بقلم : مراد العمراني الزكاري.(الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية )


جميع الصحف والمنصات الإعلامية، والمواقع الإلكترونية التابعة للتنظيم الإرهابي الدولي مجرد جنود مخلصين في المدرسة الإعلامية الدولية للكوربوقراطية، وقد تدربوا جيدا على العمل وفق صياغة تحريرية وإعلامية تتسق مع نظرية جوبلز- وزير الدعاية الألماني في حكومة هتلر النازية – وأحد رواد الحرب النفسية، وأحد من أبرز من استخدموا وسائل الإعلام وتطويعها أثناء الحرب.
يستخدم التنظيم الإرهابي الدولي في السيطرة على العقول، (نظرية التأطير لجوبلز)، التي تعتمد على إظهار جانب من جوانب الرواية المعروضة على المتلقي، وإخفاء جوانب أخرى منها؛ بحيث يركز على هذا الجانب الذي يخدم قضيته، ويجعل المتلقي محصورا بين الخيارات والبدائل المطروحة في هذا الجانب فقط، ويخفي عليه بقية الخيارات المتاحة للجوانب الأخرى، في تغييب متعمد للعقل المفكر، ولنأخذ مثال حي لإدراك كيف تستخدم هذه النظرية في إسقاط جيوش وهدم دول بأكملها.
إبان الغزو الأنجلوأمريكي للعراق سنة 2003، قامت وسائل الإعلام الغربية، وقناة الجزيرة القطرية، باختزال الحرب في معركة المطار، وتم تهيأة الرأي العام الدولي والداخل العراقي، أنه، وبسقوط المطار في يد القوات الأمريكية تنتهي الحرب.
هنا تم إبراز جانب واحد من الرواية، وإغفال باقي الجوانب، حيث المعارك القتالية الشرسة كانت لا تزال مشتعلة، بين القوات العسكرية العراقية، في العديد من محافظات ومدن العراق ضد قوات التحالف الدولي.
انتظر العالم بآسره معركة المطار، فلم يكن هناك بدائل أخرى في حالة سقوط المطار، وأصبحت الحقيقة الوحيدة الراسخة آنذاك، هي سقوط العراق بسقوط المطار في يد قوات التحالف، وحينما سقط المطار، انهارت الروح المعنوية للجنود العراقيين المرابطين على جميع جبهات القتال.
وفي صباح اليوم التالي، دخلت الدبابات الأمريكية ساحة الفردوس في بغداد، وسقط تمثال صدام حسين، فسقط العراق كله في مشهد تمثيلي دراماتيكي مخادع، بعد أن نجح الإعلام في فرض صورة ذهنية وحيدة على الشعوب، وسلبها كل الخيارات الممكنة الأخرى، بحيث أصبحت العقول المتلقية محصورة داخل خيارات وهمية.
سقوط تمثال صدام حسين مثال آخر على دور الإعلام في السيطرة على العقول وإسقاط الدول بنظرية جوبلز الماكرة (إبراز جانب واحد من جوانب الحقيقة).
تم تطويق محيط ساحة الفردوس بالدبابات الأمريكية، التي بدأت تشد تمثال صدام حسين بالقوة، عبر أحبال رُبطت بها. آنذاك، اعتلى جنود المارينز الأمريكي التمثال، وقاموا برفع العلم الأمريكي عليه, ثم سمحوا لعشرات من العراقيين المارة باعتلاء التمثال، وهو مائل.
عند هذه اللحظة.. بدأت صناعة الحدث الإعلامي الزائف، حيث بُثت الصورة المخادعة على شاشات العالم، بحيث يبدو الأمر كحركة جماهيرية عفوية لـ (الآلاف) من العراقيين السعداء، وهم يحتفلون بتحرير العراق على يد القوات الأمريكية، بينما الصورة الحقيقية نُشرت على موقع رويترز في التو واللحظة، تظهر الصور الحقيقية التي التقطت جوًا كما تم ذكره سابقا.
وكالة رويترز، أول من أطلق القصة الحقيقية في (9 أبريل 2003)، بعد نشرة الأخبار التلفزيونية المباشرة، قال التقرير إن (العشرات) من الناس كانوا يحتفلون بانهيار التمثال، بعد ساعات قليلة، تم تغيير هذه القصة بالفعل، فور ما صرح الناطق الرسمي باسم رئيس وزراء بريطانيا أن الأعداد بالآلاف، بدأت جميع الصحف، ومنصات الإعلام تزيف الحقيقة!! فمثلا:
صحيفة ديلي إكسبريس البريطانية، كتبت في (10 أبريل 2003):
« في المشاهد التاريخية التي تذكر بسقوط جدار برلين، كان الآلاف من المدنيين يهتفون، بينما كان الشبان يركبون التمثال، وربطوا طوقًا مؤقتًا حول عنق صدام ».
لاحظ هنا استخدام الصورة الذهنية الخاصة بسقوط جدار برلين، كرمز للحرية والديمقراطية وإحلال السلام بين الشعوب الأوروبية، وكأنما بسقوط تمثال صدام حسين ستنعم الشعوب العربية بديمقراطية برلين!
إذن لعب المشهد الإعلامي لإسقاط تمثال صدام، دورا حاسما في حملة الدعائية التي قام بها البنتاجون، تم بثها من قبل فوكس نيوز، وسي إن إن، وتم الإعلان عنها على الفور من خلال القنوات التلفزيونية، ووسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم، كإشارة إلى نهاية الحرب، وبينما كان القتال لا يزال مستمراً، مع وقوع خسائر فادحة في كلا الجانبين ، فإن وسائل الإعلام الغربية قررت فجأة إنها في نهاية اللعبة الآن.
في المقابل، أصبح إسقاط تمثال صدام رمزا لـ (تحرير العراق) من قبل القوات الأمريكية ، حيث طغى الحدث على كل شيء آخر، بما في ذلك الفظائع التي ارتكبتها القوات الأمريكية والبريطانية في حق الشعب العراقي من قتل، وذبح، وانتهاك للحريات، فالجوبلزيون الجدد يقومون بواجبهم على أكمل وجه، في تبرير هذه الأعمال الإجرامية للسيطرة على العقول،على سبيل المثال:
صحيفة ديلي تلغراف (سيدني) الأسترالية، كتبت في(8 أبريل 2003):
«كان عدد المدنيين العراقيين الذين قُتلوا عن طريق الخطأ، على يد قوات التحالف، أقل بكثير من العدد الذي كان سيُقتل على يد نظام صدام حسين الشرير في المخطط العادي للأشياء».
الصحيفة هنا، تريد تبرير الأخبار المتداولة حول قتل المدنيين على يد قوات التحالف، بمنظور غسل الأيدي الملوثة بالدماء، وتستشرف المستقبل في ظل الديكتاتور القاتل صدام حسين، بينما تجاهلت إلقاء الضوء على العمليات الإجرامية الأمريكية من قتل واغتيال حدثت بالفعل، خلال الغزو على العراق ومازالت.
صحيفة واشنطن بوست، كتبت في(10 أبريل 2003):
«بالتأكيد سيكون هناك المزيد من الضحايا، لكنها أحد الأثمان التي يتعين علينا دفعها».
الصحيفة هنا تقدم جانب من الصورة، تريد من خلاله الترويج لفكرة (الحرب مازالت مستمرة)، فالقادم على يد مجلس (بول بريمر) هو اجتثاث كل ما هو بعثي على وجه الأرض (لجنة اجتثاث البعثيين)، وبالتالي هناك تبرير مسبق لعمليات سقوط الضحايا على يد الأمريكان .
صحيفة ذي إندبندنت البريطانية. نقلا عن وزير الدفاع البريطاني (جيفري هون)، كتبت في (5 أبريل 2003):
«يوماً ما ستشكر أمهات الأطفال الذين قُتلوا، أو شوهوا بالقنابل العنقودية البريطانية، بريطانيا على استخدامها».
هنا تجد تبرير فج لفضيحة استخدام القنابل العنقودية المحرمة دوليًا من قبل قوات التحالف.
إذن، نظرية جوبلز تضع الأحداث والأشخاص، في إطار تم تحديده سلفا، بحيث يحكم المتلقي على الأحداث المعروضة عليه، وفق المعلومات المتاحة لديه فقط، والتي هي بالطبع الخيارات التي فرضت عليه من قبل إعلام الكوربوقراطية، بعد سلب المتلقي العقل المفكر، والذهاب به إلى مربع الخيارات المطروحة عليه فقط، ومن ثم تتم السيطرة على العقول.
هكذا يفعل إعلام الكوربوقراطية في مثل قضية الجمعية المغربية لحقوق الانسان فيما وقع بندوة باريس وإعطاء أهمية كبيرة لموضوع تافه ،قبل أن نفند في منشور لاحق روايتهم الجوبلزية في عرض جانب واحد من الرواية،