بداية تحية حارة لمتتبعي هذه الحلقة، التي سنحاول فيها عرض خلاصات ما أتت به الحفريات والبحوث العلمية المجردة، والتي لا نطرحها كحقيقة مطلقة. بل كاجتهاد علمي قابل للتطور حسب المعطيات العينية التي لا تخالف العقل. بهدف فك ألغاز بعض معجزات موسى حسب ما جاءت بها التوراة. المعاينة العقلية للأمور، بما فيها التي تظهر للمرء كأنها حقيقة مطلقة،سواء ما خص الأساطير والمعجزات والتي آمن بها الناس بشكل عقائدي أي روحي. مثلها، كمثل الاعتقاد الذي كان شائعا كون الأرض هي عبارة صحن مقلوب. وسطه يابس تتخلله الجبال والوديان والسفوح، يحيط به ماء لبحر. وأن الشمس والكواكب تدور حول الأرض. ظل هذا المعتقد سارياالى حين اكتشاف المنجم والعالم الفزيائي غليلي في القرن السابع عشر، أن الأرض كروية وأنها هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. وكان هذا الاكتشاف الذي يظهر عاديّا اليوم، قد حوكم صاحبه واضطرّ التبرؤ مما اكتشفه حتى لا يرمى في النار. تبرأ غليلي وهو يقول كلمته المشهورة “ولكنها تدور” أي الأرض حول الشمس. طبعا أحدث هذا الاكتشاف ثورة علمية عملت مجمل مرافئ المعرفة العلمية منها والفكرية.ومن منّا لم يسمع ما يتردد ليومنا هذا، منقولا عن بعض كتب القرن الوسيط. كون الأرض فوق قرن تور والتور فوق ظهر حوتة والحوتة تسبح في الماء. وأن الزلزال يحدث لما يغير التور الأرض من قرن لآخر. ومثل هذه المعتقدات وغيرها شائعة وان دحضها الاكتشاف العلمي والبرهان العقلي.

لقد بيّنا سابقا أن قصص التوراة اختلطت بأساطير الأولين،حيث نسب بنو إسرائيل ثقافة الأمم التي سبقتهم الى أنفسهم مع تحويرها. وذلك لما عمد كهنتهم تدوين كتب التوراة بعد ترحيلهم من فلسطين الى أرض بابل بالعراق على يد البابليّين،بداية القرن السابع قبل الميلاد. حيث تبثوا عبر كتب التوراة الأولى، قواعد وشرائع الديانة المساوية نسبة للنبي موسى. علما أنه لم تكن هناك شرائع خاصة باليهود قبل النبي موسى الذي عاش في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وحسب المعطيات التي بين أيدينا أن تدوين التوراة بدأ سبعة قرون بعد موت النبيّ موسى واستمر الى القرن الأول للميلاد. مدة زمنية جد طويلة دامت لقرون. تداولت خلالها القصص والشرائع التوراتية بشكل شفوي. مما يسمح للخيال والتأويل والابتكار أن يلعب بالأدهان والعقول. وعلى سبيل المثال، وكما سنرى في أوانه، يحكى أن الامام البخاري جمع ما يزيد عن ست مائة ألف حديث نبوي لم يحتفظ منها سوى بستة أو سبع آلاف حديث، حسب الرواة. أي ما يعادل الحفاض على حديث واحد من مائة حديث. أما الامام مسلم، فلم يجمع سوى قرابة ثلاثة آلاف. هناك نقاشات وأبحاث غزيرة في السنوات الأخيرة، تعيد النظر في طريقة جمع الأحاديث ومراجعة الصحيح والملتبس فيها. علما أن تدوين السيرة النبوية حدث قرنا فقط بعد موتالرسول. ولقد كانت هناك منهجية دقيقة تعتمد الاستناد على سلسة من الرواة الذين يلزم أن تكون فيهم عدة خصائص. كانت تلك المنهجية هي الوسيلة التي كانت تظهر عقلية للمدونين الأوائل. لكن العلم العقلي تطور منذ ذلك الزمان وأصبح يسمح بمراجعة ما كتب في وقت كثرت فيه الأهواء والصراعات المذهبية واستعمال السلطة والنفوذ. إذا حصل هذا بالنسبة للسيرة النبوية رغم كل الحيطة التي أخدت في تدوينها، ما بالك في مخطوطات دونت بعد عشرات القرون إذا أخدنا سفر التكوين كأول كتب التوراة الذي يتحدث عن بداية الكون والخليقة وقصص الأولين من أدم الى موسى مرورا بنوح وابراهيم؟ اذن كما أكدناه في الحلقات السابقة لا نناقش هنا الايمان، بل نعاج ما يخص الحقائق الدهرية التي تؤخذ كأمور أو عقائد مقدسة وما هي كذلك، وانما أساطير وقصص من وحي الخيال لخدمة اعتقاد خاص لمجموعة أو أقوام معيّنين،يريدون فرضه على عقول الناس.

لم يكن الفراعنة ملوك مصر كلهم طغاة 

نعتت التوراة حكام مصر بأنهم طغاة قاهرين للخلق، وعممت ذلك تحت اسم فرعون. والحقيقة التاريخية تعاكس ذلك. ككل الأباطرة والملوك والسلاطين، وهذا عبر مختلف العصور، فيهم الطالح والصالح، العادل والظالم. وهذا الحكم يطبق على ملوك مصر أيضا. لقد كان فيهم أباطرة عادلون ومنهم من استبد وتأله. وبالمناسبة فان كلمة فرعون كانت الى حدود 2500 قبل الميلاد تعني الدار الكبيرة التي تضم المعبد وسكن الحاكم، ثمأصبحت تعني الملك لمفرده. مع العلم أن الثلاثة والثلاثين أسرة التي حكمت مصر، ليست كلها مصرية. فهناك أسرة الذين غزوا مصر من الهكسوس والبابليين والفرس والاغريق بعد غزو الاسكندر المقدوني ذو القرنين، والأمازيغ الذين كانوا يستقرون غرب الدلتا لقرون قبل صعودهم عرش مصر ابتداء من عام 945 الى 715 قبل الميلاد، حكمت خلال هذه الفترة أربع عائلات. 

حقيقة وجود موسى الاسرائيلي

لا يوجد هناك أية إشارة، مخطوطة كانت أم منقوشة تشير الى وجود موسى، كما هو شأن العديد من الأفراد غير الملوك والقادة والكهان والشعراء والحكماء والكتاب. ولقد اهتم واضع تفسير علم النفس سكموند فرود، وهو يهودي النشأة كما أشرنا اليه سابقا لأمر موسى. وهذا لمدة طويلة من عام 1910 الى حين وفاته عام 1939. ولقد نشرت أعماله في ما بعد تحت عنوان “موسى والتوحيد”، ذهب فيه العالم فرود، وليس وحده في هذا الرأي، أن موسى كان أميرا مصري الأصل، طور اعتقاد أحد الفراعنة السابقين و هو أخناتون. الذي يعد أول من وضع عقيدة التوحيد بشكل بدائي لم يرتقي لمستوى التوحيد الذي جاء به موسى في التوراة. الا أن توحيد أخناتون كان قطيعة مع الشرك أي تعدد الآلهة. العقيدة التي لم يقبلها كهانمصر وانقلبوا للدعاية الى عقيدة الشرك بعد موته. ولقد أراد موسى احياء عقيدة أخناتون، لكنه لم يفلح ومنه هجرته خارج مصر مع أتباعه.

أما قصة رمي موسى في اليمّ

لأن فرعون قرر قتل مواليد اليهود، فإنها مأخوذة حسب بعض الباحثين عن قصة ساركون مؤسس الدولة السامية أكّاد عام 2300 قبل الميلاد وهي نفس القصة المنسوبة لموسى في التوراة. الا انه عوض أخد السلطة بمصر فقد خلق موسى دينا جديدا آمن به قوم جدد. وهو السبب الذي جعل أنبياء بني اسرائيل في ما بعد ينعتون بالرسل أو الملوك أو هما معا.

قصة استعباد بني إسرائيل

إذا استثنيا التوراة فانه لا أثر لمثل هذا التصرف. والتوراة نفسها تتحدث في احدى الآيات، كيف ندم بنو إسرائيل على خروجهم من مصر التي كانوا يعيشون فيها حياة رغد وسعادة. انظر لهذا سفر النزوح سورة 16 أية 3. وكذلك كتاب الأرقام، سورة 9، آيات 4 و5 و18. المحقق أن ذرية يعقوب لما قصدت مصر أربعة قرون قبل مجيء موسى، استقرت شرق الدلتا جوار منطقة بور سعيد الحالية. لقد كانت حياتهم حياة بدو رحال يعيشون من رعي ماشيتهم. وشاءت الظروف أن قرر الملك الجديد الذي عاصر موسى وهو رمسيس الثاني، بناءعاصمته التي سماها رمسيس على اسمه، أن تكون قرب المنطقة التي استقرت بها قبيلة بنو إسرائيل. وطبعا كما كانت العادة، استخدم المصريّون بنو إسرائيل كغيرهم من الصناع. سواء كانوا مصريّين أو كنعانيين أو أمازيغ أو نوبيّين وغيرهممن الأقوام التي استقرت بمصر، لبناء مدنهم الكثيرة وحيث كان كبار ملكهم يريدون لأنفسهم عاصمة جديدة. النقوشوصور المخطوطات يظهر فيها أشكال البشرة المتنوعة لمن كان يشتغل في تشييد البنايات والمعابد والقصور المصرية. طبعا كان العمل في البناء شاقا كما هو الحال اليوم، الا أن المخطوطات تشهد أنه كانت هناك عناية خاصة بالصناع. لقد شاهدت بأم عيني في مصر، بقايا أثار لأحياء سكنيةمخصصة للصناع. كما أن المخطوطات تذكر العناية بالصناع، من أكل وشراب وسكن. من هذا يفهم التطور الذي بلغه المصريّون القدامى في ضرورة العناية بالشغيلة كوسيلة لنمو الإنتاج. لتثبيت هذا المنظور، كان هناك توزيع الأرض للفلاحين ومناطق الرعي للبدو مثل الكنعانيّين وبنو إسرائيل والأمازيغ.  لا نطرح هنا حكما مطلقا على الأشياء، لأن التاريخ يراجع على الدوام حسب البحوث والاكتشافات. وانما دعوة لعدم التسليم الساذج بالمعتقدات، بل طرحها للبحث العقلي. العلم يدعو لذلك على منوال الآية الكريمة ” وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” “وتلك آية لأولي الألباب أي العقل…للذين يبصرون أي يتفحصون، يدرسون، يعقلون، يفقهون …

عبور البحر  

ان التوراة لا تشير في سفر التكوين أن موسى وأتباعه عبروا البحر الأحمر، بل تتحدث عن بحر القصب والتي مع الترجمات صارت في الانجيل وهو الكتاب المقدس عند المسيحيّين، لكنه يعتبر جزء من التوراة. ولقد أصبح فيه بحر القصب هو البحر الأحمر. نظرة بسيطة لخريطة مصر الشرقية حيث جزيرة سيناء قبل حفر قناة السويس يظهر جليا، أنه كان هناك خليج السويس وخليج العقبة. وأن خليج السويس –فتح عام 1870وطوله 193 كلم – كان جزء كبير منه قبل حفر القناة جاف به عدة بحيرات ومنه وصفه ببحر القصب. ثم أنه شوهد، وحصل هذا لما دخلت جيوش نابليون مصر، أن الماء في خليج السويس يتراجع بمسافة كبير حين الجزر وخاصة لما تهب الريح القوية. والتوراة يشير الى هذا بشكل واضح. ما معناه أن الهجرة لجزيرة سيناء كانت خلال ساعات الجزر. كما أنه أمكن لموسى وأتباعه سلك الطريق الخاص ببدوي سيناء وكذا العاملين في نحت الحجر بها وأخده لمصر. إذا تفحصنا المكان الذي استقرت به سلالة يعقوب بن إسحاق المكنى إسرائيل،نجدها كما قلنا منطقة قرب ما كان يسمى ببحر القصب الذي هو عبارة عن بحيرات متفرقة يمكن العبور منها الى سيناء. وأن الخيال وحده، وهذا طبيعي في تلك الأزمنة القديمة، أملى على المدونين الكهان بعد قرون ما خطوه والذي اخده الناس مكان اعتقاد ولا زال بعضهم يظن ذلك.

قصة تفجر الماء من الصخر 

تقول التوراة أن موسى لما هرب وجد مخبئا عن قبيلة مدين وهم قبيلة بدوية تعيش على الرعي بجنوب سيناء. والمعروف أن الرعاة عند شدة القحط يضربون الغشاء الخارجي للصخر من حجر الكلس أو الطباشير والذي هو كالنشافة التي تحوي الماء. وبالطبع موسى الذي كان راعيا عند رئيس قبيلة مدين وتزوج من إحدى بناته يعرف هذا الطريقة لإخراج الماء من الصخر. هكذا بعد ثلاثة أيام بذون شرب أخرج لهم موسى الماء من الحجر بعد أن ضربها بعصاه. 

المنّ والسلوى

السلوى هو طائر والسلوى التي ذكرتها التوراة هي عبارة عن الطيور التي تعود من افريقيا في الربيع عند بداية الحر لتنزح الى الشمال حيث البرودة والأكل فتسقط تعبا عند عبور البحر الأحمر. وهذا حاصل ليومنا. هناك طريقين يمر بها الطير عند رحلة الشتاء والصيف من الشمال للجنوب ومن الجنوب للشمال. واحدة تمر بالمغرب واسبانيا عبر مديق البوغاز. والطريق الآخر يمر شرق افريقيا والبحر الأحمر الى أوروبا عبر الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض.

أما المنّ فهو شبيه بالعلك أبيض له طعم العسل يوجد بكثرة في فصل الربيع. يصنعه نوع من الحشرات يوجد بجنوب سيناء. وهو الذي اقتاته موسى ومن معه. 

المعجزات الأخرى

يمكن الرجوع اليها لنفصلها إذا ادعت الضرورة

تغير ماء النيل الى دم، حدث معروف يقع لما يغمر معدن أحمر فيصير ماء النيل أحمرا كأنه الدم.

الحبوب التي ظهرت على أجساد المصر كغضب من السماء، هو عبارة عن مرض الجلد وهو الجرب الذي في بعض الحالات يغطي كل الجسد ويعطي حبوب بها قيح.

بخصوص الأشجار النورانية: تبين أن هناك أشجار لها أوراق أو زهور في شدة الحمرة حيث تظهر عن بعد كأنها تحترقوتعطي نورا. ومثل هذه الشجيرات موجودة في سيناء.

كما لوحظ أن هناء أعشاب أو شجيرات تحتوي على زيت والتيتشتعل لوحدها وذلك لما يختلط بها الغاز ولكن لا تحترق. يحدث هذا لما تكون الشمس حارة ولا ريح هناك. يظهر الأمر غريبا، لكن الطبيعة تحوي في طيّاتها من الغرائب الغريبةتظهر كأنها معجزات قبل فك لغزها علميّا. 

النار التي تنزل من السماء: قرأت مرة في مجلة علمية أنه حدث بجنوب تركيا في الوقت الذي عاش به موسى، قبله أو بعده ببضعة سنين، بركانا خيم دخانه على منطقة الشرق الأوسط وظن الناس أنه بلاء من السماء. لا شك أن هذا الحدث الذي بقي في الذاكرة هو تفسير المعجزة التي جاءت بها التوراة. 

الى حلقة لاحقة

مع أطيب التحيات

محمد المباركي 

10 فبراير 2022

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube