بقلم : مراد العمراني الزكاري ،الى مناضل النصف قرن ،الى المدرسة التي علتمني فن السياسة.
“واشنطن تغرق ألمانيا الصناعية في البحار الثلاث”

تعتمد الأسواق الأوروبية كأكبر سوق مستورد للغاز الطبيعي في العالم على إمدادات غاز كل من روسيا والنرويج وأذربيجان وقطر، ومؤخرا الغاز الصخري للولايات المتحدة الأمريكية.
أما هولاندا التي تمتلك أكبر حقل غاز أوروبي، ويعتمد عليه السوق الأوربوي بشكل كبير منذ سنة 1960، فقد اضطرت فعليًا إلي تخفيض الطاقة الإنتاجية لحقل (جرونينجن) العملاق بسبب عوامل البيئة.
تنتج روسيا (500 مليار متر مكعب) من الغاز سنويا، وتزود (161 مليار م3) من غاز الاتحاد الأوروبي سنويا، وتقدر احتياطي الغاز الطبيعي الروسي بحوالي (42 تريليون م3) كأكبر احتياطيات الغاز في العالم.
ووفقا للاتحاد الأوروبي (يوروستات)، انخفضت حصة روسيا من واردات الاتحاد الأوروبي (28دولة) من الغاز الطبيعي من 34.6٪ إلى 26.8٪ بين سنتي 2005 : 2010، نتيجة الأزمة الأوكرانية. الآن يمثل 29٪ من إجمالي الواردات.
أما النرويج عضو في حلف شمال الأطلسي هي ثاني أكبر مورد للسوق الأوربي، بحوالي 26٪.

الغاز الروسي إلى أوروبا:

1-عبر أنابيب برية تعبر الأراضي الأوكرانية إلى أوروبا، وقد قامت شركة الغاز الحكومية الأوكرانية بقطع أمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا سنة 2009 وروجت أمريكا الأمر إلى شركة غاز بروم الروسية، التي أعلنت مؤخرًا رفضها تجديد العقد مع أوكرانيا المضطربة سياسيًا واقتصاديًا، والمنتهي بحلول سنة 2019.

2- أنابيب نورد ستريم1 وتعبر تحت بحر البلطيق إلى شمال ألمانيا
3-أنابيب برية تعبر البحر الأسود إلى تركيا دون المرور على أوكرانيا ومنها إلى أسواق أوروبا وقد تم الاتفاق فعليًا بين روسيا وتركيا بنهاية سنة 2017، كبديلا عن أنابيب (ساوث ستريم) من روسيا عبر البحر الأسود إلى بلغاريا واليونان وقد تخلت عنه روسيا نتيجة لتعنت بلغاريا في الاتفاق.

4- أنابيب نورد ستريم2 تحت الإنشاء بديلًا عن خط أوكرانيا، ويهدف الخط الجديد إلى مضاعفة طاقة الغاز الحالية التي تتدفق الآن من (نورد ستريم1)إلى شمال ألمانيا. وستقدم شركة (نورد ستريم 2) ما قيمته (55 مليار م3) من الغاز الروسي عبر ألمانيا بعيدا عن بولاندا.

المواجهة الأمريكية لنورد ستريم2

استمرارا لغطرسة العقوبات الأمريكية على موسكو وفي 25 يوليوز 2017، صوت الكونجرس الأمريكي على مشروع قرار بفرض عقوبات جديدة على روسيا بجانب كوريا الشمالية وإيران، بحجة استمرار الاحتلال الروسي لشبة جزيرة القرم، وبذريعة الاتهامات الموجهة لموسكو بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لصالح دونالد ترامب.
لم تحتج موسكو على هذا القانون منفردة؛ بل احتجت لأول مرة قادة أوروبا بشدة، وخاصة ألمانيا وفرنسا. فمشروع القانون يفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تعمل في مجال الطاقة داخل روسيا؛ حال عدم إلتزامها بتنفيذ هذه العقوبات.
هذه الشركات بمقتضى هذا القانون؛ لن تفقد حقها في المنافسة على المناقصات المعلنة في الولايات المتحدة فحسب، بل ستفقد كل أصولها في الولايات المتحدة، وستمنع من الوصول إلى البنوك الدولية، إضافة إلى تعذر تمكنها من مواصلة أنشطتها خارج الاتحاد الأوروبي.
القانون اعتبرته ألمانيا ضد مصالحها الصناعية، ويحد من تطورها الاقتصادي المرتبط بـ روسيا، ويعرقل وصول الغاز الروسي إلى أوروبا. خاصة إن هذه الشركات قد استثمرت بالفعل في خط أنابيب (نورد ستريم2).

إذن العقوبات الأمريكية ضد روسيا موجهة في الأساس ضد ألمانيا الصناعية، فالولايات المتحدة التي تسعى لبناء أمريكا الصناعية مجددًا، تريد إعادة إرساء دعائم ” نظرية وولفويتز” لسنة 1992 القائلة بأنه ينبغي على واشنطن أن تحافظ على أسبقيتها على بقية دول العالم، وإبطاء تطور أي منافس محتمل لها. وقد حدد وولفويتز مهندس صناعة الأزمات بنهاية الحرب الباردة وسقوط الشيوعية؛ أن المنافس الأكثر خطورة للولايات المتحدة هو الاتحاد الأوروبي الذي ينبغي على واشنطن أن تدمره سياسيا وبالأحرى اقتصاديا.
وهو ما بدأت ألمانيا في إدراكه مؤخرًا خاصة مع إندلاع الحرب الكلامية بين ترامب وميركل حول سياسة الحماية التي يفرضها ترامب على الأسواق العالمية، ووضع وزير الخارجية الألماني، الولايات المتحدة بالمرتبة الثانية في تحديات السياسة الخارجية لألمانيا بعد قضية اللاجئين وتسبق تركيا وروسيا، وكذا ضرورة بناء شراكات أوربية بعيدًا عن أمريكا..
يتبع…..