احمد رباص

في الفلسفة اليونانية القديمة يوجد بعد يميزها، ربما أكثر من أي بُعد آخر، عن الفلسفة كما نفهمها اليوم، وحتى منذ نهاية العصور القديمة: فكرة الفلسفة كأسلوب حياة. لا وجود لهذا التصور، على الإطلاق، في جميع العصور أوعند جميع المؤلفين الفلاسفة. لكن بالنسبة للعديد من الفلاسفة القدماء، ووفقا لصورتها في الأذهان، لم تختزل الفلسفة في مجرد مجال بحث. كانت الفلسفة في العصور القديمة، كما كانت دائما منذ ذلك الحين، مجموعة من المشكلات التي تتحدى الذكاء، والأسئلة التي يجب تعميقها، شفويا أو كتابيا أو على النحوين معا، والمفارقات التي يجب حلها، والخلاصات التي يجب التصريح بها ودعمها بالحجج الفلسفية التي يجب أن تصاغ بدورها وتفسر، والنظريات البديلة والمنافسة، الخاصة بواضعها، والتي نشجعها ونرفضها لأسباب تنتقد من جديد او يقع الدفاع عنها ونقلها للآخرين.

لكن في العصور القديمة بشكل عام، لم يكن الفلاسفة “متخصصين” فقط في هذا المجال الفكري أو ذاك، ولم يقتصر نشاطهم على تعليم المذاهب أو الأساليب الجدلية، إلخ. تميز فلاسفة العصور القديمة عن بقية الرجال على وجه التحديد من خلال أسلوب حياتهم، وتميزوا حتى عن أولئك الذين يعملون في وظائف الأساتذة أو غيرها من المهن العلمية، مثل الطب والرياضيات. لا أفكر هنا في صور المشهد الشائع، كإعفاء اللحية أو المشي في الأماكن العامة في المدينة بأسمال رثة؛ عاش الفلاسفة فلسفتهم – وليس فقط بمعنى أنهم كرسوا كل وقتهم للبحث في الفلسفة. يكرس الأطباء وعلماء الرياضيات أنفسهم أيضًا للبحث في مجالات تخصصهم، لكن الفيلسوف، من جانبه، جعل الفلسفة أساس حياته بأكملها. أن تكون فيلسوفًا في الواقع، بالنسبة للعديد من الفلاسفة القدماء، لم يكن يتعلق بالبحث عن الفلسفة ومناقشتها وتدريسها، بل يعني أن تعيش حياتك بأكملها بطريقة معينة – فلسفيًا – وتحث الآخرين عليها أيضا بنفس الطريقة.
نحن الآن ندرك جيدًا هذا البعد في الفلسفة القديمة، وهذا يعود إلى حد كبير إلى اعمال الباحث الفرنسي بيير هادوت في الستينيات، المتخصص في أفلوطين والأفلاطونية الجديدة. بالنسبة له، إنه جوهر كل الفلسفة القديمة، من أصولها الما قبل سقراط حتى نهايتها، مع آخر الأفلاطونيين الوثنيين في القرن السادس الميلادي. ومع ذلك فإن استنتاجاتها مبالغ فيها.
من الواضح أن سقراط في الواقع، أو بالأحرى صورته كما انعكست في أعمال أفلاطون وزينوفون وغيرهم من مدوني المحاورات السقراطة الذين كانوا يترددون عليه، هو من دشن التطوير اللاحق للفلسفة القديمة كطريقة في الحياة، ومن رسم الخطوط العريضة. على أي حال، فإن الشخصية الفلسفية لسقراط الذي عاش حياة فلسفية، كما عكستها محاوراته على وجه الخصوص، لعبت بلا شك دورًا حاسمًا في الأهمية التي اكتساها هذا المفهوم في الفلسفة خلال الفترة الهلنستية وقبلهاً في الفلسفة القديمة.
مؤخراً، جعل ألكسندر نيهاماس، في كتابه “فن العيش”، من شخصية سقراط أحد نماذج هذ الفلسفة. يربط نيهاماس سقراط بمونتين ونيتشه وفوكو، لأنهم يمارسون جميعًا “فن عيش” معينًا من خلال أعمالهم الفلسفية المكتوبة أو حتى الشفوية. يظهر كل منهم كشخص غير عادي، كفرد منفصل، “ذي شخصية غير عادية وفريدة من نوعها، تجعله سماته وأسلوب حياته متميزًا عن بقية العالم وتجعله لا يُنسى ليس فقط لما فعله أو قاله، ولكن أيضًا لما كان عليه “.
في هذا المقال، لن أتطرق إلى مسألة أصول فكرة الفلسفة كأسلوب حياة، ولا تأثير سقراط في تأسيس هذه الفكرة في التيارات اللاحقة للفلسفة القديمة. ولن أتبع مسار نيهاماس الذي يُظهر كيف مارس سقراط نشاطه الفلسفي كفن لبناء الذات باعتباره شخصا. أقترح ببساطة فحص تصور سقراط للفلسفة نفسها كطريقة للعيش، والفلسفة كما يجب تجربتها وليس فقط كموضوع للتفكير أو المناقشة.
عندما أستخدم كلمة “سقراط”، ما لم أحدد أن الأمر يتعلق بشخصية تحمل الاسم نفسه في هذا العمل أو ذاك، فأنا أشير إلى الشخصية التاريخية كما يراها التقليد القديم: وهذا يعني من خلال الأعمال السقراطية (التي هي المصدر الوحيد، على الأقل المصدر الرئيسي، الذي تعلم من خلاله التقليد القديم عن سقراط) – وعلى وجه الخصوص، بشكل واضح، من خلال محاورات أفلاطون.
سأدافع عن الأطروحة التي بموجبها، بالنسبة لسقراط، أن نعيش حياة فلسفية يعني أن نعيش من خلال اعتبار أن العقل، الذي يُدرك على أنه ملكة التفكير والتحليل من أجل رؤية حقيقة كل شيء، هو أسمى وأهم ما لدينا من ملكات. لذلك، فإن عيش حياة فلسفية يعني أن نعيش وفقًا للعقل المحدد على هذا النحو – يمكننا أن نقول العقل الفلسفي – في جميع أعمالنا. كان لدى سقراط فكرة خاصة جدًا عما يستلزمه العيش وفقًا للعقل، وفي هذه النقطة لم يتبعه دائمًا خلفاؤه.
هذا هو هدفي الرئيسي هنا: استكشاف وشرح هذه الخصائص. لكن في كلمة واحدة، بالنسبة لسقراط، كما بالنسبة لأولئك الذين خلفوه، أن يكون المرء فيلسوفًا وأن يعيش حياة فلسفية كان يعني العيش وفقًا للعقل،الذي أدرك على أنه ملكة التفكير والتحليل في ضوء الحقيقة.
يكفي دفاع أفلاطون عن سقراط ليوضح لنا كيف انتشرت صورة سقراط كفيلسوف عاش فلسفته. تلقي مرافعة افلاطون الضوء أيضًا على ما يعنيه سقراط حقًا بالفلسفة كأسلوب حياة. يوصف سقراط هنا بأنه كرس حياته، لسنوات وبدون انقطاع على ما يبدو، للتحدث في الأماكن العامة بالمدينة مع بعض رفاقه المواطنين في أثينا. كان من بينهم شبان اجتمعوا للاستماع إليه، ولكن أيضًا رجال بالغون، راسخون ومعروفون في المجتمع الأثيني.
كان لهذه المقابلات طابع فلسفي (وفقًا لمعنى مصطلح “الفلسفة” الذي انتهى المطاف بإبسناده إليها، والذي دافع عنه أفلاطون نفسه). وكانت تتمثل في أسئلة حول الحياة البشرية طرحها سقراط في بداية المقابلة وفي أسئلة إضافية صاغها ضد إجابات المحاور. في أسئلته (والتعليقات المرتبطة بها) كان التركيز على علاقات الاقتضاء وعدم الاتساق المنطقية وما شابهها؛ كان يحاول أن يكتشف أثناء التحاور ما كان يفكر فيه محاوره حقًا، على افتراض أن هذا الأخير لديه آراء حول حقيقة ما هو مطلوب. يعتقد سقراط أن كل من يدعي أنه يعرف ما هو صحيح، يجب أن يكون مستعدًا لشرح آرائه وتبريرها من خلال اللجوء إلى الحجج التي تقدم نفسها بالفعل كما هي، ويجب أن يلتزم بقبول جميع النتائج المنطقية أو الآثار الأخرى التي يمكن استخلاصها من الأولى كآراء إضافية (و تكميلية).
بالإضافة إلى ذلك، ركزت محادثاته حصريًا على حياة الإنسان، وكيفية عيشها بشكل جيد وصحيح قدر الإمكان؛ وبشكل أكثر تحديدًا، فإن الأمر تعلق بالتساؤل عن كيفية تصور وتقدير الفضائل التقليدية المختلفة التي حظيت باهتمام كبير في ذلك الوقت (العدالة، الشجاعة، الاعتدال، وما إلى ذلك)، إذا ما قورنت بأفضال أخرى تمنح أيضا القيمة على ما يبدو (مثل صحة الجسم، أو القوة البدنية، أو الثروة، أو الملذات الجسدية أو أنواع أخرى من الملذات، إلخ).
نتذكر أن سقراط يعلن في مرافعة أفلاطون أن روح كل فرد، والحالة التي يكون عليها، سواء كانت سليمة أو مريضة، هي الأكثر أهمية وتتخطى بعيدا القيم الأخرى. ووفقًا له، فإن صحة الروح تعتمد كليًا على قدرة الفرد على الفهم والشرح والدعم من خلال التفكير الفلسفي وتحليل القيم والمعتقدات الخاصة به، وذلك بحزم ودقة. لأن جميع قرارات وأفعال الفرد تستند إلى فهمه لقيمه ومعتقداته. وبالتالي، فإن الصحة الجيدة أو السيئة لروح كل فرد تعتمد على استخدام أو عدم استخدام عقله الذي هو الدليل الأضمن والأكثر إخلاصًا لقيادة حياته في ضوء الحقيقة، وعلى كيفية استخدامه بشكل كامل وصحيح. هل استخدام كل شخص لهذه القوة يرقى إلى مستوى ما تتطلبه ضمنيًا هذه القوة نفسها التي تسمح لنا بمعرفة وتحديد ما يجب التفكير فيه والقيام به؟
نتذكر أيضا أن سقراط أكد أن حياة الإنسان الذي يفتقر إلى الفحص لا تستحق العيش (سأعود إلى هذه النقطة لاحقا). حياة سقراط هي الحياة التي قضاها في فحص نفسه والآخرين في ذات الوقت خلال المقابلات التي يسأل فيها المرء نفسه عما إذا كان من الممكن تبرير القيم بعقلانية؛ تلك التي نؤمن بها والالتزامات التي نتخذها.
لكن هذا المسار يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. فكرة أن صحة روح الفرد تحدد إمكانية أن تصبح حياته أفضل أو أسوأ تعني أنه يتصرف في الحياة اليومية – ليس فقط من خلال المشاركة في هذه المحادثات – وفقًا للقيم وللالتزامات التي نجح فحص الآخرين وهو نفسه في تعزيزها حتى الآن.
لا يمكن الدفاع عن مفهوم سقراط حول أهمية حالة روح الفرد إذا اختار الانصياع لسلطة أخرى، بدلاً من اتباع آرائه الخاصة المستمدة من التفكير في القيم الحقيقية (حتى لو تعلق الأمر باستنتاجات مؤقتة). تعلمنا محاورات أفلاطون مثل بروتاغوراس أو مينون أنه وفقًا لسقراط (الأمر هنا يتعلق، إذا جاز التعبير، بعلم النفس البشري، وعلم نفس الفعل البشري) فإن الناس تفعل دائمًا ما تعتقد أنه الأفضل بالضرورة عندما يحين وقت العمل. لكن لا يزال من الممكن، مع ذلك، أن يطيع البعض سلطة الآخرين بدلاً من سلطة عقلهم، ويعتقدون أن هذا هو الأفضل لهم. سيكونون بالتأكيد، كما يمكن للمرء أن يقول، غير قادرين تمامًا على تبرير وجهة نظرهم بشكل منطقي – لكنهم لا يهتمون، لأنهم يتجاهلون قيمة أرواحهم.
من ناحية أخرى، فإن أي شخص يؤيد مفهوم سقراط حول همية الروح لا يمكنه أن يعيش إلا من خلال التوافق مع قيمه والتزاماته. وهكذا، وفقًا لسقراط، الفلسفة كطريقة للعيش – لعيش الحياة التي قادها بنفسه والتي أوصى تلاميذه الشبان والمحاورين الآخرين بعيشها – هي في الأساس الانخراط، مع أكثر صرامة وثبات ممكنين، دون أي تحفظ، لاستخدام عقله، في ضوء الحقيقة، في جميع القرارات والأفعال التي تشكل الحياة. كان يعتقد أنه فقط من خلال تقديم هذا الالتزام، يمنح المرء روحه الرعاية التي تتطلبها.
لم أقم لحد الساعة سوى بتقديم رسم تخطيطي لفكرة سقراط عن الفلسفة كأسلوب حياة. تثار أسئلة كثيرة حول عدة عناصر من هذا التصور؛ سوف أقوم بتغطية بعضها في ما يلي.
افترضت أن سقراط كان أول فيلسوف قديم يعتبر الفلسفة طريقة حياة، وأن مفهومه قدم إطارًا لمزيد من التطوير لهذا الجانب من الفلسفة القديمة. يمكننا أن نرى بالفعل في أصل هذا التطور فكرة أن كونك فيلسوفًا هو في الأساس الالتزام باستخدام عقلك لتعيش حياتك. الحياة الفلسفية هي ببساطة حياة تتوافق مع هذا المبدأ. كان هذا هو الالتزام الأساسي الذي تعهده كل فيلسوف حقيقي تعاطى للفلسفة، واختار أن يكون فيلسوفًا، بغض النظر عن انتمائه لمثل هذه المدرسة القديمة أو تلك.
يؤكد بيير هادوت أن تمسك الفرد بمذاهب هذه المدرسة أو تلك ينتج بالضرورة عن “خيار وجودي”. لكن هذا ليس صحيحا. لا شيء وجودي يسيطر على المفاهيم أو التوجهات الفلسفية التي قد تؤهل فيلسوفا من العصور القديمة للتقليد اللاحق (مثلا، أفلاطوني أو أرسطي، رواقي، أبيقوري أو بيروني متشكك).
تأتي هذه التوجهات من كون الفرد قبل، من خلال التفكير الفلسفي في ضوء الحقيقة، بعض الأفكار التي تدعمها هذه المدارس الفلسفية، بقدر ما يكون ذلك مناسبا للتفكير في القيم والأفعال إذا استخدم عقله بشكل كامل وصحيح. إن قرار الجميع بالالتزام بهذه الفلسفة أو تلك، مهما كانت العواقب الحاسمة على أسلوب حياتهم، لا يستحق أن يُطلق عليه وصف “وجودي”. الخيار الوحيد “الوجودي” هو الالتزام بأن تصبح فيلسوفًا، وأن تعيش وفقًا للعقل الفلسفي. إن اختيار أن تصبح أبيقوريًا أو رواقيًا، مثلا ، يعتمد – وبحسب معايير هذه الحركات الفلسفية نفسها – على الحجج العقلانية لصالح المبادئ الأساسية للمدرسة الفلسفية المعنية. لفهم ماهية الفلسفة القديمة فهما صحيحا، من الضروري للغاية إدراك قوة هذا الالتزام الأساسي للعيش وفقًا للعقل الفلسفي. هذا ما يجعل من معشر الفلاسفة مجتمعًا متميزًا عن باقي الناس.
(يتبع)