حل الموسم الدراسي 1968 / 1969، وقد بلغت آخر فصل من فصول التعليم الثانوي، وبدأت أتطلع إلى الجامعة، وأن أصبح طالبا، وأحصل على المنحة، وأغادر مدينتي مكناس، لأسكن لأول مرة خارجها. كبر الطموح والأمل في الترقي الاجتماعي، وأن أخلص أسرتي من الوضع المزري الذي كنا نعيش فيه، من حيث السكن، وظروف العيش عموما، والتي ميزها الفقر بكل عناصره الصارخة. ولم يكن أمامي من سبيل لتحقيق كل الأماني، سوى الدراسة والاجتهاد. فنحن أبناء الطبقات الكادحة، لا منفذ لنا للترقي الاجتماعي سوى الترقي الدراسي.
لن أتحدث الآن عن مقرر الباكلوريا، من حيث مواده، ومضمونه وضخامته، ولا عن كيفية التحضير للامتحان واجتيازه. وسأحصر حديثي في هذا الجزء، عن المفاجئات الكبرى التي اعترضتني في هذا الموسم، وكادت تعصف بكل الطموحات والآمال.
انطلق الموسم الدراسي بثانوية النهضة بمكناس، وهي ثانوية تنتمي إلى التعليم المعرب، وكلي حماس من أجل اجتياز الباكلوريا في الدورة الأولى. لأن نسبة النجاح في هذا الامتحان الإشهادي كانت جد ضعيفة، وقد وصلت في بعض السنوات إلى ” لا أحد ” وهي الصيغة المرعبة التي كانت تعلنها الجرائد عند إعلان النتائج، ولا سيما جريدة العلم بالنسبة للمعربين. لذلك كان وقتي موزع بين متابعة الدروس بالثانوية، واستكمال دروسي للمسرح بالمعهد البلدي للموسيقى، وممارسة الرياضة مع النادي المكناسي في ألعاب القوى، والتردد على الخزانة البلدية وخزانة الجامع الكبير لتحضير العروض التي يكلفنا بها الأساتذة. وحضور الاجتماعات السرية للتنظيم التلاميذي الذي يقود الاضرابات.
انطلق الموسم الدراسي بآمال كبيرة في الحصول على هذه الشهادة التي ستفتح لي باب التغيير إلى الأحسن، لي ولوالدي اللذان يعولان علي كثيرا. ولم يكن يرعبني سوى الخوف من اعتقالي وضياع كل أحلامي. ولذلك حرصت على التقليل من انخراطي المفضوح في قيادة الاضرابات، والاكتفاء بالتخطيط والمشاركة دون حماس زائد. لأن التفكير في تحريري وتحرير عائلتي من ظروف البؤس المعيشي، كان يشكل أولوية تسبق كل الأولويات.
كان والدي رحمه الله، عاملا مياوما، بمصلحة النظافة ببلدية مكناس. كان ” شطابا ” بشوارع حمرية، ( المدينة الجديدة ) وكان راتبه بالضبط يصل إلى 275 درهم شهريا. وهذا الراتب هو المدخول الوحيد الذي يدبر به الوالد كل مستلزمات حياتنا، من كراء وكهرباء ( الماء كنا نعتمد على البئر بالمنزل أو سقاية الحي ) ومأكل وملبس وباقي اللوازم التي لا يتبقى لها غالبا ما قد تتطلبه من مصاريف.
كنت مقدرا لضعف إمكانيات السيد الوالد رحمه الله، ولذلك لم تكن لي مطالب أرهق بها كاهله, وإن كنت أدرك أنه لا يتخلى عن تلبية أي مطلب ذي ضرورة قصوى بالاعتماد على الاقتراض من أصحابه، ولا سيما شراء الكتب التي أرغب في ملكيتها.
في أحد أيام شهر دجنبر 1968، سيتوصل والدي رحمه الله برسالة من المصالح البلدية، مكتوبة باللغة الفرنسية. سلم لي الرسالة لأقرأها له، وبمجرد فتحها كانت الصعقة الكارثية التي أطاحت بكل آمالي وأحلامي، وترددت في قراءتها للوالد، وحشرجة بكاء تخنق حلقي…دمعة متجمدة في عيني…لم أستطع النظر في وجه والدي حتى لا أرى ما سيعلو وجهه من كآبة وحزن، وهو الرجل الصلب الذي لم أر دمعة في عينيه، سوى مرة واحدة لما توفي محمد الخامس.
نهرني بصوته القوي : إيوا شنو كاين ف هاد لبرية.؟؟
ترجمت له بصوت متلعثم مضمون الرسالة في كلمات مضطربة لا تكاد تسمع:
كيخبروك أنك ما غاديش تبقا خدام من بداية الشهر الجاي.
الرسالة كما لا زلت أحفظها عن ظهر القلب
Objet: Cessation de service
Suite a votre examen médical, nous vous informons que vous n’êtes plus en mesure de supporter les travaux qui vous sont confiés dans les services de voirie et de nettoyage de la municipalité de Meknes.
En consequence. l’administration a décidé de mettre fin à votre service a partir du 1 Janvier 1969. Vous devez remplir le dossier pour bénéficier des aides renouvelables qui vous sont accordées conformément à la loi
صاحت والدتي : أ ويلي عمات لهوم ؟
والدي لم يرفع رأسه، ولم يعلق، أما أنا فقد وضعت الرسالة امامه وانسحبت حتى لا أرى وجهه ولا يرى دموعي.
خرجت للحومة، لا أدري إلى أين تقودني قدماي، دماغي يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة والسيناريوهات، كانت الساعة تقارب الثامة مساء.
من 270 درهم شهريا، إلى صفر درهم في الشهر، أو في احسن الاحوال، 90 درهم، لأن والدي لم يكن مرسما، وبالتالي لا ينطبق عليه قانون التقاعد، كما أن الاعانة المتجددة تعني أن الراتب الشهري سيدفع كل ثلاثة أشهر.
ما العمل أمام هذه الكارثة؟
انتهى الحلم بالباكلوريا وما بعدها من آفاق…الأولوية اليوم هي إعالة الأسرة، لا بد من البحث عن وظيفة، الوظائف في ذاك الزمن متوفرة، فقد سبق لي أن رفضت وظيفة في البريد بعد نجاحي في المباراة، أما الباكلوريا فيمكنني ان أجتازها في ما بعد كمرشح حر، ويمكنني متابعة دراستي الجامعية….هذا هو الحل، ولا حل غيره…
عدت للمنزل بعد حوالي ساعتين من ترقيع الدروب والأزقة بين بريمة وروامزين وقبة السوق والنجارين، مستسلما لساقي، وغارقا في البحث عن حل. وقد قررت أن أفاتح منذ اليوم الموالي، أستاذي في المسرح، السيد عزيز الوزاني، والذي هو في نفس الوقت، رئيس مصلحة المالية والحسابات ببلدية فاس. فهو بحكم منصبه الذي يعتبر رفيعا بالنسبة لنا، يمكنه أن يجد لي عملا في أقرب وقت.
وحدت والدي وكأنه ينتظرني، لا تبدو عليه علامات الانكسار مثلي، قويا كما عهدته، سألني كعادته:
فين مشيتي وخليتنا كنتسناوك بلعشا ؟
كنت كندور…كنطلق رجلي…أجبته بصوت خافت
رفع رأسه محدقا في وجهي بصرامة لا تخلو من عطف وحنان أبويين وقال بصوت قوي لا انكسار فيه:
اسمع أ ولدي….متخممش، ديها فقرايتك هي الاولى…ربي غادي يدبرها من عندو…مغادي تخصك حتى حاجة…اللي عليك هو تقرا وتزيد تقرا…مستقبلك عندي أهم من الدنيا وما فيها، ربي لي خلقنا قادر بنا
استغربت للفرق بين تفكيري وتفكير الوالد، كنت أفكر في إعالة الأسرة والبحث عن وظيفة، وهو كان يفكر في مستقبلي واستكمال دراستي.
قلت له بخجل كبير:
لقراية ديالي غادي نكملها، ولكن غادي نقلب على خدمة باش ندبرو حالنا حتى يفرجها مولانا.
انتفض والدي بغضبه المعتاد وصاح في وجهي :
ها السخط ها الرضى الى فكرتي في شي خدمة….قرايتك هي الاولى. وإذا وقفتي لقراية وخدمتي اخرج عليا من داري.
طأطأت رأسي، وذهبت إلى مخبئي…بكيت قليلا وأسلمت رأسي للوسادة دون أن أنام.
في اليوم الموالي، لم يكن لي اهتمام بالمدرسة ولا بالدروس، حتى أصدقائي لاحظوا ذلك من خمولي غير المعتاد، وعدم المشاركة في مناقشة الاساتذة كعادتي. كتمت مصيبتي على الجميع في انتظار المساء لألتقي بأستاذ المسرح سي عزيز الوزاني في حصتنا المعتادة.
بعد نهاية حصة المسرح التي كانت مشاركتي فيها فاترة جدا، فاجأني أستاذي :
مالك اليوم ؟ واش عيان ؟
أجبته : باغي نتكلم معاك.
خرجنا من المعهد البلدي للموسيقى، ركبنا سيارته، وتوجه بي الى مقهى لاكوبول. طلب لنا كاسكروط وكوكاكولا. وقبل وصولهما أجهشت بالبكاء، وهو يخفف عني، حتى حكيت له القصة كاملة، وحددت له طلبي بتوفير عمل يسمح لي بإعالة أسرتي.
تبسم ضاحكا وهو يحثني على الأكل الذي أبتلعه بصعوبة، وبدأ يثني علي وعلى اجتهادي في الثانوية وفي المسرح ويحثني على عدم التفكير في العمل والاهتمام بدراستي.
قلت في نفسي : إنه لا يقدر الوضع الذي أنا فيه، ولا حجم الكارثة التي حلت بي وبأسرتي.
لكنه التفت إلى وخاطبني:
هل تستطيع إعطاء دروس ليلية في اللغة العربية للتلاميذ المغاربة في البعثة الفرنسية…إنهم جد ضعاف في العربية، ويلزمهم ساعات إضافية ؟؟؟
أجبته بالإيجاب…فابتسم وهو يشكرني على قبولي، وحدد لي ثلاث حصص في الأسبوع، وأن منزله سيكون هو مكان التدريس.
أدى سي عزيز كما نناديه، ثمن ما أكلنا، وطلب مني أن أرافقه لقضاء بعض الحاجيات، ثم يوصلني إلى حومتي ” بريمة “.
توقف أمام حانوت للبقالة، وطلب مني انتظاره في السيارة، دخل الحانوت ليعود بعد قليل ومعه البقال ومساعده يحملان أشياء وضعاها في صندوق السيارة، وانطلق بنا إلى مقر سكناي.
لأول مرة أدخل حي بريمة راكبا في سيارة. وقفنا قريبين من بيتنا، فطلب مني أن آخذ ما في صندوق السيارة. كان الحمل ثقيلا، فاستعنت بصديق لي ليحمل معي كيس دقيق يحتوي على 50 كيلو، وقنينات زيت وقوالب سكر وزبدة. وهو يودعني وضع في يدي أوراقا مالية، وهو يقول ضاحكا : هذا تسبيق ديال الخدمة الجديدة….موعدنا غدا
حسبت الأوراق المالية، فكانت 8 الاف ريال، 400 درهم، تقريبا ضعف راتب والدي.
حكيت لوالدي القصة من أولها وأنا أسلمه المبلغ المالي، بقي صامتا بعض الوقت، ثم سمعته يردد هامسا ” إن بعد العسر يسرا “
عشت 24 ساعة بين لحظة غم وكرب، وانكسار الطموح والأمل، ولحظة فرج وتجديد الأماني والعزيمة على بلوغ المرامي التي لم تعد خاصة بي فقط وبعائلتي، بل لا بد من إرضاء سي عزيز كذلك، فهو أيضا أصبح ينتظر نجاحي في الباكلوريا التي لم أدخر جهدا في الفوز بها في الدورة الأولى، لا سيما أنني نلميذ وأستاذ في نفس الوقت، يسلم شهريا لوالده راتبا أكثر مما كان يتقاضاه قبل توقيفه عن العمل وحرمانه من راتبه الشهري.
وحده هذا الدرس علمني أن لا أفقد الأمل مهما كانت الظروف وقسوتها وانكساراتها.

يعتبر هذا الموسم الدراسي 1968 / 1969 عاما فاصلا بين عمرين ووضعين. كنت فيه مدركا بقوة لما يجب علي فعله، ومشحونا بما أتوق إليه. ومستحضرا أن الخطأ فيه، أو الاستهتار والاستهانةـ ستكون لهم عواقب وخيمة على حياتي وحياة أسرتي التي تنتظرني، والتي حُرِمَ معيلها، والدي رحمه الله، من المدخول الضئيل، الذي كان يؤمن به حاجياتنا، لولا الأقدار التي وضعت السيد عزيز الوزاني في طريقي، والذي وفر لي عملا ومدخولا أنقدا وضعي ووضع الأسرة من حيث تلبية الحاجات الضرورية، وسمح لي باستكمال دراستي.
عام الباكلوريا كان عاما فاصلا بكل المعايير، لذلك توزع فيه وقتي بين الثانوية من أجل التحصيل، والمكتبات من اجل التحضير، والمعهد الموسيقي من أجل استكمال دروسي في المسرح، والاجتماعات الخلوية للتنظيمات التلاميذية ارتباطا بانتمائي لخلايا التلاميذ المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والرياضة بحكم انخراطي ضمن لاعبي النادي المكناسي لألعاب القوى، حيث كنت مؤهلا لبطولة المغرب في العدو السريع ( مسافة 400 متر و 800 متر حواجز). وأضيف إلى هذا البرنامج الحافل، العمل الجديد الذي أنقدني وأنقد أسرتي، بإعطاء دروس ليلية في اللغة العربية، خلال ثلاث حصص أسبوعية، لعدد من تلاميذ البعثة الفرنسية ( Lycée Paul Valery )
لم يكن في كل مكونات برنامجي لهذا العام، ما يثير الازعاج أو يوقع في الخطأ، ما عدا الوفاء بالالتزامات السياسية التي تعرض صاحبها في حالة اكتشافه واعتقاله، إلى كارثة حقيقية ينكسر معها كل شيء. لذلك قررت بإصرار ووعي، التخفيف من ارتباطاتي التنظيمية، والتخلي عن نزوع ” الزعامة ” والتحريض في موسم الاضرابات الذي غالبا ما يكون في شهر مارس، إحياء لذكرى 23 مارس 1965. ولم يكن هذا ” التخفيف ” تخليا عن قناعاتي، ولكنه نوع من ” التقية ” حتى انجز ما ينتظرني وتنتظره عائلتي. وهو النجاح في الباكلوريا والالتحاق بالتعليم العالي في الجامعة كمفتاح لكل الطموحات والآمال.
كان مقرر الباكوريا للشعبة الأدبية المعربة، ضخما وغنيا ومتعبا في نفس الوقت. ويتطلب مجهودا يوميا لاستيعابه. لا سيما أن مادة جديدة سنتعرف عليها لأول مرة، وفي مخيلتنا عنها تمثلاث مريبة ومرعبة وقدحية في نفس الوقت. وهي مادة الفلسفة. التي شكلت بالنسبة لي مجالا جديدا للتحدي والرغبة في التميز. خاصة أننا سمعنا عنها أنها أكثر المواد سببا في الرسوب في امتحان الباكلوريا. وهو الأمر الذي جعلني اعطيها اهتماما أكبر من باقي المواد، وأحقق فيها النقطة الأولى في الفروض والاختبارات الدورية، والتي لم تتجاوز 11 على 20.
كان أستاذ الفلسفة، شابا وسيما وأنيقا، من عائلة مكناسية عرفت بالوجاهة والعلم. وكانت سنته الأولى في التدريس، أستاذ منفتح، ومتحمس في عمله، حيث استطاع أن يجذبني، فأعجبت بشخصه وبمادة الفلسفة التي ساختيارها كتخصص في تعليمي الجامعي. هذا الاستاذ الذي ساهم بلباقته ومعرفته في تحديد مساري المعرفي، هو الاستاذ سعيد بن سعيد العلوي، الذي سيصبح بعد سنين، دكتورا وباحثا ومؤلفا وروائيا وعميدا لكلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط.
يتضمن امتحان الباكلوريا مادتين حاسمتين في النجاح بمعامل يصل الى 6 وهما الأدب العربي والفلسفة. ويليهما التاريخ والجغرافيا بمعامل 4 ثم اللغات ( الفرنسية والانجليزية ) في اختبارين، الأول شفوي بمعامل 2 والثاني كتابي بمعامل 4 وأخيرا الرياضيات بمعامل 2 . ويحتوي مقرر الأدب العربي على جولة طويلة في هذا الأدب من العصر الجاهلي، إلى العصر الحديث، مرورا بالعصر الاسلامي، والأموي، والعباسي، وعصور الانحطاط، وعصر النهضة بمدارسه ثم الأدب الحديث والمعاصر. ولم تكن هذه الجولة، مرورا سريعا، بل دراسات تحليلية نقدية للمضلمين وللبلاغة والمعاني والأساليب سواء تعلق الأمر بالشعر أو النثر. وكان أستاذنا الدكتور أحمد الطريسي، من أكبر الأساتذة الذين يتم التهافت على دروسه، والتفاخر بها. كما أن مقرر الفلسفة كان يتضمن ثلاث كتب من تأليف محمد عابد الجابري، وأحمد السطاتي، ومحمد العمري، يحتوي الكتاب الأول على الميتافزيقا والأخلاق. والثاني على الميثودولوجيا أومناهج العلوم وعلم النفس وعلم الاحتماع، ثم الكتاب الثالث حول الفكر الاسلامي. أما مادة الاجتماعيات، فقد تناولت التاريخ العالمي في القرن العشرين بما فيه استعمار المغرب، والحركة الوطنية المغربية، والاقتصاديات العالمية الكبرى إلى جانب الاقتصاد المغربي.
لا خيار لي أمام هذا الكم الهائل من المعارف سوى التحصيل، الذي كان هو الواجب الأسمى، معرفيا ومعيشيا باعتبار النجاح في الباكلوريا مفتاح فرج للكثير من المعاناة.-
وفي شهر يونيو 1969 ، وبعد اجتياز اختبار التربية البدنية والاختبارات الشفوية في الانجليزية والفرنسية، جاءت الايام الحاسمة للاختبارات الكتابية التي اجتزناها بثانوية المولى اسماعيل بمكناس.
ولم يبق أمامنا سوى انتظار النتائج التي كنا نترقبها من خلال جريدة العلم، بكثير من اللهفة والترقب.
الجميل في مرحلة الانتظار والترقب، أن راتبي الشهري لشهر يونيو، من طرف سي عزيز الوزاني لم يتوقف رغم توقف دروسي الليلية بسبب نهاية السنة الدراسية وتفرغي الكلي لتحضير امتحان الباكلوريا. لكن سؤالا ظل يساورني، حول مصير الوضع العائلي من حيث المعيش اليومي خلال فترة الصيف، بعد توقف مساعدة الفاضل سي عزيز الوزاني. وفي حالة نجاحي، كيف ومن أين سأدبر مصاريف التنقل للرباط من أجل التسجيل في الكلية، وكيف سأدبر مصاريف الدخول الجامعي من كراء ومأكل وشراء المراجع قبل ان أتوصل بالمنحة التي تتأخر إلى شهر دجنبر أو يناير ( المنحة كانت أمرا مضمونا لا نقاش فيه )
قبل إعلان نتائج الباكلوريا، سأتوصل بالإجابات على تساؤلاتي، إذ طلب مني سي عزيز الوزاني أن أتصل برئيس مصلحة النظافة ببلدية مكناس لأمر يهمني. وحين اتصلت به، سلم لي تعيينا كمراقب موسمي للنظافة وجمع الأزبال خلال الصيف، بالمستودع البلدي للنظافة، بالمدينة القديمة الموجود في شارع لحبول.
انقشعت أمامي كثير من الغيوم، وسعدت كثيرا بتأمين العيش اليومي خلال الصيف، وإمكانية التوفير لمواجهة مصاريف الدخول الجامعي، ولم يبق لي سوى انتظار ساعة الفرح الكبرى بحصولي على الباكلوريا.
انخرطت في وظيفتي الجديدة بحماس، إذ كان علي أن أتواجد إلى جانب رئيس المستودع، في الساعة 6 صباحا، للقيام بعملية ” لبوانتاج ” ( pointage) لليد العاملة وتوزيعهم على مواقع عملهم عبر دروب وشوارع المدينة القديمة، وإحصاء المتغيبين وتعويض مواقعهم…الخ كما يقتضي عملي الجديد الطواف على مواقع بعينها، باقتراح من رئيس المستودع، ومعاينة عملية التشطيب وجمع الازبال، ثم العودة للمكتب للاطلاع على شكاوي السكان، والتعرف على البؤر السوداء التي يتم الاخبار بها من طرف رؤساء الفرق، وفي المساء قبيل المغادرة، أحرر التقرير اليومي الذي يرسله رئيس الموقع الى مصلحة النظافة بالبلدية.
وأنا أمارس عملي الجديد، كنت أرى في كل عامل وجه والدي رحمه الله. بل كان كثيرون من العمال أصدقاء له، ويطلبون مني أن أسلم عليه كل يوم. ومن خلال التواجد معهم كل صباح، والطواف على بعضهم بعد ذلك، تعرفت عن قرب عن عمل والدي، وأحسست بالاعتزاز والافتخار. وازداد في عيني تقديرا وإجلالا. وتعلمت من هذه التجربة كيف أتعامل مع عمال النظافة لما أصبحت مسؤولا ببلدية فاس بعد الإنتخابات لسنة 1983، أي بعد 14 سنة. من خلال البرامج التي اقترحتها لفائدتهم وتم قبولها من طرف إخواني في المجلس البلدي، لا سيما ان بعضهم كان يعرف أن ما أقترحه كان انتقاما لوالدي، لأني كنت أرى في كل عامل نظافة والدا لي.
طيلة الأيام الأولى لممارسة وظيفة مراقب النظافة، لم يكن يفتني اقتناء جريدة العلم للإطلاع على نتائج الباكلوريا، إلى أن جاء اليوم الأسعد والأكبر في الأسبوع الثاني من يوليوز. فقد رأيت اسمي من بين الناجحين في الدورة الأولى. كان الصباح باكرا، أسرعت إلى المستودع البلدي لأنجز مهمتي الصباحية، سلمت على رئيس المستودع بوجه مشرق وأخبرته بنجاحي، فعانقني وأخبر كل العمال قبل ان ينطلقوا بنجاحي، فهبوا كلهم يعانقونني ويهنؤونني، ومنهم من حملني على كتفيه وبدأ يجوب بي اركان المستودع، والجميع يصفقون بعد ان تخلوا عن مكنساتهم وأدوات عملهم…بكيت من الفرح وأنا أحس أن أول المهنئين كانوا عمال النظافة، حرفة أبي، وأصدقاؤه في الحرفة.
بعد انتهاء عملية ” لبوانتاح ” التي تأخرت قليلا بسبب نجاحي، طلب مني رئيس الموقع أن أتوجه إلى منزلي لأخبر أبي وأمي… كانت الساعة حوالي الثامنة صباحا، هرولت راكضا أختصر المسافات جريا كي اصل الى منزلنا بحي بريمة، مخترقا أقرب الطرق. وما أن اقتربت، حتى سمعت الزغاريد في بيتنا، فعرفت أن والدي كان مثلي يقتني الجريدة كل صباح، وقد علم بالخبر، وعلم به الجيران كذلك. دخلت على جمع من نساء الحي يملأن فضاء بيتنا الضيق، فازدادت الزغاريد والعناق، وأنا اقبل يدي والدي ووالدتي وأيادي أصدقاء الوالد وصديقات أمي….كانت لحظة غامرة ومشحونة بجميع مشاعر الفرح والافتخار والاجلال. كنت أحس أني قدمت لأبي وأمي أجمل الهدايا. وأنا أراهما، فرحين مزهوين فخورين بما صنعت ايديهما، ويوزعان البسمة والضحكة في وجوه الجميع الذين هبوا من مختلف ازقة الحي لما سرى بين النساء خبر، ” ولد للا زينب نجح ف الباكلويا ” وبين الرجال ” ولد لكلاوي نجح تبارك الله “.
لم ينته ذلك اليوم، فقد رافقني طيلة هذا العمر. فقد ارتبط في مخيالي وتمثلاتي بالنظافة وعمال النظافة وما يمثلانه من رمزية مبدئية أخلاقية وسلوكية….فكان حقا يوم فاصلا، ويوما واصلا. وكان عام الباكلوريا حقا عام الفصل والوصل.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube