أحمد رباص – حرة بريس

بدأ جمال العسري، عضو المكتب السياسي للاشتراكي الموحد، ورقته هاته بطرح سؤالين: بعد فشل السير على نهج بنعلي، هل ينجح السير على نهج قيس سعيد؟ وهل يتم الانقلاب الدستوري بتزكية من المؤسسة التشريعية؟ ليخلص إلى أن مواد الدستور تغتال و تقتل عندما يقبل رئيس البرلمان بلعب دور عون السلطة من خلال مراقبة جواز التلقيح.
تلك سابقة خطيرة – يقول جمال- لم يشهد لها المغرب الحديث مثيلا ولم تقع حتى في سنوات الرصاص، ولا في سنوات أفقير و الدليمي، أو حتى في عهد البصري. إنها، في نظره، سابقة قد تدرس مستقبلا في تاريخ البرلمان المغربي كما تدرس حالة الاستثناء و كيف واجهها الرئيس الأسبق للبرلمان عبد الكريم الخطيب.
بعد هذا الاستهلال، يعلن الكاتب أن
السلطة التنفيذية منعت، يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021، إحدى ممثلات السلطة التشريعية من ممارسة مهامها، ما يعني في نظره ان وزارة الداخلية تمنع برلمانية من ممارسة الرقابة الدستورية عليها
هكذا، يتابع جمال، تم منع البرلمانية نبيلة منيب من ممارسة عملها النيابي، الرقابي والتشريعي، بدون أدنى قانون، فقط بناء على تعليمات من الحكومة.
تحت سمع و أنظار البرلمانيين، وبتواطؤ من رئاسة البرلمان، تم خرق مجموعة من مواد الدستور،أهمهما المواد ( 2 و 6 و 60 و 64 و 70 و 71 ).
لمزيد من التفصيل والتوضيح، يورد جمال نص المادة 64 التي تقول بالحرف: “لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا البحث عنه ولا إلقاء القبض عليه ولا اعتقاله و لا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه، ماعدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك”. ومع ذلك، منعت النائبة البرلمانية بقرار جائر من دخول قبة البرلمان،مجلس الشعب. فإذا البرلمانية سئلت بأي قانون منعت؟
لنفس الغرض، يسرد عضو المكتب السياسي نص الفصل الثاني من الدستور الذي جاء فيه أن “السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”. من ذلك، يستنتج ان نبيلة منيب واحدة من ممثلي الأمة، ومنعها اليوم من دخول البرلمان يعد، من وجهة نظره، اعتداء على سيادة الأمة، وعلى صاحب السلطة الأصلية الذي هو الشعب المغربي، ما يفيد بأن سلطة الداخلية تعتدي على صاحب السلطة الأصلية، الذي يعني في كل الدساتير الأمة التي تفوض سلطتها إلى من يمثلها، انسجاما مع ما أقره الدستور المغربي في الفصل 2
تضمنت لائحة الخروقات واحدا تحدثت عنه المادة 60 من الدستور االتي تؤكد أن النائب البرلماني لا يمثل من انتخبه فقط، بل يمثل الشعب بكليته و هذا ما تؤكده هذه الفقرة الواردة في الفصل 60 والتي تقول: “يستمد أعضاؤه (البرلمان) نيابتهم من الأمة”. هذا يؤكد أن ما تعرضت له البرلمانية نبيلة منيب اليوم بمنعها من ولوج قبة البرلمان هو اعتداء على حق النائب البرلماني في تمثيل فئات واختيارات مجتمعية، وهو اعتداء على الأمة.
كذلك ضمت الخروقات التي جردها جمال العسري خرقا للمادة 6 من الدستور التي تقول:” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بمافيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له”. وهنا يتساءل الكاتب بأي قانون منعت نبيلة منيب كببرلمانية من ولوج قاعة البرلمان. والحال أنها- يتابع جمال – المنع طالها بناءا على بلاغ لم نره، و لم يصل إلينا إلا عبر وكالة الأنباء المغربية، وفيه صرحت تلحكومة بأن كل مواطن لا يحمل جواز التلقيح سيحرم من حقوقه المشروطة بوثائق أو غيرها من المرافق العموميةً.
هذا مع العلم أن هذا ” البلاغ الشبح ” قد خرق و تجاوز بدوره الدستور الذي نص صراحة على أن الحقوق والحريات منوط التشريع فيها إلى البرلمان دون غيره، ولو كان الحكومة نفسها.
لتأكيد هذا الاستنتاج، قدم الكاتب دليلا استمده من الفصل 71 الذي ينص على أن البرلمان “يختص، بالإضافة إلى المهتم المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في الميادين التالية: الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من هذا الدستور، وهو ما يؤكد أن السلطة الحكومية تعتدي على اختصاصات البرلمان بشكل فاضح، رغم أن الدستور سيج وظيفة السلطة التنفيذية بعدم اعتدائها على صلاحيات واختصاصات البرلمان، وهو ما أبان عنه الفصل 72 الذي ينص أن المجال المجال التنظيمي يختص بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون، بمعنى أن كل ما يدخل في مجال القانون لا ينبغي أن يطاله اعتداء من طرف السلطة الحكومية.
بعد هذه المرافعة المستندة إلى نصوص قانونية، عاد جمال العسري إلى ما حدث للبرلماتية نبيلة منيب من منعها من دخول البرلمان، ما يثير الكثير من الإشكالات الدستورية، بل يجعلنا أمام سؤال محرج : هل يعبر الدستور عن الإرادة العامة؟ هل قوة الدستور في وضعنا اليوم تكمن في قوة السلطة التنفيذية؟
ردا على من يتعلل بقانون الطوارئ وكيف انه منح السلطة للحكومة لتتخذ كل قرار يناسب الوضعية ولو ببلاغ، يدق الكاتب ناقوس الخطر، منذرا بدخولنا في وضعية لا يمكن وصفها إلا بالانقلابية، المقوضة للتراتبية المطلوبة التي رسمها الدستور. و هكذا سيصبح ما هو اسمى في مرتبة أدنى، ومن هو في مرتبة أدنى في مرتبة أسمى.ذلك أن ما اختص به البرلمان بنص الدستور يصبح في مرتبة أدنى حتى من مجرد بلاغ حكومي لا يبرز له أثر.
ومن المؤكد أن التركيبة الحكومية بأغلبيتها في الولاية التشريعية السابقة قد تواطأت على إقرار هذه الوضعية غير الدستورية وغير القانونية، وكان اللجوء إلى المحكمة الدستورية كفيلا بتبيان عيوب قانون الطوارئ، لا سيما مع تغول السلطة الحكومية، و هو التغول الذي نبه له رفاق نبيلة منيب أكثر من مرة و لكن لا مجيب.
نجد أنفسنا نعيش حالة استثناء تمثلت في منع البرلمانية نبيلة منيب من الدخول للبرلمان، وهي واقعة ووضعية تتطلبان التصحيح. لكن تبقى الكارثة والمصيبة الكبرى هي انحياز رئيس المؤسسة النيابية إلى بلاغ السلطة الحكومية، يقابله تهميش ممثلي الأمة، الشيء الذي لن يتحقق معه التوازن مع السلطة الحكومية، لا سيما من خلال التقنين والرقابة على فعل السلطة في ظل ظروف الجائحة، ومدى حرصها على عدم الاعتداء على حقوق وحريات المواطنين.
و المصيبة الأعظم تشخصت في صمت جل البرلمانيين على السطو على حقهم الدستوري.
ما وقع اليوم هو ترسيخ لفكرة أن البرلمان لا يراد له أن يكون غرفة تسجيل وتصديق على القوانين، بل أن يصبح مجرد ملحقة للسلطة الحكومية، حيث يكتفي رئيس المجلس النيابي بلعب دور عون سلطة وهو يراقب جوازات التلقيح. فعلا، هذه مهزلة..
و يظل السؤال: ما الذي ينتظر من النواب، وبالأخص من يعدون أنفسهم في المعارضة، من هذه الوضعية الشاذة والمستغربة والمرسخة لشمولية السلطة و لتغولها؟

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube