محمد بولعيش

الواقع الوطني لا يدفع للتفاؤل ولا يوحي إلا بالإحباط والتيئيس و… الانتفاض لمن استطاع إليه سبيلا، واقع عنوانه العريض : تراجع في تراجع : تدهور في القيمة التعليمية للمدرسة المغربية من الابتدائي إلى الجامعة، تدهور في صحة المواطنين والمرافق الاستشفائية، خوصصة للمرافق العامة وفتح الباب على مصراعيه أمام الرأسمال “الوطني” (المبَيَّض بالأساس) والأجنبي (ومن ضمنه الصهيوني) حتى في القطاعات الاجتماعية “المحرمة”، إثقال كاهل المواطنين بمزيد من الضرائب والزيادات في الأسعار، وإعفاء “كروش الحرام” منها أو تهربهم العلني من أدائها بسياسة “عفا الله عما سلف”، استشراء الريع والفساد وتبادل المواقع والمنافع بين “الشركاء” السياسيين والاجتماعيين ،،،
تراجع مفزع لمجال الحريات وحقوق الإنسان، والتوزيع العادل للهراوة والقمع الذي لا يستثني أحدا أو فئة أو …
استبداد استعاد عافيته بعد أن أنهكته مؤقتا حركة 20 فبراير المجيدة بتجربتها الرائعة والمستمرة عبر أشكال أخرى من الاحتجاج والمقاومة والحراكات في جرادة وزاكورة والريف، واسترجعت أذرعه الأخطبوطية قوتها وجرأتها لتلتف على كل المرافق والمؤسسات بجعل كل شيء يسير بغطاء صاحب الجلالة: حكومة ومعارضة وقضاء و .. وكأننا في وطن أصبح لهم لا لغيرهم …
النظام المخزني بروافده السياسية (سلطة وأحزابا وإدارة) والمالية (الريعية وغيرها) والدينية والأمنية/العسكرية سيستمر في بسط هيمنته ونفوذه وفي اختراق التنظيمات المعارضة له، وهذا أمر عادي جدا تمليه طبيعة الصراع من أجل البقاء وضمان الاستمرار، وفي هذا الصراع السيزيفي لا يجد النظام أمامه في المواجهة المباشرة إلا فئات شعبية تحتج وتنتفض عندما يصل “السكِّين إلى العظم”، لكن جذوة ذاك الاحتجاج وهذا الانتفاض سرعان ما تنطفئ شرارتها بفعل القمع أو المناورة المخزنيين أو التخلي والابتعاد ممن يفترض فيهم الدعم والسند والتأطير، وأحيانا تبادر بعض القوى هنا أو هناك للتعبير عن الرفض والمقاومة والتحدي لكن دون كبير تأثير لضعفها أو عجزها أو غياب الوضوح وانعدام طول النفَس …
واقع تغطي فضاءه ومجالاته مؤسسة المخزن التي تجمع بين السلطة – بكل تفرعاتها – والمال والدين وتوزع “نفوذ”ها حسب الحاجة والطلب، لاجئة إلى أسلوبَي الترهيب والترغيب والاستقطاب بضبط الحلقات الضعيفة والانتهازية في التنظيمات الممانعة بتوهيمها أنها “مقبولة” في انتظار عصرها ورميها في مزابل التاريخ، مستمدة “شرعيتها” من حقب قروسطوية ميزها الحكم الفردي والاستبداد في أجلى مظاهره .
واقع يتناقض تمام التناقض مع متطلبات العصر ومستوجبات التقدم والتطور، يتناقض وما يتم التطبيل له والتغني به من ديموقراطية وحريات وحقوق إنسان ومواطنة وحداثة عبر وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية المتحكم فيه عن بعد وعن قرب، وعبر أصوات “كاريين حناكهم” (وماشي غير حناكهم !!!) و”النكافات” و”العياشة” و”الشباب الملكي” …
هذا واقع حاولت رسم بعض تجلياته، وهو يستدعي – بطبيعة الحال – المواجهة والمقاومة، فهل نحن – كيساريين وديمقراطيين – في مستوى التحدي؟ هل نحن قادرون على إيقاف النزيف المجتمعي ودواليب الطاحونة المخزنية، طاحونة الفساد والاستبداد، عن الدوران ؟
ما أوجزته سابقا جزء واضح من واقع يستعصي على الارتفاع، بل هو سادر في التردي، متعدد في التجلي، متماسك في دعاماته وأركانه … لكنه في نفس الوقت – وهذا هو الجدل – يحمل في دواخله عناصر الانفجار والتآكل، بشرط أن توجد قوى (العامل الذاتي) قادرة على تسريع عملية إيقاف النزيف والتردي والرداءة! فهل هاته القوى موجودة؟ وهل هي قادرة على تحمل مسؤولياتها تجاه الجماهير وتجاه التاريخ الذي لن يرحمها في محاكمه التي لا رادّ لأحكامها !
فإذا كان الواقع العام (الموضوع) على هذا المستوى من الفظاعة والقتامة فهل واقع اليسار (الذات) – وهو المعني أساسا بخوض المعركة لتغيير هذا الواقع العام – في وضعية تؤهله لتحمل مسؤولياته التاريخية التي تحدثت عنها آنفا ؟ بالتأكيد لا! فواقع اليسار حاليا لا يبعث على الارتياح نهائيا (وهذا لا يمكن ليساريَيْن اثنين أن يختلفا حوله) ووضعيته لا يحسد عليها …
يمكن ضبط عدد من تجليات هذا الواقع الرمادي في عدد من المظاهر التي لا يمكن – أيضا – الاختلاف عليها في نظري لأنها تفقأ العين المجردة والجميع يكاد يعترف بها :
1- يسار متشرذم ومنقسم ومنشطر ، لا تمر فترة دون أن تزداد أزمته – وبالتالي تمزقه – استفحالا، ليصل إلى واقع فيه العشرات من الأجسام ما بين الأحزاب والحركات والتيارات والفصائل، لا رابط بينها سوى الصفة (يسارية) .
2- يسار اطرافه متنابذة متصارعة في الساحة السياسية والجامعة وهيئات المجتمع المدني، مغلبة التناقضات (أو بالأحرى الاختلافات التي تتحول إلى تناقضات!) الثانوية على التناقض الرئيس مع النظام وأزلامه، ويصل هذا الصراع إلى حد العداء والقطيعة بل حد الاقتتال أحيانا .
3- يسار يعطي الأولوية للصراع الإيديولوجي بين مكوناته، مفضلا الانحباس داخل القوقعة الإيديولوجية التي لا يمكنها إلا أن تبقي وضعه على حاله إن لم تزده انحلالا وتفككا، فالاختلافات بين “الاشتراكي” و”الماركسي” و”الماوي” و”التروتسكي” و”القاعدي” … – رغم الانتماء الجمعي إلى الأسرة اليسارية – تجعل “التلاقي” بين هاته الفصائل اليسارية شبه مستحيل إلا في حالات استثنائية جدا .
4- تغييب النقاش السياسي الذي به وعبره يمكن ملامسة الواقع الرهيب الذي نعيشه، تغييبا يكاد يكون تاما، رغم ما تدبجه بياناتنا وبلاغاتنا من مطالب وشعارات واستنكارات وتنديدات واحتجاجات، وبالتالي تغيب المبادرات السياسية التي من شأنها تجميع أطياف اليسار وتقليم أظافر الاستبداد وتخفيف وطأة الفساد إلى أن …
5- اعتقاد هاته الفصائل أنها وحدها مالكة للحقيقة، وغيرها على ضلال، عوض اللجوء إلى قانون النسبية وخصلة التواضع للبحث عن موقع قدم للتوافق فيما بينها على برامج حدود دنيا للتعامل والممارسة والنضال .
6- تسييد سياسة الصراع والإقصاء في الجمعيات والنقابات والأحزاب والحركات داخلها وفيما بينها، عوض التوحد لمواجهة الانحراف والتسلط والريع والدفع في اتجاه خدمة الصالح العام، مصلحة الجماهير .
هذه بعض من تجليات هذا الواقع اليساري البئيس (هناك عناصر أخرى بالتأكيد لكني أكتفي بهذا القدر)، وهذه بداية نقد ذاتي أقدمه شخصيا كأحد المناضلين اليساريين المعنيين بهذه الوضعية، فهل قدرنا أن نسير على هذا الصراط إلى ما لا نهاية؟؟
واقع اليسار هذا لا يمكنه أن ينتج مقاومة ناجعة، لا يمكنه أن يحدث تغييرا جوهريا في بنيات النظام المخزني، وعجز اليسار هذا – الذي “تبرره” العوامل التي تحدثت عنها سابقا – لا يمكنه إلا أن يترك “فراغا” في الساحة لمواجهة الاستبداد والفساد، وبما أن الساحة – كالطبيعة – لا تقبل الفراغ فإن قوى أخرى تحمل مشروعا مجتمعيا مناقضا لمشروع اليسار هي التي تملؤه .
وعندما لا تجد قوى اليسار ما تفعله أو حين تعي بعجزها السياسي وعدم قدرتها على تحقيق ما تسطره من أهداف هي مبرر وجودها (إحداث التغيير أو الثورة) تبحث عن مجالات أخرى تفرغ فيها طاقاتها المعطلة: في العمل الجمعوي والحقوقي والنقابي (على أهمية هاته المجالات وضرورتها) لأن كلفته أرخص وصورته أوضح وقد يُدِرّ بعض الدخل، بعض الريع، أو تدخل في صراعات تنافسية بينية على مراكز النفوذ في هاته الهيئات أو على الاستفادة من الحركات الاحتجاجية عبر الاستقطاب والانفراد في التوجيه (حركة 20 فبراير نموذجا)، أو عبر وضع خطوط حمراء تضع فيه بعضها البعض.
وهذا الواقع يسهل مامورية النظام في صراعه مع قوى المستقبل، قوى اليسار، فيتحين بها الفرص استقطابا (لا أحتاج لإعطاء أدلة على هذا) وإغراءاً و”تنصيبا” (الأمثلة كثيرة) واختراقا (التراجعات الواضحة عن قضايا مبدئية والانحرافات الملاحظة تدل عليه) …
وإذا كانت السياسة القمعية المخزنية تتحمل قسطا من المسؤولية في إضعاف حركة اليسار لكنها لا تتحمل كل المسؤولية، بل قد تكون أحيانا سببا في تقويتها وصلابة عودها، ألم نردد ولا زلنا : “من قلب السجون ينبع الثوار” و”القمع لا يفنينا”؟
إذا، لنبحث عن الآسباب الذاتية لضعفنا وعجزنا لتجاوزهما عوض أن نجعل المخزن وحده شماعة نعلق عليه أعطابنا وانحرافاتنا.
وحل المعضلة/أزمة اليسار ليس تنظيميا، ولا يكمن في تشكيل حزب آخر ينضاف لتلك القائمة، لأن المسألة التنظيمية تأتي في آخر المطاف وليس في بدايته !
فالمطلوب حاليا – كضرورة موضوعية – هو فتح الأبواب (أبواب مكونات اليسار) على مصراعيها للترائي والتواصل بين مختلف فصائل اليسار المتعدد … المطلوب الإنصات إلى آراء الآخرين وفهم ما يقولونه … المطلوب دراسة وتحليل أطروحات كل الأطراف للوقوف عند غثها وسمينها وتبادل الرأي حولها دون إصدار أحكام قطعية بصددها … المطلوب إعمال قانون النسبية في التقييم والحكم والتقويم وفق هاته المنهجية: “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”!
المطلوب حاليا التخلص من المعيقات التي حاولتُ تحديدها سابقا، وخلق أجواء من الثقة بيننا بقبول اختلافاتنا وعدم جعلها شروطا مسبقة أو خطوطا حمراء لا سبيل للتنازل عنها (فالبقاء للمبادئ والقيم وليس للأفكار والتقديرات والأحكام) … المطلوب تكسير الحواجز النفسية، حواجز التوجس والتخوف من السقوط في المحذور … تجاوز إعاقات الماضي ورواسبه التي قد تكون خلفت جراحا ونذوبا … تجاوز إعاقاتنا الذاتية والاختلالات المزمنة التي كلّست ممارستنا وتفكيرنا، ونمارس – بجرأة وشجاعة كبيرتين – المبدأ الذي طالما شنف أسماعنا وفقأ عيوننا وملأ أفواهنا: النقد والنقد الذاتي، لأنه هو الكفيل بتقويم ممارستنا وحمايتها من الانزلاقات وتصحيح أفكارنا، وأن نجعل من منهاج: “وحدة – نقد – وحدة” ديدننا لبناء العلاقات البينية.
المطلوب التركيز على ماهو سياسي في البحث عن الحدود الدنيا في ممارساتنا (بتحديد الأهداف والوسائل) والتلاقي ميدانيا للدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ودعم نضالات الجماهير وحركاتها الاحتجاجية دون تبخيس لدور أحد أو غلو في تقدير الذات، ودون محاولة ركوب على هاته النضالات …
المطلوب وضع مصلحة البلاد والجماهير الشعبية فوق كل اعتبار، وتغليب هاته المصلحة يوحد ولا يفرق ويكسبنا مصداقية أمام هذه الجماهير تعود إليها بها ثقتها بالعمل السياسي وضرورته، وبها تخوض غمار معركة التغيير الديمقراطي وتقرر مصيرها …
أعتقد ألا مكان في مثل هكذا مبادرة ل”يسار صاحب الجلالة”، ولا للذين اتخذوا من المخزن حسيبا، ومن ريعه نصيبا، ومن إغراءاته مكسبا، ومن سياسته مذهبا … كما لا مكان لمن تحوم حولهم الشبهات تزلفا للنظام المخزني أو استفادة من إنعاماته أو تقربا من أزلامه حتى لا تبدأ عملية إعادة تأسيس اليسار – وهي ضرورة راهنة مستعجلة وملحة – بشكل أعوج أو ملتبس !
وحتى لا تضيع منا فرصة “إصلاح ما أفسده الدهر” كما ضاعت فرص سابقة فنقعد ملومين محسورين …
البداية تنطلق – فيما أعتقد – من فتح نقاش بين مناضلي اليسار(وليس بين تنظيماته لصعوبة أو بالأحرى استحالة ذلك في الظرف الراهن) حول الواقع العام وضمنه واقع اليسار على أساس الارتقاء بهذا التبادل إلى مستوى تحديد الغايات وإطلاق المبادرات محليا وجهويا للعمل الوحدوي القاعدي بتوفير شروط النجاح لها بالتركيز على برامج حدود دنيا ممكنة وفقا للمنهجية المميزة للمرحلي عن الاستراتيجي ووضع الأول في خدمة الثاني لا العكس ، وتأجيل النقاش الإيديولوجي للصيرورة تعالجه وتحدد مداه ، إذ لا أحد وحده – والحالة هاته – قادر على خوض غمار معركة التغيير الديمقراطي وتحقيق نتائج ناجعة في الساحة الوطنية ، فلا بد – إذن – من تضافر الجهود لتحقيق تلك الغايات ، وما لا يُدرَك كله لا يُترَك جلّه كما قال الفقهاء .
ولهذه الانطلاقة -فيما أرى – مداخل ، يمكن تحديد بعضها في :
1- قراءة التجارب السياسية السابقة برؤية نقدية لأخذ العبر منها وتجاوز أعطابها ، والقيام بنقد ذاتي مستلهمين ما قام به الشهيد المهدي بنبركة في “الاختيار الثوري” بكل جرأة وصدق ، لأننا إذا ظللنا نجر الأخطاء سنعيد إنتاج الواقع لكن بصورة مشوهة .
2- الكف عن البكاء على الأطلال والحنين إلى ماض ولّى ولن يعود ، فلا الاتحاد الوطني سيعود كما كان ولا الاتحاد الاشتراكي ولا “إلى الأمام” ولا “23 مارس” ولا منظمة العمل” ولا غيرها ، إذ هاته التنظيمات والتجارب أصبحت ملكا للشعب والتاريخ ، وقراءتها أو دراستها تدخل في باب المعرفة والاستفادة من دروسها ، وليس إحياؤها أو بعث الحياة فيها مجددا .
3- الوقوف عند التجارب الوحدوية أو التوحيدية أو التحالفية وإخضاعها للدراسة والتحليل والنقد لنستفيد من إيجابياتها إن وُجِدت ، وتفادي الأخطاء التي سقطت فيها ، وهي كثيرة . وفي هذا الصدد لا بد من الوقوف عند تجارب الكتلة الوطنية والكتلة الديمقراطية ، وتجربة اليسار الموحد ثم الاشتراكي الموحد وتجمع اليسار الديمقراطي وفدرالية اليسار الديمقراطي وما تراها لضبط أسباب توقفها أو فشلها أو ضعفها …
4- البدء – سواءبخصوص النقاش أو المبادرة – بالمستوى المحلي والانتقال بهما تدريجيا إلى الجهوي فالوطني متى وأينما نضجت الشروط ، فنتفادى هكذا البناء الفوقي ، بعقد اتفاقات وتوافقات بين القيادات في بروجها العاجية ويبقى المناضلون في القواعد عبارة عن جنود يتحركون بمشيئة الربابنة والشيوخ والجنرالات … وهكذا نضمن لأنفسنا أن ينطلق البناء من الأسفل ، من القاعدة ، ليصل إلى الأعلى ناضجا سليما ، وبهذا تتشكل تلقائيا وميدانيا لكل مرحلة قيادتها (تنظم النقاش وتنسق بين المبادرات) محليا فجهويا ثم وطنيا تُضَخُّ فيها دماء جديدة وتفرز كفاءات ميدانية ، إذ البقاء للشباب أولا وأخيرا .
لا شك أن عملية “التصالح مع الذات” والانخراط في نقاش محتمل (لضرورته وملحاحيته) بين مناضلي اليسار المتعدد بالشكل الذي تحدثت عنه سابقا ، والذي أعتقد أنه الأفيد في المرحلة الراهنة ، عملية صعبة ومعقدة … صعوبة ناجمة عن عقود من التباعد والتناحر من الجامعة واالمعتقلات إلى الساحة الوطنية ، خلفت ما خلفته من حزازات وجراح علينا اليوم تجاوزها بنقد شروطها وأسبابها (بالمناسبة يتحمل المناضلون اليساريون بكل فصائلهم مسؤولية “ضياع” الاتحاد الوطني لطلبة المغرب – وها قد تم استرجاع مقره المركزي ولا من يشغله – برميه لقمة سائغة في أفواه الظلاميين وإعطاء الصدارة للاختلافات البينية الفكرية والإيديولوجية عوض التناقض الجوهري مع النظام وقوى الظلام ، ضدا على مصلحة الطلبة والجامعة ، متناسين أن أ.و.ط.م نقابة وليست حزبا ولا يمكنه أن يتحول إلى حزب) . وهذا – فيما أرى – هو جوهر المانيفيستو الذي سبق أن أصدره المناضلون اليساريون (بيان من أجل إعادة تأسيس اليسار المتعدد) كدعوة صريحة للحوار والتبادل والنقاش بين مناضلي اليسار بكل تلاوينه ، بهدف الخروج من هذا الوضع الشاذ وهاته الأزمة التي طال أمدها ، وحان وقت استرجاع اليسار عافيته وعنفوانه لإيقاف التدهور والرداءة وفتح آفاق واعدة ونوافذ على غد أفضل ، وما ذاك على اليسار بعزيز ، إن توفرت طبعا الإرادة السياسية وبعد النظر والخروج من قوقعة الذات …
أما المسألة التنظيمية فهي متروكة لمرحلة لاحقة تمليها الضرورة وتقدم النقاش وتطور الصراع مع النظام المخزني وركائزه وقوى التخلف والارتداد والظلام ، وكذا طبيعة العلاقات التي سيتم نسجها بين المناضلين ميدانيا … فقد تكون الحاجة ملحة إلى تأسيس حزب موحد أو تحالف أو حركة سياسية اجتماعية واسعة أو تجمعا أو جبهة أو … فالأشكال التنظيمة ستبقى رهينة إبداع المناضلين الممارسين أنفسهم وحاجاتهم النضالية واللوجستيكية في علاقة جدلية بين الواقع والذات ، بين الفكر والممارسة ، بين الطموح والممكن …
هاته السطور – بحلقاتها السبع – هي محاولة متواضعة مني لمناقشة واقع اليسار واقتراح بعض المنافذ تنفتح على مستقبل مغاير ، باعتباري مناضلا يساريا معنيا بيصير اليسار … من الممكن أن يكون ما عبرت عنه صادما أحيانا (للبعض) ، مستفزا أحيانا أخرى (للبعض أيضا) ، لكن “الغاية تبرر الوسيلة” وصراحتي غير قابلة للمراجعة ، وإن كنت مؤمنا أشد الإيمان أن “رأيي صواب يحتمل الخطأ” كما لم أتوقف عن تكراره ولن أمل من إعادته …
وقد تكون لي عودة إلى الموضوع حين تنضج أفكاري بشكل أفضل .
تحياتي (انتهى)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube