بقلم : مراد العمراني الزكاري

لماذا أوكرانيا تمثل أكبر صدع عالمي على الكرة الأرضية بين موسكو وواشنطن؟

استقلال أوكرانياعن روسيا بعد تحلل الاتحاد السوفياتي، يعني انتهاء الرواية الروسية التي كثيرًا ما أعلنت عن نفسها كحاملةٍ شعلة الشعوب السلافية الشرقية، وقت أن كانت في روسيا وعاصمتها كييف الأوكرانية، إبان العصور الوسطى، والمسماة بروسيا الكييفية.

وبالمنظور الجيوسياسي الروسي، انفصال أوكرانيا، يعني حرمان موسكو من السيطرة الكاملة على البحر الأسود، وخسارة الروس لاقتصادٍ زراعي وصناعي غني وضخم، بالإضافة إلى (52 مليون) مواطن من السلافيين، يرتبطون إثنيًّا، ودينيًّا بروسيا، شكلوا معًا ذات يومٍ قوة صوفية للإمبراطورية الروسية.

وبالتالي فأي محاولة من قبل موسكو للسيطرة على رقعة الأوراسيا من دون أوكرانيا، سيجعلها تدخل وحيدة في صراعاتٍ مع غير السلافيين المستثارين بالنزعات القومية والدينية، على حدودها الجنوبية. وهذا ما عملت عليه واشنطن بنهاية الحرب الباردة؛ إذ تُعد أوكرانيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة محورًا جيوسياسي هام، إذا ما أرادت السيطرة على رقعة الأوراسيا، وإضعاف النفوذ الروسي عليها.

 لكل هذا كانت كييف وما زالت هدفًا للثورات الملونة، والخيط الذي يشد ويجمع الصراعات الدائمة بين روسيا والغرب حتى الآن.

*ثورة ملونة تطيح بـ فيكتور يانوكوفيتش*

اندلعت الثورة البرتقالية بتدبير من وكالة الاستخبارات المركزية وبتمويلات هيئة نيد ومنظمات جورج سوروس بعد إعلان فوز رئيس الوزراء (فيكتور يانوكوفيتش) الموالي لموسكو، على زعيم قوى المعارضة الأوكرانية (فيكتور يوشينكو) الموالي لواشنطن في الانتخابات الرئاسية سنة 2004.

ادعى أتباع  يوشينكو تزوير الانتخابات، وأعلنوا العصيان المدني، وارتدوا الألوان البرتقالية، ورفعوا شعار حركة أوتبور الصربية (القبضة المغلقة) واحتلوا المباني الحكومية والسيادية.

آنذاك ظهرت أدبيات حرب اللاعنف على سلوكيات الثوار، متمثلة في أغانٍ، وفرقٍ موسيقية، وألعابٍ نارية، ومسابقاتٍ ترفيهية، وندواتٍ تثقيفية، ومحاضراتٍ تعليمية في ساحة الاستقلال. ومن جهةٍ أخرى كانت القناصة المجهولة الخاصة بحروب اللاعنف، تتخذ مواقعها فوق سطح معهد الموسيقى، تقنص بنادقها الحديثة أشخاصًا تم اختيارهم بعنايةٍ لتأجيج مشاعر الثوار، وتأليب الرأي العام الأوكراني.

أحداث الثورة البرتقالية قسمت البلاد إلى معسكرين مناهضين: 

الأول، يمثله قطاع السكان الشرقيين الموالين للرئيس يانوكوفيتش، وهم من صوتوا لصالح الجذور الروسية.

 أما المعسكر الثاني، وهم قطاع السكان في غرب البلاد، من الموالين لزعيم المعارضة يوشينكو، وهؤلاء صوتوا مناهضةً لروسيا، ولاعتقادهم في أوكرانيا الغربية القديمة.

 آنذاك أصبحت البلاد على شفا حربٍ أهلية، حتى صدر حكم المحكمة العليا ببطلان الانتخابات، وإجراء جولة جديدة منها حصل فيها يوشينكو على (52%) من الأصوات وتولى حكم البلاد.

*ثورة مضادة تعيد يانوكوفيتش من بعيد*

مع إجراء أول انتخاباتٍ رئاسية تالية سنة 2010، عاد يانوكوفيتش المخلوع بثورةٍ برتقالية إلى حكم البلاد مرة أخرى.

سنة 2014، قرر الرئيس الأوكراني المنتخب ديمقراطيًّا (فيكتور يانوكوفيتش) ابتعاده عن الاتحاد الأوروبي، بعد فشل المفاوضات الاقتصادية بين الطرفين، وأعلن انضمام بلاده إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بزعامة روسيا، الذي أعلن للتو الاندماج في الفضاء الاقتصادي لطريق الحرير. فدق المسمار الأخير في نعش حكمه.

*برتقالية جديدة تنكأ الجرح الأوكراني*

ردًّا على قرار يانوكوفيتش، عادت أمريكا لتستدعي من المكتبة التاريخية، لعبة الثورات البرتقالية في أوكرانيا.

كانت ثورة دموية بأدبيات حرب اللاعنف؛ تتلقى تعليماتها من مركز عمليات الثورة (السفارة الأمريكية في كييف).

فالمعارضة اليمينية حملت السلاح الناري منذ اليوم الأول للثورة، والمعارضة المعتدلة حملت الزجاجات الحارقة والأسلحة البيضاء، ولم تنسَ فرق الموت من القناصة المجهولة اتخاذ أوكارها المعروفة في ساحات الثورات، ليسقط عشرات القتلى من الجانبين.

هبط المتحدث الرسمي السابق باسم الدولة الأمريكية العميقة (جون ماكين) إلى ساحة الثورة (ساحة الاستقلال) في سابقةٍ هي الأولى في التاريخ، ووقف على منصةٍ عالية، وألقى خطبة عصماء أمام الثوار، في إشارةٍ لهم، أن الولايات المتحدة تقف بجانبهم.

تم إسقاط يانوكوفيتش للمرة الثانية، بثورةٍ برتقالية جديدة، وأصبح ملك الشوكولاط ومهيج الجماهير(بيترو بوروشينكو) الموالي لواشنطن رئيسًا جديدًا على أوكرانيا في ماي 2014.

 وقد تباهى (جورج سوروس) أمام شاشات الفضائيات قائلًا: “كنا هناك في أوكرانيا.. لعب صندوقنا دورًا بارزًا في هذه الأحداث.”

*صراعات قومية تستدعي القرم القيصرية*

اعلنت جمهوريتي دونيتسك، ولوهانسك، الناطقة باللغة الروسية، انفصالها عن كييف، وهي في الجنوب الشرقي من أوكرانيا على الحدود مع روسيا، وجميع سكانها موالين لموسكو، خشي هؤلاء من تسلط حكومة اليمين المتطرف في كييف؛ خاصةً بعدما أصدرت كييف أولى قراراتها، بإلغاء اللغة الروسية، كلغةٍ ثانية في البلاد، مما يعني بدء صراع القوميات بين سكان الشرق ذات الجذور الروسية، وسكان الغرب أصحاب الجذور الأوروبية.

الانفصال أدى إلى نشوب حربٍ في منطقة دونباس بين المتمردين الانفصاليين التابعين لموسكو، والحكومة المركزية في كييف التابعة لواشنطن، في الوقت الذي قامت فيه روسيا بالتدخل العسكري في شبه جزيرة القرم، كتلبيةٍ سريعة لمناشدات سكان المدينة ذات الحكم الذاتي، خوفًا من الحكومة الجديدة في كييف وقد اعلنت انفصالها عن كييف في استفتاء شعبي والانضمام إلى روسيا.

ميناء سيفاستوبول في القرم، هو مقر أسطول البحر الأسود الروسي منذ روسيا القيصرية، شبه الجزيرة هذه تقع في جنوبي أوكرانيا، وشمال البحر الأسود، كانت أحد أراضي روسيا القيصرية منذ القرن الثامن عشر، وتُعد المدخل الرئيسي إلى موسكو.

وعلى هذا فعودة القرم إلى البيئة الروسية، يعني تأمين النفوذ العسكري الروسي على البحر الأسود، ومن ثم تأمين النفوذ الاقتصادي الروسي، حيث تمر خطوط أنابيب الغاز الروسي إلى ليالي أوروبا الباردة، عبر البحر الأسود.

لم يعترف الغرب بانفصال القرم عن أوكرانيا، وتم قطع كافة علاقات التعاون مع روسيا، وعادت العقوبات الاقتصادية الأوربية والأمريكية، في محاولةٍ لعزل روسيا اقتصاديًّا، وتوعدت إدارة أوباما بعدم رفع العقوبات عن روسيا، قبل عودة القرم إلى أوكرانيا، ولا تزال سلسلة العقوبات هذه مستمرة إلى الآن، وكلما أراد ترامب فرض عقوباتٍ اقتصادية جديدة على موسكو، من أجل تحجيم تحركاتها الجيوسياسية على رقعة الأوراسيا، يستدعي رواية القرم كذريعةٍ لهذه العقوبات. 

يتبع