بقلم : مراد العمراني الزكاري ( الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)
جاءت أطروحة المفكر السياسي والاقتصادي الأمريكي فرانسيس فوكوياما، في كتابه الصادر سنة 1992، والمعنون بـ «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، بأنه وبنهاية الحرب الباردة، ستكون الديمقراطية الليبرالية الشكل الغالب على الأنظمة حول العالم.
ويقصد «فوكوياما» بنهاية التاريخ ما بعد الحرب الباردة وهدم سور برلين، أي نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وبداية عولمة الديمقراطية الليبرالية، كشكل نهائي للحكومة الإنسانية، بعيدًا عن الأنظمة الشمولية واستعباد الأمم.
استقبل المتفائلون عبور قطار العولمة حدود الدول كونه الخيار الجاهز أو الاستراتيجية الشاملة واضحة المعالم التي ستجلب خيراتها للدول النامية، والتي ستعمل على التوظيف الأمثل للموارد والطاقات العالمية عبر قوانين السوق الحرة بعد انعتاقها من إدارة الدولة البيروقراطية المقيدة لحركة السلع والأموال والأفراد، وفي ظلها سينتعش القطاع الخاص وتصبح الشفافية هى السبيل لمكافحة الفساد ومراقبة أداء النظم السياسية والإدارية والحد من الاحتكار والجشع ونهب المال العام.
ويتسق المفكر الأمريكي «صمويل هنتنجتون» تمامًا مع نظريات «فوكوياما» للعولمة وفقًا لأفكاره التب وردت في كتابه الصادر سنة 1996، بعنوان «صدام الحضارات»، إذ كتب يقول:
«فالعولمة إذًا هي غياب البعد الوطني أو القومي كفاعل مؤثر كما كان الحال فى الرأسمالية السابقة. فالمؤسسات أو الشركات العابرة للقارات تخترق وحدة الدول القومية، وتقوم بتحطيم قدرات الدول على مواجهة الغزو الجديد الناتج عن قوانين السوق، وتضخيم الصراعات والنزاعات المناوئة للدولة مثل المشاكل العنصرية والدينية لصالح تفكيك الدول وتحويلها إلى دويلات عاجزة أمام سيادة السوق العالمية».
وفقًا للعلَّامة العربي المصري «د. نبيل علي» وبمنظور أكثر تأصيلًا بالثقافة فالعولمة هي ثنائية الوجود «الزمان والمكان».
في البداية كانت عولمة الزمن باستخدام توقيت جرينتش، ثم جاءت تكنولوجيا المواصلات والاتصالات لتدخل المكان في دائرة العولمة، وبالتالي لم تبق سوى الأحداث التي تحدث في هذا الزمان وداخل نطاق المكان؛ لتدخل مضمار العولمة الذي نادت به أمريكا منتصف تسعينيات القرن المنصرم، لتشمل كل أنشطة الإنسان وممارساته الاجتماعية، اقتصادية كانت أو سياسية، تجارية أو ثقافية، خاصة كانت أو عامة.
هذا ما فعلته عولمة المعاملات المالية والتجارية والأزياء وموضة قص الشعر ووجبات الطعام، وحتى عولمة الأجساد «الرشاقة والتخسيس كنمط معولم تحلم به الفتيات»، وكذا عولمة الشر؛ بجرائم المافيا وغسل الأموال، واغتصاب النساء، وفساد الحكومات والمؤسسات.
وأصبح المحرك الأساسي للعولمة هو سيطرة الليبرالية الجديدة، والمقصود هنا انتصار أيديولوجية اقتصاد السوق الحرة، والنمط الاستهلاكي، وإعلام الترفيه، والخوصصة، وخلافه. وتُقدم فيه الديمقراطية كتوأم لاقتصاد السوق الحرة، وقد كونتا معًا استراتيجية النموذج الغربي للرأسمالية فى نسخته الأمريكية بعد انهيار الاشتراكية. والنتيجة الحتمية، تقليص سيادة الدولة وتهميش دورها، وتصبح أمور إدارة الدولة قاسمًا مشتركًا بين الحكومة من جهة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية من جهة أخرى.
ونتيجة للعولمة والتحول إلى اقتصاديات السوق الحرة، وحرية التجارة الخارجية، بقوانين منظمات بريتون وودز ومنظمة التجارة العالمية. انتشر الفساد حتى داخل أروقة هذه المنظمات وواجهت دعاوى مرفوعة ضد عمليات الرشاوي والعمولات والاختلاسات التي قام بها بعض مسئولي وقيادات هذه المنظمات.
ومع تطبيق أدبيات العولمة من حرية التجارة الخارجية والتجارة الإلكترونية والخوصصة والنمط الاستهلاكي والهجرة غير الشرعية وجرائم غسل الأموال والاتجار في البشر والأعضاء إلخ.
ازداد الفساد وتراجعت الصناعات المحلية والمنتجات الزراعية، وفقدت قدرتها التنافسية على التصدير نتيجة التزامها بمعايير الجودة الشاملة، واتفاقيات الأيزو الدولية.. ففقدت العملة المحلية قيمتها وارتفع عجز الميزان التجاري، وتنامت معدلات التضخم، وانخفضت مستويات المعيشة لعموم المواطنين، وازدادت الفجوة بين طبقات المجتمع نتيجة الخلل في توزيع الثروات، وارتفعت معدلات النمو دون أن يشعر بها الفقراء.
وتستمر الدولة في فقدان سيادتها إلى أن تصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها. يحدث هذا تدريجيًا، ولكن بسرعة حتى تتحول الدولة من راعية لمصالح المواطنين إلى حارسة لليبرالية السوق، وحامية لرأس المال الخارجي والمحلي، فتزداد الفجوة بين الدولة وشعبها.
وما إن يشتد عود العولمة، حتى تصبح الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الاجتماعية، كالتأمين الصحي، والخدمات التعليمية، والرعاية الصحية، وحماية البيئة وخلافه.
وفي مراحل متقدمة تصبح الدولة غير قادرة على حماية رءوس الأموال الأجنبية، فيتجه هؤلاء للشكوى إلى المنظمات الدولية، ويبدأ التدخل الدولي فى السيادة، فيزداد السخط الشعبي على الحكومات، وتتدهور الأخلاقيات، والثقافات، ويُسيّد الفساد ويزداد الخلل فى توزيع الدخول والثروات، وتنهار الدول بعد أن يفقد الشعب ثقته فى أنظمته الحاكمة التي تواجه بتهم الفساد، رغم كونها إحدى ضحايا النظام العالمي الجديد، مثلها مثل غيرها من حكومات العالم التي دخلت مُجبرة فى محراب العولمة حتى لا تخرج من السباق.
وفى ظل العولمة وبيادقها من المنظمات الدولية وغير الحكومية، تبدأ في التحول من مرحلة تفريغ الدولة ما بحوزتها من نفوذ على أراضيها، إلى مرحلة إسقاط الدولة وإضعاف مجالات الأمن القومي المتعددة.
وعلى ذلك يستلزم التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات والتنمية المستدامة لاحتواء هجمات موجات العولمة المتتالية وتجنب أضرار رفضها ومقاومتها.
وبصورة أكثر عمقًا كيف يمكن التعامل مع العولمة بواقعية وحذر شديدين لمضاعفة عوائدها مع تقليص أضرارها والحد من أزماتها.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube