انطلاق :
يلتقي التحقيق والترجمة في نقطة افتراق ووفاق ، وهي المراهنة على الاقتراب من النص الأصل ، غير أن التحقيق يسعف في توفير المعاني في المباني التي تتخللها عوارض موضوعية وذاتية.
فأما الموضوعية فتتعلق بالمتن الذي قد يهلك الزمان جزءا منه يسيرا أو كثيرا بفعل العوامل الطبيعية ، علما أن علم “الكوديكولوجيا ” في تطور مستمر مما تُحفظ به كثير من النصوص المستنسخة في إطار مجالس كتابية ؛ وهي مجالس خاصة بالكاتب يعقدها مع الذات في لحظة التحرير والتدقيق للمشروع العلمي الذي انعكف عليه أو في مجالس إملائية في مناسبات أخر ؛ حيث يتخذ العالم كاتبا يملي عليه من فكره ومن محفوظه لبناء مشروعه العلمي وقد يتخذ أكثر من كاتب وقد يكتب عنه في مجالس علم وتعليم : إفتاء أو إقراء .
أما العوامل الذاتية فتتعلق بمالك المخطوط مهما كان موضوعه وحجمه وحالته وخصوصا الأفراد التي تمتلكها فلا تُمَلِّكها ولو استنساخا لتعم بها الفائدة لاعتبارات منها : التبرك بالعمل والخوف من سخط أصحابها – تأولا من غير علم من هؤلاء الأفراد المــــمَلَّكين – بضياعها وعدم استشعارهم أهمية العلم وتحبيسه وتعليمه بجميع الصور الممكنة ، وأن ذلك يدخل في باب الصدقة الجارية ثوابه يلحهقم أيضا كما يلحق مالك العمل العلمي الأصل.
وينعدم هذا الإشكال / الأمر بالمؤسسات : رسمية كانت (خزانات عمومية أو متاحف) أو ومؤسسات مدنية(خزانات خاصة/اسمية أو خزانات وقفية على مساجد) ، هذا على سبيل التمثيل لاستشعارهم أهمية البحث العلمي وللحاجة الملحة إليه لكونه مفتاح تقدم الأمم ورقي وازهار الجماعة العالمة منها ومن في حكمها والمتعلمة أيضا.
في هذا الصدد ، يأتي هذا المقال المنوِّه بالمحقِّق : نور الدين لارجى ، والمواكب لعمل محقَّق : (المقالة الحكمية في الأمراض الوبائية لابن هَيْدور) والموسوم بـــــــ : الأمل المرجَّى في تدقيق ” المقالة الحكمية في الأمراض الوبائية لابن هَيْدور” من تحقيق نور الدين لارجى .
عمل مدقَّق في زمن بعيد جدا وقريب كذلك من زمن عمل المحقِّق لِلُقياهما في خطاب الوباء – مع اختلاف في السياق والنوع والسبب والنتائج – وبذلك يتحقق الوصال والفصال بين عملين في زمنين مختلفين .
الطبق الأديم في الوقفة مع التقديم :
من أدبيات الأعمال العلمية الرصينة ؛ تلك التقديمات التي تَشرُف بها من لدن كبار الباحثين المشهود لهم بالجدة في العمل العلمي موضوعا ومنهجا ، ويدخل التقديم ضمن التنويه بالبحث / التحقيق وبالباحث /المحقق كذلك .
والكتاب المحقَّق قدم له الأستاذ الباحث والخبير الوطني في علم المخطوط ؛ الدكتور أحمد شوقي بنبين ؛ مدير الخزانة الحسنية بتقديم علمي مجردا من شبهة القول بغير علم – وهي شبهة قد تغري القارئ – ولكنها شهادة رجلِ عِلم خبَر المخطوطات والتدقيقات كما التحقيقات ، ذكَّر فيه بسياق التحقيق والإخراج العلمي للعمل كما ذكَّر بسياق التدقيق – زمن إملاء / استنساخ المقالة .
هذا ، ولم يخف الباحث الكبير في تقديمه لهذه المقالة العلمية الشعور الذي يتنابه قائلا بصريح التعبير ” أحس بسعادة غامرة وأنا أقدم كتاب المقالة الحكيمة لابن هيدور، الذي طالت رقدته على رفوف خزائن الكتب زمنا طويلا…”معرجا على سياق خروج المخطوط من رقدته الطويلة إلى التداول العلمي واعتلاء جغرافيا الرفوف مذكرا بأثر الوباء السلبي ضمنا وتضمينا بالإيحاب منه ، فـــــــ” قد أحسن المحقق صنعاً في اختيار وقت إخراجه للناس؛ وهو وقت اجتاحت خلاله موجة وبائية العالم تركت آثارها السلبية في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية وغيرها، وإن كان لنا أن تتحدث عن أثر إيجابي لهذا الوباء، هو كونه حافزا للباحثين، من مؤرخين وأطباء وعلماء، للبحث في خزائن الكتب عن الآثار المكتوبة التي عالجت ما عاناه العالم سابقاً من هذه الأوبئة الفتاكة “.
كما نجد في التقديم تنويها بالباحث وتنبيها على منهجه المتبع ” وقد تناول الباحث نور الدين لرجى هذه المقالة بالبحث والضبط العلمي، فعثر بعد بحثه الدقيق في خزائن الكتب على أربع نسخ قابل فيما بينها مقابلة علمية خلص إلى النص الذي ارتضاه قريباً من : نص المؤلف الذي هو الغاية القصوى في مثل هذا العمل.
وقد عالج الباحث هذا الإخراج العلمي بصبر الباحث المدقق، ولغة العالم المتمرس. وأسلوب المحقق ذي التجربة والمراس الضروريين في التحقيق العلمي. وقد وضع الرواية الصحيحة في النص، وذكر باقي الروايات التي لا تلائم السياق في الهوامش وقد شرح بعض الألفاظ العلمية التي تحتاج إلى التفسير، والتي قد يتعذر على غير المختص قراءتها أو فهمها. وقد خص لها كشافاً في آخر الكتاب “.
العزيمة والهمة فيما ضمنه الباحث المحقِّق المقدمة :
تأتي مقدمة الأعمال العلمية تقليدا أدبيا في المدونات والكتب والموسوعات وفي جميع الأبحاث والدراسات والمقالات لبسط العمل : الموضوع والمنهج والصعوبات وتتجلى وظيفتها خصوصا في عقد ميثاق قرائي مع القراء المفترضين ، بسط فيها المؤلف /الكاتب دافع التدوين والمنهج المتبع للعرض العلمي للقضية المحور في النقاش العلمي المضمن بين دفتي العمل ، كما تتضمن توطئة وتمهيدا بما ينبئ القارئ عن تمديد في سفر علمي في فصول وأقسام ومباحث ونقط ، وذلك حسب الخطة المتبعة التي يفترضها العمل العلمي من كونه نصا منشأ بداءة بناء على معارف يعرض الكاتب إشكالاتها وقد يعالجها أو عملا محققا وهو الذي له طبيعة خاصة مما يحدث فيه من الامتزاج بين النص الأصل بفضل محاولة الاقتراب منه وبين نصوص / مقاطع مصغرة منشأة من الباحث المحقق والنص الذي نقدم له هذه القراء النقدية التقريبية لا يخرج عن هذا النطاق حيث ضمن المحقق مقدمته ما يلي:
• سياق الوباء الجديد المعاصر – كورونا – الذي ” تسرب إلى المغرب وباقي دول العالم ” مما كان لذلكم آثارا سلبية مست المجالات الاقصادية والاجتماعية والديموغرافية ، كان من سبل مواجهته تطبيق الحجر الصحي / المنزلي حتى ظن المارُّ المضطر للتنقل من الشوارع والطرقات أن البلاد قد خلَت من العباد .
• نظرة تاريخية عامة للأوبة بالمغرب في أزمنة متقطة وعهود مختلفة ” يمكن إجمالها في ثلاث فترات :….في القرن الثالث عشر ،والرابع عشر للميلاد ، وثلاث في القرن السابع عشر ، واثنتين في القرن الثامن عشر ، وثلاث في القرن التاسع عشر مع تقطع أو امتداد داخل كل فترة “.
• جهود العلماء والأطباء والمثقفين لمواجهة تلكم الأوبة في فترة تقطعها أو امتداها بمختلف مصنفاتهم المعرفية على شكل رسائل أو وثائق أو كتب أو مقالات ؛ وهذه واحدة مما يُقدَّم نموذجا في مواجهة تلكم الأوبة العاصفة بالخلق والخاسفة بعمل البشر مما يتحقق به المعاش ؛ إنه عمل ابن هَيْدور الذي اشتغل عليه المحقق فخرج نصه قريبا من نص المؤلف الأصل كما شهد بذلكم خبير الكوديكولوجيا في المغرب وقيدوم المحققين والقيم على فضاء علمي وطني ذي طبيعة أكاديمية يضم متونا محققة ومخطوطات ما تزال في رقدتها على لغته في التقديم وهو يشير إلى : ” المقالة الحكمية في الأمراض الوبائية ” كما سبق القول .
• تقريب نظرة المؤلف ؛ صاحب المخطوطة المحققة إلى القارئ ما يشد انتباهه لتتبع هذه الإشارات المغرية بالقراء التأملية للمتن المحقَّق ، وكذا الحديث موجِزا الكلام عن المنهج المتبع والأسلوب المبتدع في عرضه عملا علميا وعمليا للقضاء على هذا الوباء وطرق التوقي منه الموصى بها من لدن المدقق / المؤلف ابن هَيْدور ” حيث ميز فيه المؤلف وصف المرض العارض عن الوباء المقيم، مبرزاً طرق الوقاية من هذا المرض الوافد بأسلوب أدبي، مازجاً فيه بين ما هو ديني وروحي، وبين ما هو طبي تجريبي، مستعيناً في ذلك بالنقل من المصادر القلبية المتخصصة في هذا المجال” .
• موجبات الاشتغال على المقال / العمل المحقق موضوع القراءة ” ومساهمة منا في التخفيف من آثار انتشار هذا الوباء الفتاك، الذي عصف بالعالم في وقتنا الحاضر، ارتأينا إخراج هذه المقالة إلى حيز الوجود، عسى أن تفيد ولو بجزء يسير قارئها، وتخفف من هذا النازل بنا، والله سبحانه من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل “.
• عقْد ميثاق قرائي بيني ؛ بين المحقق الفصيح والقارئ المفتحص وإزالة لكل لبس محتمل وكشفا عن منهج المحقق في تتمة ما أشار إليه الأستاذ الذي قدَّم للعمل بتقديم سبق الوقوف مع جل مضمانته وفي ذلك يورد المحقق ” والتزمنا في إخراجها بالقواعد المتعارف عليها في تحقيق المخطوط، حيث قمنا بوضع تعريف موجز للمؤلف والمؤلف، ثم كتابة النص وفق قواعد الإملاء الحديثة، وشرحنا بعض الألفاظ والمصطلحات التي تحتاج إلى بيان، وقمنا بتوثيق النقول الواردة في نص هذه المقالة، وقمنا في الأخير بمقابلة النسخ المخطوطة والترجيح بينها. ثم ذيلنا العمل بوضع فهرس للمصادر والمراجع. “
(يتبع)

محمد أكعبور
مرشد ديني بإقليم الصويرة
باحث في الخطاب والإعلام الديني

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube