت قاب قوسين من الفشل المبين. لكنها على رغم الإكراهات بقيت واقفة و وقوفها في وجه الجائحة كان بمتابة وسام على صدرها.
إن آثار الجائحة و تدبيرها و التطورات العالمية و إنعكاسات الحرب و التطورات الجيوسياسية حتمت على المغرب الدخول في مشاريع إجتماعية رائدة. و اصبحت الحماية الإجتماعية من الأولويات و كذالك إعادة النظر و بشكل عميق في المنظومة الصحية. و اصبحنا لأول مرة نشاهد في المغرب إلتزاما وطنيا و على أعلى مستوى رأس الدولة بتطوير و النهوض بالمنظومة الصحية و هو ما يعتبر إذا جاز التعبير بمتابة ثورة إجتماعية حقيقية نتمنى لها كل النجاح نظرا للإتزامات ببناء مغرب آخر. و أصبحنا نتكلم عن الأمن الصحي و السيادة الوطنية في هذا الميدان و إنطلاق مشاريع واعدة على مستوى التطبيب و الصناعة و التكوين والبحت العلمي و الإبتكار و الحكامة الجيدة و هلم جرا.
إلا أن هناك تحديات يجب مواجهتها و أولها العنصر البشري، هناك خصاص كبير و معترف به في جميع التخصصات من مهني الصحة. كل المجهودات تصب في التأهيل و التكوين و الأعتناء بالعنصر البشري الذي يبقى العمود الفقري لكل تقدم. إن ألإمكانيات الوطنية الحالية رغم الجهود لن تسد الخصاص و تبقى المعاهد الأجنبية المعترف بها خير وارد للإسهام في تخفيف الخصاص من الأطر الصحية. لقد عانت العائلات المغربية في توفير مقاعد للدراسة الجامعية لفلذات أكبادها في الدول الأجنبية و توفير تكوين محترم لهم و يجب علينا موضوعيا أن ندمج هذه الاطر لسد الخصاص و تطوير التجارب مع جميع معاهد التكوين المتعددة. شخصيا أرى أن هذا الكم الهائل من طلبة أكرانيا يمكن أن نستغله و نعطيه في هذه الظروف الأستتنائية كل الوسائل اللأزمة و التأطير المعقلن للإستفادة من هذه الطاقات الشابة.
اننا نحلم و نتوق إلى مغرب آخرب متصالح مع ذاته، مع أبنائه متعدد المشارب على شكل فسيفياء أخادة عذبة الاثر، مغرب يتسع للجميع و محتاج لجميع أبنائه.
ملحوظوة: ليس لي أي قريب أو قريبة تدرس في المعاهد الاكرانية.
سعيد المتوكل طبيب أستاذ جامعي و باحث

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube