شرقاوي

د. محمد الشرقاوي – واشنطن
أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقا.

قبل لقاء الملك محمد السّادس مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن في البيت الأبيض في 22 أبريل 2002، أصدر البيت الأبيض بيانا يقول إنّ “الزيارة ستسلّط الضّوء على الصّداقة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والمغرب، وتقوّي شراكتنا الإستراتيجية.” وقتها، سألني أحد الأصدقاء الأمريكيين، وكان مسؤولا رفيع المستوى في وزارة الخارجية، عن رأيي في طبيعة التحوّلات التي ظهرت في الأعوام الثلاثة الأولى من حكم الملك الجديد. فرددتُ بالقول إنّ “هناك تفاؤلا لدى النخبة السّياسية وتوقّعات كبيرة لدى المغاربة لما أظهره الملك من إرادة الإصلاح وتحقيق التنمية.” وأضفتُ عبارة مهمّة، أتأمّلها الآن مليّا بعد مرور قرابة عشرين عاما، أنّ “نجاحه سيتوقّف على مدى التمسّك بتحقيق الانفتاح السياسي، وتجديد منظومة الحكم وأدوات الحكم، وإدارة بعض الملفّات القاتمة.” كانت واشنطن تعتبر المغرب بلد إصلاحاتٍ واعدةٍ وانفتاحٍ سياسيٍ نموذجيٍ مقارنة مع دول عربية وأفريقية أخرى تبحث عن طريقها نحو النموّ. وبعد عاميْن من اجتماع البيت الأبيض، توصّلت واشنطن والرباط إلى إبرام اتّفاقية التبادل التجاري الحر، أهمّ اتفاقية في تطوّر العلاقات الأمريكية المغربية منذ عام 1777.

كانت نبرةُ الاستبشار بالعهد الجديد متواترةً في أحاديث المغاربة من مختلف الأطياف في الدّاخل والخارج. وانتبهت العواصمُ الأجنبيةُ الكبرى إلى مسارٍ مغايرٍ عن العقود الأربعة السابقة، ومُنفتحٍ على فلسفة المواطنة والتعددية والحرّيات العامة وحقوق المرأة والتنمية. وانشغل عدد من الباحثين في مراكز التفكير المؤثّرة في الولايات المتحدة وأوروبا بدراسة أوجه التغيير في منظومة الحكم الجديد مقارنة بحقبة الرّاحل الحسن الثاني. فكتب ستيفن هيوز في مؤلّفه “المغرب تحت حكم الحسن” يقول إنّ “الملك الجديد، بعد فترة وجيزة من تولّيه السلطة، أثار إعجابَ الكثيرين برغبتِه في الاستماع، واهتمامِه بالتّكنولوجيا المتقدّمة، وطريقتِه المريحة عندما لا يكون مُحاطًا برجال الحاشية، واهتمامِه المتعاطف بتحسين الوضع الاجتماعي للفقراء.”

العهد الجديد في حديث العواصم

دارت بين الأوساط السّياسية والأكاديمية هنا في واشنطن وعواصم غربية أخرى مقارناتٌ متواترةٌ بين مَلِكيْن شابيْن بين غرب وشرق العالم العربي، في بلدين لا تُخزّن أراضيهما ثروة البترول أو الغاز، ولا يشهد ناتجهُما الإجمالي المحلّي معدّلات نموّ مرتفعة قياسا بدول أخرى في الجوار الإقليمي. وخلصت بعض المقارنات إلى أنّ المغرب والأردن مثالان على نظاميْن ذكييْن استخدما بمهارة سلطة “الأمس الأبدي” و”ملَكَة النّعمة الشخصية” للحفاظ على الشّرعية الأساسية لنظاميْ حُكميْهما، وهي مفاهيمُ استنبطها عالمُ الاجتماع الأمريكي شارلز ميلز من دراسته للأعمال الفكرية للمنظّر الألماني ماكس فيبر.

كانت فلسفة الحكم خلال السنوات الثلاث الأولى قائمةً على التعدّدية والتوافق بوجود عبد الرحمان اليوسفي رئيسا للوزراء وقائدا لليسار الاشتراكي في أواخر سنوات أَلَقِه الفكري والسياسي. وكانت أجواءُ القصر حيوية بجدلية مثمرة بين رجال المرحلة التجديدين ورجال المخزن التقليديين، أو من يمكن اعتبارهم إصلاحيين ومحافظين على الطريقة المغربية ولو بشكل غير رسمي، بما يقترب من سجال الطّروحات المتنافسة والرّؤية متعددة الزوايا قبل اتّخاذ القرار. فكانت معركةً خفيةً بين الأجنحة في محاولات التّأثير على قرارات الملك: جناح الانفتاح والمصالحة وتحديث الملكية والاستثمار في رأسمالها السياسي عند الشعب مقابل جناح أصرّ على مواصلة الحكم بنفس أدوات التحكّم وتبريرات الواقعية السياسية.

كان الملك يريد اجتهادات جديدة لمغرب متصالح مع ذاته وماضيه، وتمسّك بحقوق المرأة في مواجهة مظاهرات ودعوات قاومت التغيير، وحاولت استدامة هيمنة التركيبة الباترياركية بتبريرات ثقافية أو دينية. وانعكس هذا الديالكتيك في قرارات غير مسبوقة جسّدت منحى الملك نحو الابتكار في منظومة الحكم، مثل إصلاح مدونة الأسرة، وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة التي كانت أوّل تجربة عربية في مجال المصالحة الوطنية وترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع، فضلا عن رفضه اقتراحا من بعض المقرّبين بحلّ حزب العدالة والتنمية. فشهدت سمعة المغرب تحسّنًا ملموسًا، وارتفع رأسُماله السياسي والدبلوماسي في منشورات مراكز التفكير المختلفة وتقارير وزارة الخارجية وعدد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وقياس مؤشّرات الديمقراطية. وتقول مارينا أوتاوي في دراسة نشرها مركز كارنيغي بعنوان “المغرب: من الإصلاح الهرمي إلى الانتقال الديمقراطي” إنّ “الإصلاح السياسي في العالم العربي يأتي على رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية، وغالباً ما يُذكَرُ المغرب مثلاً باعتباره بلداانتقل بنجاح نحو الديمقراطية بقيادة ملك منوَّر.

لكن بعض الحرس القديم كانوا يحاولون إثارةَ حفيظته وثنْيَه عن الإصلاح وتغيير نسق الحكم بالتّلويح أمامه بمقالات نقدية تناولت حقبة والده الراحل، وسلّطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان ومظالم أخرى في العهد القديم. وبدأ من وُصف وقتها ب”الوافد الجديد” في تقليص دائرة تأثير منافسيه على اهتمام أذن الملك، والتّلويح بخطر الإسلاميين، وتبرير إجراءات أخرى بدواعي حماية الملكية. فسعى لاستقطاب أصناف معيّنة من المثقفين والصحفيين وأعضاء الأحزاب اليسارية للترويج لمشروع “حداثة” لم تنجح في المحصلة النهائية في بلورة فلسفة قائمة بذاتها فكريا وسياسيا، بقدر ما قامت على مجرّد فكرة التناقض مع مشروع الإسلاميين.

بين 2007 و2016، تمّ تسخير مبالغ مهمّة من موارد الدولة في تمويل مشروعيْن سياسييْن متعثّريْن حتى اليوم: “حركة كل الديمقراطيين” و”حزب الأصالة المعاصرة” الذي جاء في المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة. في المقابل، كان الجناح الإصلاحي في القصر يدرك صعوبة تحرير النسق المخزني من منحاه التقليدي والتقليداني بموازاة امتداداته داخل أجهزة الدولة العميقة ووجود مصالح مشتركة بينهما. وكان من أوّل المؤشّرات على تنامي هذه المَخْزَنَة الجديدة Neo-Mekhzenism قرارُ الاعتماد على شخصيات تكنوقراطية مخلصة لمخزنيتها القديمة الجديدة، وتجاوز فلسفة التناوب، وإنهاء ما كان بمثابة نواة حيوية لجدلية هيغيلية سياسية في محيط الملك.

أماراتٌ أولَى لحقبة الأمننة

كانت أحداث 16 ماي 2003 والمخاوف الأمنية اللاحقة ورقة تبريرية عزّزت غلبة الجناح المحافظ والمخزنيين الجدد، وحوّرت مسار المغرب نحو ممارسات قديمة. وتقول دراسة نشرها معهد البروكينز في واشنطن إنّ تلك الأحداث “ساعدت في تحفيز عودة ظهور قوات الأمن وأثارت فعليا عودة محدودة للممارسات التي اتّسمت بها سنوات الحسن الثاني: الاحتجاز غير القانوني والتعذيب والقمع للمعارضة الإسلامية.” وكلّما راج خطاب “الحرب على الإرهاب” في العلاقات الدولية آنذاك بإيعاز من المحافظين الجدد في واشنطن الذين افتعلوا حرب العراق، غدا الهاجس الأمني وتحسّب وجود خلايا متطرّفة محور السياسات العامة في المغرب حتى الآن، وصار التعاون في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب والحد من الهجرة أهمّ أضلاع سياسته الخارجية إزاء الولايات المتحدة وأوروبا. فارتفعت أسهم النسق الأمني بفزّاعة “القاعدة” لسنوات، قبل قيام “داعش” منذ 2014، على حساب أنساق الحكامة المنشودة في العهد الجديد.

مرّت السنوات تباعا بتقلّص مستوى الآمال التي انتعشت في الأعوام الثلاثة الأولى. فنشب الزّلزال السياسي فجأة بفعل الانتفاضات الشعبية في يناير 2011. وردّدت شوارع الرباط والدار البيضاء وغيرهما صدى الهتافات بضرورة إنهاء الفساد والمطالبة برحيل أسماء معينة من حاشية الملك ضمن خطاب “إرحل” ضمن حراك “الربيع العربي”. في مقالة تحليلية بعد عشر سنوات بعنوان “أملٌ في مصالحةٍ وطنيةٍ مغربيةٍ” (منشورة في 28 فبراير 2021)، أوضحتُ كيف أنّ حركة 20 فبراير “اختزلت أكثر من بقية ديناميات الحراك المغربي نبضَ المطالب الشعبية. وجمعت بين بُعديْن استراتيجين قلّما يجتمعان في حركة ابتعدت عن مغبّة استغلالها من قبل بعض الأحزاب: أوّلا، الانطلاقُ من رؤية محدّدة وبرغماتية للتّغيير وتحديد مكامن الفساد وأثريائه بمنطلق سلمي وقناعات غير مسيسة فوق المناورات الحزبية. ثانيا، تبنّي التّغيير القابل للتحقيق ضمن إطار ملكية دستورية، بما يجاري نظرية التحوّلات الديمقراطية المتدرّجة ضمن مفهوم Arab transitology أو التحوّل العربي المتدرّج الذي برز في عدد من الدّراسات الغربية خلال عام 2011. وتقوم هذه الفكرة على شيوع نظرية تصبو لأن تكون “عالمية” لإرساء الديمقراطية، وإمكانية دراسة عمليات الدمقرطة ذات الصّلة في سياقات اجتماعية مختلفة، مثل تجارب دول أوروبا الشّرقية ودول أمريكا اللاتينية عقب حقبة نهاية الحرب الباردة.”

سارع المغرب إلى إدارة المرحلة بقرار تغيير الدستور وإجراء انتخابات جديدة في فترة قياسية، وسط التّلويح بالاستثناء المغربي باعتباره أحد الأنظمة الملكية الثمانية التي عايشت المرحلة بفرضية الاستقرار والإبحار بسلام. وفي دراسة بعنوان “الربيع العربي للمغرب” نشرها معهد الشرق الأوسط في واشنطن، لاحظ الكاتب جيمس ساتر أنه “يبدو أنّ الملكية سجّلت نقاطا مهمّة في تعاملها مع الربيع العربي. فقد بلور الملك صورته كحاكم ذي عقلية إصلاحية، وأعيد تأكيدُ الاستقرار السياسي قبل ظهور شكوك جدّية. وتُرجمت الرّوح الثّورية للربيع العربي إلى إصلاحات مفهومة وموجّهة من قبل الملكية.” واستعادت صورة المغرب بعض الانطباعات الإيجابية في أعين عواصم العالم التي ترقّبت أن تمضي الرباط قدما في خطط الانفتاح والإصلاح مقارنة بالأوضاع المتردية في ليبيا ومصر وسوريا واليمن. وكانت القراءات من الخارج تتفاءل بجدوى المرونة وتحديث الدستور التي أقرّتهما الملكية في المغرب إزاء تحديات المرحلة.

لكنّ مظاهرات حراك الرّيف في بداية 2017 ومشاهد الإنزال الأمني الكثيف في الحسيمة، وما تبعتها من اعتقالات وأحكام قضائية أودعت ناصر الزفزافي وبقية نشطاء الرّيف السجون بعقوبات ثقيلة، نالت من صورة المغرب، وأفقدتها بريقها في أعين العواصم الكبرى والمؤسسات الدولية التي بدأت تعيد تحليلها وتقديراتها لواقع المغرب الحقيقي والتنبيه إلى مجازفات النسق الأمني. وشدّد تقرير البنك الدولي على “ضرورة تحقيق روح الدستور الجديد ومبادئه بفعالية للمساعدة في تشكيل ملامح مجتمع أكثر انفتاحا وإنتاجية على المدى المتوسط والبعيد.

تلاقت في هذه المرحلة ثلاثةُ أمور فرضت نفسها على منظومة الحكم: اهتمامُ الملك بأحواله الصّحية، وإطلاقُ يد من وضع فيهم الثقة من المقرّبين في تدبير تحدّيات المرحلة، وتقلّص قنوات التّواصل المباشر بينه وبين بقية رجال القصر. وأبدت السنوات الأربع الماضية اتّكالا أكبر على النسق الأمني وتبرير السلطوية وإضعاف دور الأحزاب والمجتمع المدني أكثر من أيّ نسق آخر، على خلاف منطلقات الحكامة التي ظهرت في السنوات الأولى من العهد الجديد. فتحوّلت فلسفة الإصلاح وفلسفة الإنصاف والمصالحة إلى ما يشبه تسليما بالأمر الواقع: أمننةُ المرحلة وتكريسُ سلطوية جديدة بمنطق “طحن مُّو، سجن مُّو، واركل مُّو”، بداية بمصرع محسن فكري في شاحنة قمامة، ومحاكمة الزفزافي ورفاقه، واعتقال صحفيّي الرأي توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي، ونهاية بما حدث خلال مظاهرة الأساتذة المتعاقدين في الرباط.

أضحت التقارير الدولية تتحدّث عن تراجع منسوب الحريات العامة وتقلّص رأسمال السياسي بين الدولة والمجتمع في المغرب. وكان تصنيف المغرب ضمن مؤشّر حرّية الصّحافة العالمي المغرب في عام 2018 في المرتبة 135 من أصل 180 دولة، مقارنة بالمرتبة 133 عام 2017 و131 عام 2016. وتراجعت مكانة المغرب خلال عام 2020 إلى مرتبات متدنية في القوائم الدولية، فجاء في مجال التحوّل السياسي في المرتبة 104 من أصل 120 دولة شملها مؤشر بي تي أي BTI، بمجموع 3.68 من أصل 10 نقاط ، وفي مؤشّر الحكامة في المرتبة 88 من أصل 120 دولة ب4.4 من أصل 10 نقاط. وتبعا لهذه التحوّلات، تقلّص الأمل في فلسفة الإصلاح والتجديد التي انتعشت بين 1999 و2004.

تساءلتُ قبل أكثر من عام في مقالة بعنوان “سبع مفارقات في العقل السياسي المغربي” (منشورة في فبراير 2020): “هل هي شيخوخة سياسية غير معلنة لمغرب 2020، إذا احتسبنا تآكل رأس الحربة السّياسية في الخارج، والاتّكال على المطرقة الأمنية في الداخل؟ ثمّة مؤشّرات أخرى على زمن الانتكاسة كتزايد الفجوة بين الدولة والمجتمع، وضياع البوصلة في التعامل مع حراك الرّيف ومعتقلي الرأي وسط تأرجح الموازين السياسية والمجتمعية منذ 2011، وغلبة الحرس القديم على دعاة الانفتاح على العصر وإصلاح النسق المخزني في القصر منذ 2003 حول ملك كان يفضّل إصلاح مؤسسة الحكم وانفتاحها على روح قرن جديد.” هو الآن عهدٌ جديدٌ قديمٌ عند مفترق الطرق بين التقليدانية والسلطوية من جهة ونية الإصلاح والبناء الحداثي من جهة أخرى. لكن يخشى عليه عبد الرحمن ابن خلدون من أن يضعف أو يفقد البوصلة إذا غاب التّوازن المطلوب بين الشوكة والعصبية والجند والمال.

التّطبيع.. والاعتراف.. وحُجَّابُ الحقيقة!

في أواخر 2020، شهدت الدبلوماسية المغربية أهمّ اختبار لها في إدارة قضية الصحراء، منذ عام 1991 على الأقل،ّ في ظلّ تعثّر مساعي الأمم المتحدة في إيجاد حلّ سلمي متوافق عليه بين كافة الأطراف. وشهدت المفاوضات الثلاثية على مقايضة التطبيع بمقاييس معينة مع نتنياهو مقابل اعتراف ترمب بسيادة المغرب على الصحراء جولات عسيرة بين الرباط وواشنطن وتل أبيب بين 2018 و2020. وكان الملك يباشر المفاوضات باحتراس وتريّث قبل وبعد زيارتيْ جاريد كوشنير للرباط مرّتين خلال ثلاثة أشهر في ربيع وصيف 2019. واتّسم موقف الرّباط بالتماسك بعدم الاستجابة للضغوط الإسرائيلية والأمريكية والترغيب الإماراتي إلى حدّ تأجيل زيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو للمغرب أربع مرات خلال 2019. وكانت رسالة الملك واضحة برفض استقبال بومبيو ونتنياهو اللذين التقيا في لشبونة عشية سفر بومبيو إلى الرباط في أوائل ديسمبر 2019.

بحلول ديسمبر 2020، بدأت الفترة المتبقية لدونالد ترمب في البيت الأبيض تتقلّص إلى أربعين يوما فقط، وبدأت بعض الأصوات في حاشية الملك تلوّح بمقولة أنه “إذا لم نحصل على الاعتراف من ترمب، فلن نحصل عليه لا من بادين ولا من غيره من الروساء في المستقبل“، وتحمّسوا بشكل غير موضوعي أيضا لدور اللّوبي اليهودي الأمريكي في واشنطن الذي اعتقدوا أنّه “قادر” على تغيير ميزان القوة وبعثرة أوراق “الخصوم”، وتسهيل إتمام صفقة الطائرات المسيرة الأربع وأجهزة التدقيق في إصابة الأهداف العسكرية في ظلّ أحداث الكركرات وتحلّل جبهة البوليساريو من اتّفاق وقف إطلاق النّار. لم تكن لحظة تدقيق استراتيجي بارد في الرباط للسؤال: لماذا لم يساعد هذا اللوبي اليهودي في إعادة انتخاب ترمب لأربع سنوات أخرى، وهو الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد نقل السفارة الأمريكية إليها، وأيضا بسيادة إسرائيل على الجولان، ونجح في توسيع نطاق التطبيع من خلال اتفاقات أبراهام بين إسرائيل وأربع دول عربية.

تباينت غاياتُ الدّاعين في القصر في الرباط لإبرام صفقة التطبيع مقابل الاعتراف إلى فئتيْن: فئة تحمّست من فرط طول الانتظار، منذ خمسة وأربعين عاما، لتحقيق نصر دبلوماسي وازن يأتي من “دولة عظمى” بمقام الولايات المتحدة، وفئة ذات حسابات خاصة ورؤية نفعية عندما تعززت فكرة المقايضة باستثمارات أمريكية وخليجية وإسرائيلية بقيمة سبعة ملايير دولار. وفي المقابل، تمسكت شخصيات أخرى في دائرة الملك بحرصها على عدم الانزلاق في مجازفة سياسية غير مضمونة لا باتجاه واشنطن ولا باتجاه تل أبيب. لكن دعاة التطبيع كانوا مصمّمين على الثقة بوعود ترمب ونتنياهو دون تدقيق أو ما أسمتيها ضرورة “التّحفيظ السياسي” بمعاهدة جديدة يصدّق عليها مجلس الشيوخ على غرار التّحفيظ العقاري.

في نفس اليوم الذي نشر الرئيس ترمب إعلانه الرئاسي بشأن اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، نبّهتُ إلى الحاجة للاحتراس وطلب ضمانات حقيقية باعتبار أن للإعلان الرئاسي “دلالة ضعيفة من الناحية القانونية والسياسية في السياق الأمريكي، لسهولة إلغائه، وأنه “أداة عملية” في السياسة العامة، ويعدّ أمرًا رمزيا أو احتفاليا، ولا يرقى إلى مستوى معاهدة أو صيغة قانونية ملزمة يقرّها مجلس الشيوخ في الكونغرس،” وختمتُ مقالتي بعبارة “لا تدعوا لُعابكم يسيل بانتظار القنصلية، فينسيكم سموما أخرى في “هدية” ترمب.”

غلب على جلّ أهل الرباط سوءُ التقدر والاعتدادُ بقوّة ترمب المتخيّلة على حساب استحضار سيناريوهات مفترضة وخطط بديلة بعقل هادئ. وحضر منطقُ التهافت ومنحى النفعية لدى دعاة التطبيع بترقّب الاستثمارات، ووعود تطوير ميناء الداخلة، أكثر من الالتزام الوطني ومراعاة تضحيات المغاربة من أجل الصحراء لقرابة خمسين عاما. فجاءت الصفقة تنبني على خدمة مصالح فئة معينة، وليس بالضّرورة الوازع الإنساني أو “وخز الضمير” لغياب رحلات جوية مباشرة أمام اليهود المغاربة وكأنهم يتضوّرون من فرط اشتياقهم لنوستالجيا الماضي البعيد. ولم تكن فكرة تشييد خط جوي بين تل أبيب والدار البيضاء في أصلها لتسهيل “صلة الرحم” مع من يودّ زيارة المغرب من مجموع سبعمائة ألف إسرائيلي من أصل مغربي، بقدر ما تخدم المصالح التجارية لعرّابيْ الصفقة الأوّليْن رام بن باراك وياريف الباز. فكما لكلّ حرب أثرياء، لكلّ صفقة عمولاتٌ ووسطاءُ وأثرياءٌ حريصون على ساعة الدفع!

وطنيونونفعيونفي دائرة الملك

لم يُظهر دعاة التطبيع الشفافية المطلوبة وهم يجرّون يد المغرب إلى توقيع الاتفاق الثلاثي مع مائير بن شبات وجاريد كوشنير في الرباط في الحادي والعشرين من ديسمبر الماضي. ونفخوا في بعض التفاصيل غير الدقيقة أكثر من حقيقتها مثل التّلويح بأنّ نشر الاعلان الرئاسي لترمب في السّجل الفيدرالي Federal Registry، أو ما يقابل الجريدة الرسمية، ضمانةٌ قانونيةٌ على “أزلية” الاتفاق و”استحالة عدم الالتزام به” في المستقبل. ومرّت ستة أشهر في الترقب والانتظار دون مؤشر واضح على قرب تزكية حكومة بادين الاعتراف الموعود.

شملت أحاديث القصر حول صفقة التطبيع والاعتراف اجتهادات غير متجانسة بين ذوي المنطلقات الوطنية وذوي الحسابات والمنفعة الذاتية. وجاء السؤال الصارم: هل هو تطبيع يجدي، وهل هناك اعتراف سيأتي، فلِمَ الاستهتار بالرصيد السياسي والديني والرمزي لرئاسة لجنة القدس؟ ومن مفارقات التاريخ أن مشهد هذه السّجالات يشبه إلى حدّ كبير تباين النوايا بين الشخصيات الإحدى والأربعين الذين سافروا إلى فرنسا للمشاركة في في مفاوضات إيكس ليبان حول استقلال المغرب عام 1955. كان هناك وطنيون، وكان هناك نفعيون آنذاك في مفاوضات تحديد مستقبل المغرب “المستقل”، مما جعل الرّاحل المهدي المنجرة يصرخ في مكان غير بعيد من جامعة السربون “إنّها خيانة”. واليوم، تكشف صفقة التطبيع مقابل الاعتراف تقابل الموقف بين وطنيين ونفعيين بانتظار أن تنصف سجلاتُ التاريخ الجميع.

كانت أحداث حيّ الشيخ جراح في القدس الشرقية والقصف المتبادل بين إسرائيل وحماس بمثابة “ربّ ضارة نافعة” لقراءة جديدة لصفقة التطبيع مقابل الاعتراف في الرباط. في المقابل، جلس مائير بن شبات مستشار الأمن القومي مع رئيس الوزراء نتنياهو ورئيس الموساد كوهين ورئيس الأركان الجنرال كوخافي في غرفة لتحديد عمليات استهداف المواقع والمدنيين والمباني في غزة، وتناسى بسملته “الله يبارك فْعمر سيدي..” أثناء لقاء الملك في قصر الرباط. ولم يُرَاعِ أو يتذكر أن المغرب وإنْ وقع الاتفاق الثلاثي وأعاد فتح مكتبي الاتصال، فإنه لم يتخل عن موقفه من القضية الفلسطينية وحلّ الدولتين ووضع مدينة القدس، وأنه متمسك بالمسؤولية السياسية والدينية والحضارية التي ألقتها سبع وخمسون دولة في رابطة العالم الإسلامي على عاتق رئيس لجنة القدس.

واليوم، يحقّ للمغرب ملكا وشعبا أن يقلب الطاولة على بن شبات والسفير غوفرين ومن خلفهما نتنياهو وبقية الليكوديين والصهاينة بمن فيهم الصهاينة المغاربة، وأن يؤكد التزامه مجددا بمستقبل القضية الفلسطينية، ويطلق فصاحة سعد الدين العثماني في التعبير عن موقف الرباط بشكل مباشر، وينصت نتنياهو لأصوات المغاربة المتظاهرين ضد التطبيع في خمسين مدينة عبر أرجاء البلاد، ويمتدّ صوت خالد السفياني عاليا حتى تل أبيب بضرورة إغلاق مكتب التمثيل الإسرائيلي. وليس من المبالغة القول إنّ الزخم الجديد في موقف المغرب واستعادة البوصلة يرقى إلى “ثورة ملك وشعب” جديدة، عندما تتمّ تنحية خطاب التطبيع ويُعاد تنصيب خطاب القدس وفلسطين وموقف المغرب التاريخي. وهو أيضا مؤشّر على تقييم رزين لمجازفة سياسية لم تدم أكثر من ستّة أشهر في خضم عدة متغيّرات إقليمية ودولية.

إسبانيا الجوارأم إسبانيا القطيعة؟

تتزايد التصريحات والتصريحات المضادة بين الرباط ومدريد، ويزداد السّجال السياسي بينهما حول وضع إبراهيم غالي وتدفّق 8000 من المهاجرين إلى ساحل سبتة بما وصل إلى التهديد بالقطيعة الدبلوماسية بين البلدين. ويستدعي تحليل الخلاف استحضارَ شتى الأسباب الجذرية والسّياق التاريخي وتلاطم الديناميات السياسية الرّاهنة:

أوّلا، حسب مقياس الفعل وردّ الفعل بين الأطراف في حقب الأزمات الدولية، ينطوي موقف إسبانيا على أفعال متتالية، خاصة منذ ديسمبر من العام الماضي، باعتراض مدريد، قبل برلين، على قرار الرئيس ترمب الاعتراف بمغربية الصحراء واستضافة زعيم جبهة البوليساريو بجواز سفر جزائري في أراضيها. وتشير نظريات تحليل الصّراعات إلى أنّ المسؤولية تكون أكبر على عاتق الطرف صاحب الفعل منها على الطرف الذي يتعين عليه اتخاذ ردّ الفعل. وتكمن المشكلة الجذرية في تطوّر موقف إسبانيا وعدم اتّساقه مع ذاته بين 1975 و2021. وثمّة تناقض جليّ بين موقف مدريد التي وقعت اتفاق مدريد أو “إعلان المبادئ” في 14 نوفمبر 1975 مع المغرب وموريتانيا. وعبّرت عن رضاها بالانسحاب من الصحراء أمام شهادة ممثلي الأمم المتحدة كمبادرة طوعية لإنهاء الاستعمار في شمال غرب أفريقيا وفكّ سلطتها كقوة إدارية في المنطقة. وقام ممثلها العسكري آنذاك بإنزال العلم الإسباني في مدينة العيون في 28 فبراير 1976 قبل مغادرته الصحراء.

ثانيا، لم تعد حكومة مدريد اليوم تتصرّف من مبدأ التزامها المعلن بالحياد أمام المجتمع الدولي عقب تسليمها سيادة الأرض إلى أصحابها المحلّيين، بل عدلت عنه بالدّخول مجدّدا في دائرة الصّراع وفق مصالح جديدة مع الدول الأخرى في غرب المتوسط. ويتماهى هذا التذبذب في موقف إسبانيا مع تذبذب مشابه في موقف الجزائر بين 1970 و1975 بإعلان “الحياد” بشأن مستقبل الصّحراء في قمة نواذيبو بين ملك المغرب الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين والرئيس الموريتاني المختار ولد داده عام 1970، ثم الانقلاب على الحياد في مؤتمر وزراء الخارجية لجامعة الدول العربية عندما قدّم عبد العزيز بوتفيلقة وزير خارجية الجزائر آنذاك موقفا معارضا لموقف المغرب من قضية الصحراء في أبريل 1975.

ثالثا، يحاول المسؤولون الإسبان الاستثمار إلى أبعد حدّ ممكن في هذه الأزمة مع المغرب لتعزيز علاقاتهم مع الدول الأوروبية الأخرى. وعندما يتعاون الخطابان السياسي والإعلامي الإسباني في توظيف ما حدث في سبتة وتضخيم “شبح” الهجرة في أعين الأوروبيين وكأنّ المغرب يصنع “قنبلة نووية هِجْرَوِية” ليقضّ بها مضجع الأوروبيين أو “يبتز” ميزانيتهم لصد الهجرة ، يتبدد ادّعاء رئيس وزراء إسبانيا بأنه يعتبر العلاقات مع الرباط “استراتجية”. وينبغي أن يسأل نفسه إلى أيّ حد حافظت سياسته الخارجية إزاء المغرب ودول المنطقة أو بالأحرى قوّضت هذا البعد الاستراتيجي “المعلن”. ولا يستقيم منطق السياسة الدولية بين إعلان “نية” الحفاظ على ما هو رصيد استراتيجي مع الجار على الضفة الأخرى من المتوسط والتصرّف بشكل “ميكيافيلي” مريب خارج نطاق التنسيق معه في أمور ذات حساسية سياسية ورمزية قصوى للمغاربة كافة.

رابعا، ينمّ موقف إسبانيا حاليا عن التعنّت في وجه بعض الوقائع التاريخية وتفاعلات المصلحة السياسية. وعندما يشدد رئيس وزرائها بيدرو سانشيز في القمة الأوروبية في بروكسل الاثنين الماضي على أهمية ما وصفهما ب”ركيزتين” تستند إليهما العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وبين اسبانيا والمغرب، وهما “الثقة” و”احترام حدود أوروبا، وحدود اسبانيا في سبتة ومليلية”، فإنّ هذا الخطاب يكشف مفارقة قد تلامس حد النفاق السياسي على مستويين اثنين: أوّلا، ينبغي على رئيس الوزراء سانشيز أن يعي دلالة ما يعلنه أمام أنصاره الأوروبيين في منصة الوحدة الأوروبية، وألاّ يتوقف عند عبارة “ويل للمصلّين”، بل أن يكون الإقرار بأن تكون تصرّفات تعزيز الثّقة فعلية وحقيقية في الاتّجاهين معا: من الرّباط إلى مدريد، وأيضا من مدريد إلى الرباط. ومن يترقب الثّقة في سلوك الرباط لا يتصرّف بما يتعارض مع ثقتها في مدريد بتفاهمات وترتيبات من خلف حجاب لا تتناسب ولا ترقى إلى مستوى ما ينبغي أن تكون عليه أي ثقة متبادلة مفترضة بين البلدين.

أما المستوى الثاني فهو ما تخفيه عبارة رئيس وزراء إسبانيا بضرورة “احترام حدود أوروبا، وحدود اسبانيا في سبتة ومليلية.” هو تجاهلٌ وتعارضٌ مع قناعة حكومة مدريد ذاتها منذ عقود زمنية بحقيقة الترابط السياسي والعضوي في تسوية وضع جبل طارق مع البريطانيين مع تسوية وضع مدينتي سبتة ومليلية، وأنّه حالما يتحرك مطلب مدريد بجبل طارق من لندن، يبدأ مسار الرباط في مناقشة وضع السيادة النهائية للمدينتين الواقعتين شمالي أراضيه، وليس جنوب أوروبا، مع حكومة مدريد.

خامسا، حتى الآن، لم تُحرج الرباط المسؤولين في مدريد بطلب الإقرار بالمسؤولية عن استخدام الجيش الإسباني القنابل الكيميائية التجريبية لإخماد المقاومة بقيادة عبد الكريم الخطابي في حرب الرّيف الثالثة بين 1921 و 1927. ويمكن للمغرب التلويح بهذه الأعمال المحظورة بموجب اتفاقية جنيف التي تحظر “الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السّامة أو غيرها من الغازات والوسائل الحربية البكتريولوجية”. وهي مخلفات ما قام به الإسبان وتسبب ولا يزال في ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بين سكان الرّيف. ويكون من الأجدى أن يطالع رئيس وزراء إسبانيا كتابا واحدا من عدة مؤلفات وسير ذاتية لجنرالات إسبان وباحثين ألمانا وبريطانيين، ومن هم المؤرخ سيباستيان بالفور في كتابه Deadly Embrace “عناق الموت”، بناءا على دراسته عددا من المحفوظات الإسبانية والفرنسية والبريطانية.

سادسا، لا يستقيم المنطق السياسي لرئيس وزراء إسبانيا مع ثلاث حقائق: التاريخ، والجغرافيا، والتركيبة الديمغرافية لسبتة ومليلية. وينبغي أن يطالع السيد سانشيز هو وزملاؤه في الحكومة في مدريد وثائق الأرشيف التاريخي لمعرفة كيف انتقلت السيادة على سبتة من البرتغال إلى الإسبان من خلال “معاهدة لشبونة” المبرمة في الثّالث عشر من فبراير 1668 بعد حملة الغزو التي شنها ملك البرتغال جون وأولاده وجنوده على المدينة عام 1415. ويظل الاستعمار البرتغالي وبعده الإسباني فترتين قصيرتين مقارنة بالوجود التاريخي منذ عشرات القرون قبل الميلاد ضمن الوجود التاريخي المغربي. وظلت المدينة مغربية أصيلة عبر التاريخ قبل احتلالها من قبل الفينيقيين في القرن السابع الميلادي.

تشهد الجغرافيا وتضاريس البحر المتوسط، وحتى حركة الرياح وتركيبة التربة، أن سبتة أو مليلية جزء لا يتجزأ من التجانس المغربي أكثر من التأثيرات الإسبانية. وتظل الملامح والطباع واللغة والثقافات العابرة بين الأجيال بين سكان المدينتين في أغلبها مغربية، وقد تجاوزت كل محاولات الأسْبَنَة أو التمسيح (من المسيحية) لهما خلال القرون الأخيرة. ولا يتذكر رئيس وزراء إسبانيا عندما سلّم المغرب مذكرة احتجاج أودعتها الحكومة المغربية عام 1975 لدى كل من الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجامعة الدول العربية، بعدما أصرّ الجيش الاسباني، قبل وفاة الجنرال فرانكو، على أن يختار سكان سبتة ومليلية من المغاربة بين الجنسية الإسبانية أو الحصول على بطاقة إقامة الأجانب. وعلى المستوى الشخصي، كانت الملكيات المغربية والإسبانية تحافظ على الودّ على أكثر من مستوى اجتماعي وسياسي. وكان الراحل الحسن الثاني يعتبر خوان كارلوس بمثابة أخيه قبل أن يصبح ملكا على إسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو. وعندما توفي الحسن الثاني، قال كارلوس للملك محمد السادس إنه “يعتبر نفسه أخا له.”

أوروبا القيمأم أوروبا الشوفينية الجامحة؟

انقلب تعامل بعض القادة الأوربيين في بروكسيل مع أحداث سبتة مما كان من المفترض أن يكون مناسبة لتجسيد الحكمة وبُعد النظر السياسي والحضاري العام إلى خطابية سياسية لتعزيز تيار القومية الشوفينية الأوروبية. وسارعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير ليين إلى القول إن “الاتحاد يقف وقفة تضامن مع سبتة وإسبانيا”. وتعهّد رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بدوره بتكريس “كلّ التضامن الممكن مع مدريد، وأنّ حدود إسبانيا تمثّل أيضا حدود الاتحاد الأوروبي.” وتقول حنا أرنت في دراستها “الإمبريالية والقومية والشوفينية” إنّ “الشوفينية هي نتاج طبيعي تقريبا للمفهوم الوطني بقدر ما تنبع مباشرة من الفكرة القديمة لـ “المهمة الوطنية”… ويمكن تفسير مهمة الأمة على وجه التحديد على أنها تسليط الضوء على الشعوب الأخرى.”

لم يترّيث السيد ميشيل وقبله السيدة ليين لحظة لتبني موقف الأريحية السياسية التي تستدعيها اللحظة بالقول مثلا إن أوروبا تحث إسبانيا والمغرب على ضبط النفس، وأنها تريد القيام بالوساطة أو أيّ مبادرة أخرى لاحتواء الخلاف بين دولة عضو في الاتحاد ودولة شريكة في غرب المتوسط. لكن تنمّ تلك المواقف الأوروبية التي وقفت في صفّ إسبانيا وضد المغرب عن عدّة مفارقات مثيرة:

أولا، كلّما وجدتْ أوروبا نفسها أمام ما يذكّرها بماضيها الاستعماري في أفريقيا في ضوء أحداث سبتة، فإنّها تقف تلقائيا في صف الرجل الأبيض المسيحي بكلّ نعراتها الكاثوليكية والبروتستانية، وتحتمي بمركزيتها الأوروبية كما أسماها سمير أمين عندما لاحظ انتعاشها كأيديولوجية وسياسة قائمة على الفوارق بين الهويات عند انتشار العولمة في بداية الثمانينات. ويقول عميد المؤرخين البريطانيين أرنولد توينبي إنّ هذه المركزية الأوروبية “سمة لثلاثة مفاهيم خاطئة تتجلى في التمركز على الذات، والتنمية الثابتة للبلدان الشرقية، والتقدم على خط واحد.”

في المقابل، يستعرض المؤرّخ الفرنسي شارل أندري جوليان حصيلة أكثر من خمسة قرون من المد والجزر بين التيار الإمبريالي متعدّد المصادر من شتى القوى الأوروبية والدول المتعاقبة في حكم المغرب. وكانت الغاية من اجتماع تلك الدول الاوروبية في عزّ نهمها الاستعماري في مؤتمر مدريد 1880 هو تقسيم المغرب غنيمة بينها. لكن المغرب عزّز تيّار مقاومته، وراهن على دبلوماسية توازن القوى ودرء المطامع الاستعمارية مقارنة مع الجزائر وتونس وبقية الدول العربية. وأدّى هذا الموقف إلى تأجيل التدخّل الفرنسي للحماية إلى 1912، كما يقول جوليان في مؤلفه الشهير “المغرب في مواجهة الأمبريالياتLe Maroc face aux impérialismes 1415-1956. ولا تزال الذّاكرة المغربية تحمل أثار لعنة هذا المؤتمر في مدريد عندما غدت خارطة المغرب مقسمة إلى مناطف نفوذ إسبانية في الشمال والجنوب، والفرنسي في الوسط، فيما خضعت طنجة لإدارة دولية لا تبتعد عن روح المدّ الاستعماري العام.

ثانيا، تعكس تصريحات المسوؤلين الأوربيين في بروكسيل مدى التشّبع، سواء بوعي أو دون وعي، بانشطارية “نحن”، كناية عن الهوية الأوروبية المتجانسة بين مكوّناتها، و”الآخر” الذي يشمل تصنيف المغرب على خلاف الصّورة الإيجابية التي كانت تعتبره “الشريك” أو “الحليف” جنوب البحر المتوسط. وخلف هذه الانشطارية بمناصرة إسبانيا ضدّ المغرب مراعاةٌ أيضا للاعتبارات الأيديولوجية لدى الحركات اليمينية والحسابات الانتخابية عبر سبع وعشرين دولة في القارة الأوروبية. ويجسد هذا الموقف أيضا حاجة الأوروبيين، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما سمّي “البريكست”، لما يمنحهم الشعور بالإطمئنان على استقرار وحدتهم ولُحمتهم الأوروبية. فتلاقت المصالح الأوروبية والإسبانية في الاستثمار في موقف مناوئ للمغرب وفق منطق احتكار الإيجابيات “لنا” وتحويل السلبيات “للآخر” في ما يمكن تسميته وظيفية سياسية حسب الحاجة وتعميق الخلاف بين الرباط ومدريد بدلا من تجسيد الحصافة السياسية المفترضة في مثل هذه الحالات. وكما يقول الدكتور بول كوليي في جامعة أوكسفورد ومدير مجموعة الأبحاث في البنك الدولي سابقا، فإن “البديل الواقعي للقومية الشاملة ليس إنسانية عالمية مشتركة. بدون القومية الشاملة، من المرجح أن يسود شكلان من أشكال الهوية. ستطور بعض المجتمعات الشكل الفيروسي والإقصائي للقومية. هذا هو الاحتمال الذي تخشاه المؤسسة الأوروبية.”

ثالثا، يستمدّ الاتحاد الأوروبي وجوده حاليا، بعدما كان مجموعة اقتصادية أوروبية في السبعينات والثمانينات، من تصور الدولة الأمة الجديدة أو الممتازة أوsuper nation-state، بما يعلو فوق مفهوم الدولة الأم nation-state الذي بلورته معاهدة ويستفاليا المبرمة بين الإمبراطوريات الأوروبية عام 1648. وثمّة خيطٌ رابطٌ بين تصريحات كل من رئيس وزراء إسبانيا في بروكسيل ورئيسة المفوضية الأوروبية فون دير ليين ونائبها مارغريتيس شيناس، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بأنّ “حدود إسبانيا تمثل أيضا حدود الاتحاد الأوروبي.” هو تشبّعٌ بخطاب القومية التي تتخفى في أغلب الحالات بخطاب الوطنية، لكنّها تنطوي على صنفيْن من أسوء أصناف القوميات:1) القومية العرقية ethnic nationalism بالتّسارع إلى الوقوف في صفّ الحليف المسيحي الأبيض وعدم التمهّل في استدراك القيم التي تتبناها المجتمعات الأوروبية، وهذه من أعراض ما أسميه القبلية السياسية الجديدة Political Neo-tribalism. 2) تنطوي هذه القومية الأوروبية الجامحة على التلويح أيضا بقومية توسعية expansion nationalism بالتّشديد على اعتبار سبتة “جزءا” من السيادة الإسبانية دون استدراك التاريخ، أو استشراف زوال هذا الوضع الاستعماري، إذا قرّر المغرب المطالبة باسترجاع المدينة وشقيقتها مليلية في المستقبل بالتوازي مع وضع جبل طارق.

بين القومية العرقية والقومية التوسعية تنغمس أوروبا حاليا في قبلية سياسية جديدة بإسقاط كثير من تجليات الأنا الجماعية وهيمنة التفكير الواحد مقابل تنميط المغرب ضمن إطار “الآخر”. وبموازاة تلك الهبّة أو الرجّة غير الموزونة لقادة المؤسسات الأوروبية في بروكسيل بإعلان التّضامن مع مدريد على الفور، فإنهم نسوا أو تناسوا أن قوميتهم التوسعية في الأصل خطأٌ تاريخي بانتظار التصحيح، ووضعٌ استعماريٌ إلى زوال بحكم حتميات القرن الحادي والعشرين. وعندما ترتفع النشوة بفعل الجرعة السخية من القومية العرقية القبلية والقومية التوسعية في أدمغة قادة المؤسسات الأوروبية في بروكسيل، وليس في عقولهم على ما يبدو، فإنهم ينساقون دون حصافة سياسية إلى مناصرة حكومة مدريد ضد شريك دائم بحكم التاريخ والجغرافيا والبعد الاستراتيجي في غرب البحر المتوسط وشمال القارة الأفريقية. وينطوي هذا الانجراف عن الشعور بالنرجسية العشائرية التي كانت لهم في القرون الوسطى، وإنعاش الأنا الجماعية بتجليات الوحدة الأوروبية المتخيلة في ضوء أعمال عالم السياسة والمؤرخ بنديكت أندرسون حول المجتمعات المتخيلة وأصل وانتشار القوميات.

رابعا، يتخيل مسؤولو المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا أن الوجود الأوروبي انتقائيٌ وانطوائيٌ على ما هو “أوروبي خالص” ممنوع من الصرف، وممنوع من الاختلاط والتمازج مع شعوب المغرب الكبير. فإنْ كانت بين المغرب وأوروبا قرونٌ من الجوار الجغرافي والتعايش التاريخي، فالأهمّ أن بينهما أكثر من قرن من التضامن عندما غرقت أوروبا في ولايات حربيين عالمتين. ويبدو أن التصنيفات النمطية بين “نحن” الأوروبيين و”الآخر” المغربي التي تتبناها السيدة فون دير ليين والسادة ميشيل وشيناس وسانشيز بشكل اعتباطي اليوم تتنطع لحقيقة التاريخ، وتعكس طبيعة الجحود الخفي في بروكسيل ومدريد إزاء القناعة التاريخية للمغاربة بقوة الجوار المتوسطي في السرّاء والضرّاء، وتضامنهم غير المشروط مع جيران الشمال في مواجهة الفاشية والنازية وبقية السّرطانات السياسية التي ابتليت بها القارة العجوز في حربي النصف الأول من العشرين، وأيضا مساهمتهم في إعادة بناء أوروبا عقب الدمار التي خلفته النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

في عام 1914، وصل عدد الجنود المغاربة إلى 45 ألف جندي بعد إنزال 4500 من الرماة المغاربة في فرنسا عبر صقلية وإيطاليا ضمن كتيبة المشاة المجندين من المستعمرات. وقد قال المقيم العام الفرنسي الجنرال هوبير ليوطي جملته الشهيرة “مصير المغرب سيُحسم في اللورين.” وكان بأس أولئك الرّماة وبقية الجنود المغاربة، سواء العرب أو الأمازيغ، شديدا في معركة “لامارن” للدفاع عن مدينة بوردو في 5 سبتمبر 1914 ومعارك أخرى. واختلطت الدماء المغربية والفرنسية والإيطالية وغيرها في خطوط المواجهة في فرنسا وإيطاليا وهولندا ودول أخرى. ودُفنت الجثامين في عشرات المقابر في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وغيرها. ونامت الأجساد وتلاقت الأرواح في مقبرة ڤينافرو قرب مدينة كاسيو الإيطالية مثلا، وهي تؤكد تمرّدها على كل قومية عرقية شوفينية، وعلى كل تقوقع في أي مركزية أوروبية إقصائية. فهل تتمعن السيدة فون دير ليين والسادة ميشيل وشيناس وسانشيز اليوم في فحوى ما قاله قال أحد كبار الضباط في الجيش الفرنسي في تخليد ذكرى الجنود المغاربة عام 2014: “إن القاسم المشترك بين هؤلاء الجنود الشجعان، الذين تم دفنهم جنبا إلى جنب، هو أنهم دفعوا حياتهم ثمنا غاليا لتحرير فرنسا، وناضلوا من أجل أوروبا حرة دون ديكتاتورية. لقد كتبوا بدمائهم صفحة مجيدة في تاريخ الإنسانية”؟!

وفي الأمس القريب خلال تمدد ألمانيا النازية وسط أوروبا سالت دماء زكية أخرى للجنود المغاربة والجزائريين والأفارقة من أجل تحرير أوروبا. ولا تزال سهول ستراسبورغ بين فرنسا وألمانيا تردّد صدى هؤلاء الأبطال القادمين من الضفة الأخرى لخوض معركة تحرير المدينة في نوفمبر عام 1944. ولا يزال جيل الحرب من الإيطاليين يتذكر شجاعة أبطال المغرب بين قوات الحلفاء في معركة تحرير روما في يونيو من العام ذاته. كان الجنود القادمون من المغرب في الصفوف الأمامية للدفاع عن الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم من غياهب الهلاك القادم من رحم أوروبا ذاتها. فكيف يستقيم اليوم منطق الفصل بين الأنا والآخر. وماذا تقول هذه الأنا والأنانية الأوروبية اليوم لأبناء وحفدة من كان يعرفون بالجيش الأفريقي Armée d’Afrique أو Goumiers الذين جاؤوا من المغرب والجزائر وتونس للقتال والتضحية بأرواحهم من أجل أوروبا سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية.

قد ينتاب ذاكرةَ بعض القادة الأوروبيين الضعفُ اللاراديُ أو المفتعلُ هذه الأيام، وقد تغيب من المعلومات التاريخية لدى أنصار تهافت التهافت على التعصب الأوروبي الإسباني في بروكسيل قصةُ 85 ألفا من الجنود المغاربة أو “الكوم” الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي أيضا ضمن عملية “هاسكي” بهدف اختراق الحصن الألماني المنيع المعروف باسم “خط غوستاف” خلال الحرب العالمية الثانية. ويقول خبير سابق في البرنامج الإنمائي في الأمم المتحدة، تكريما للجنود المغاربة على شجاعتهم، إنه “حيثما فشلت القوات الجوية البريطانية في زعزعة الألمان، نجح المغاربة في ذلك على ظهور البغال، إذ تمكنوا بشجاعتهم من محاصرة مدينة كاسينو وفرض السيطرة عليها.”

لقي 12 ألف جندي مغربي حتفهم فضلا عن آلاف الجرحى والمصابين والمفقودين ممن أصبحوا في خانة نسيانٍ وتناسٍ في الذاكرة الأوروبية اليوم تحت مسمى “أبطالٌ بلا مجد.” كما هي العادة، ذاكرة السياسيين قصيرة، وذاكرة الحكومات جاحدة ولا تكمل شريط الأحداث حتى النهاية. لكن ذاكرة الشعوب، وخاصة أحفاد وأبناء وأصدقاء هؤلاء الأبطال، تأبى النسيان. فلم يتوان محمد أشهبون في هولندا ومحمد القرّوطي في بلجيكا عن تسخير حيز مهم من حياتهما اليومية، ضمن حلقة صغيرة من نشطاء المجتمع المدني المغربي في أوروبا، وليس الحكومات ولا التمثيليات الدبلوماسية، من أجل ردّ الاعتبار لأبطال التضحية الحاضرة والاعتراف المنسي، وإقامة مراسم سنوية لتخليد ذكراهم في الموروث الأوروبي المغربي المشترك. وقد رحل السيد القروطي هو الآخر قبل أسابيع بعد أن كان قوة الدفع الرئيسية في ترسيخ التقليد السنوي للاعتراف بتضحيات مئات الجنود المغاربة في معركة “جيمبلو” Gembloux من أجل حرية واستقلال بلجيكا. ويقول محمد أشهبون إنه يعزو جهوده في الأبحاث والاتصالات لتنظيم أكثر من قافلة زيارات بالحافلات، إلى مقبرة زووس كابيب Zeeuwse Kapelle في مدينة غوز Goes الهولندية وغيرها من مقابر الجنود المغاربة عبر أوروبا، إلى “ضرورة الحفاظ على ذاكرة أجداد لنا شاركوا في حرب مدمرة لإنقاذ الإنسانية.” ويبقى لديه الأمل في أن تقوم هولندا بتشييد تمثال لهؤلاء المقاومين الذين ضحّوا بدمائهم دفاعا عن هولندا وبقية أوروبا.

خامسا،هل يحتاج قوميو بروكسيل اليوم دروسَ تقويةٍ في التاريخ الحديث غير البعيد عندما أصدر السلطان محمد الخامس، جدّ الملك محمد السادس، بيانا ملكيا في الثالث من سبتمبر عام 1939، بعد يومين من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تمت تلاوته في المساجد، يدعو فيه المغاربة للدفاع عن فرنسا في المعارك التي ستخوضها إلى جانب الحلفاء ضد النازية والفاشية. وهل تفكر أوروبا اليوم في مغزى قرار الجنرال شارل ديغول يوم الخامس من يونيو عام 1945، بعد خمسة أيام من ندائه إلى المقاومة الفرنسية عقب التحرير الرسمي لباريس بأقل من شهر، أن يوشّح صدر الملك محمد الخامس بوسام ولقب “رفيق التحرير” Compagnon de la libération، وهو أرفع وسام تقدير وطني فرنسي لم ينله من قبل سوى رئيس وزراء بريطانيا ونستن تشرشل، تقديرا لتضامنه ووقوفه في توفير الملاذ الآمن والدعم السياسي للجنرال ديغول وحمايته من هجمات ألمانيا النازية على فرنسا.

عندما تنتعش الشوفينيةُ الأوروبية وقوميتُها العرقية والتوسعية بمناصرة إسبانيا ضد المغرب اليوم، فإنها تنزلق إلى منحدر قِيَمِي وأخلاقي وسياسي، وتبتعد عن المبادئ والمثل المشتركة بين الأوروبيين والمغاربة، بل وتطعن أيضا في أنساق المثالية السياسية التي تولدت بفعل الصحوة الحضارية والعِبَر والدورس المستخلصة من تجربة الحربين العالميتين. وتتحدث الوثائق الفرنسية والبريطانية كيف سارع يهود المغرب للاستنجاد بالسلطان محمد الخامس خشية مما كانت تخطط له الإقامة العامة الفرنسية وقوانين حكومة فيشي خلال عام 1941. فأكد اليهود آنذاك “أن الإسلام يفرض على عاهل البلاد، بصفته أمير المؤمنين، الدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم من كل سوء، وذلك شريطة التزامهم باحترام الدين الإسلامي ودفع الجزية”.

اتخذ محمد الخامس وقتها موقفا مناهضا لسياسة الإقامة العامة على الفور، نقلته وكالة الأنباء الفرنسية صيف 1941، وهو يجاهر في وجه الضباط الفرنسيين وأعضاء الجماعة اليهودية المغربية في حفل عيد العرش بقوله “لا أعترف بالقوانين الجديدة المعادية للسامية، وأرفض الانصياع لشيء لا أقبله، وأؤكد أنه مثل العهد السابق، فإن اليهود سيبقون تحت حمايتي، لأنني أرفض أي تفرقة يمكن أن تتم بين أفراد شعبي.

واليوم، قد تكون الفكرة مفيدة لمسؤولي المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي في بروكسيل باستضافة محاضرة للتوعية التاريخية والحضارية حول القيم الرفيعة التي يبني عليها المغرب علاقاته متعددة الأبعاد مع أوروبا. وقد يتحمس المستشرق الفرنسي جاك بيرك والمؤرخ جيرمان عياش للنهوض من قبريهما لإلقاء محاضرة عن بُعد حول دور المغرب في منع المؤامرة بين حكومة فيشي الفرنسية وألمانيا الهتلرية ضد يهود المغرب، ومساهمة المغاربة قمة وقاعدة في مساعدة أوروبا على إنهاء المد النازي، ولماذا أطلق الألمان على المقاتلين المغاربة “سنونو الموت” خلال الحرب العالمية الثانية.

قد تكون المحاضرة مناسبة مواتية أيضا لكي يعلّق رئيس وزراء اسبانيا سانشيز على سؤال مسكوت عنه في التاريخ الإسباني والعلاقات العربية الإسبانية: كيف اعتذرت إسبانيا لليهود، ولم تعتذر بعد للمسلمين الذين تعرضوا لحملة التطهير العرقي والديني الذي كرسته الكنيسة ومحاكم التفتيش الكاثوليكية!

سؤال المقارنة ضروري ومفيد في حقبة النشوة القومية وانتفاخ الأنا الجماعية بين مدريد وبروكسيل من أجل تصحيح الرؤيا واستعادة البوصلة. وقبل أن يعود رئيس الوزراء سانشيز إلى مدريد، قد تلهمه مراجعة التاريخ، هو والسيدة فون دير ليين والسيدين ميشيل وشيناس، بزيارة مقبرة فينافرو في إيطاليا مثلا، والوقوف والتأمل في لوحة معلقة في مدخل المقبرة عليها عبارةٌ تقول: ”أيها المارّ، اعلم أن ثمن حريتك دُفِعَ من دمهم.”

قد توحي اللحظة أيضا بجلسة لتناول فنجان قهوة مع بعض المغاربة الأوروبيين، مثل الكاتب الطاهر بن جلون وعالم الاجتماع محمد الشرقاوي، حول القيمة غير المعلنة لدور آلاف الباحثين والخبراء والمثقفين، وأيضا المعلمين والممرضات والأطباء والمربّيات والمهندسين وعمال البناء المغاربة، وكيف ساهموا ولا زالوا في تشييد أوروبا وتعزيز رفاهيتها الاقتصادية وحيويتها العلمية والثقافية من مجموع خمسة ملايين مع المغاربة الأوروبيين عبر أربعة أجيال. وتقول دراسة أوروبية بعنوان “العلاقات المتحولة بين أوروبا وشمال أفريقيا” إنّه “لا يزال يتعين على الاتحاد الأوروبي تحديد مجموعة متماسكة من السياسات تجاه شمال إفريقيا، لكي تجمع بنجاح بين المصالح الجيوسياسية والفهم الشامل للديناميات والمطالب المحلية المعقدة.”

مقوّمات التّجديد السياسي

يدرك المغاربة المزاج الشخصي والفلسفة السياسية للملك محمد السادس، والذي يتماهى في عدة خصال مع جدّه محمد الخامس. فكان “ملك الفقراء” في السنوات الأولى من العهد الجديد يحتضن هموم البسطاء من المغاربة ويستمدّ من أحلامهم صورة مغربٍ مغايرٍ في عهد جديد. وكان تسلّم قفّة رمضان من يد الملك الشاب شرفا ذا قيمةٍ وطنيةٍ أكثر من مادية في أعين المغاربة. لكنهم اليوم يمتعضون من أن يتسلّموا أيّ قفّة من صهيوني أو داعية تطبيع. هو عهدٌ جديدٌ لم يعد يشبه نفسه، ولا صورَ الشوارع الحماسية والملتقيات الفكرية التي بشّرت بأمل الانتقال إلى مغرب المواطنة بدل الرعية والبناء الديمقراطي عوضا عن قبضة سنوات الرّصاص.

عهدٌ جديدٌ قديمٌ يدخل عقده الثالث بغير العنفوان ونبض القلوب التي خفقت لبهجة السنوات الأولى. عهدٌ جديدٌ متساهلٌ مع مجازفات الخطّائين، وتملّق المطبّعين، وجشع القوّامين من الأقوياء، ولهفة الطمّاعين الأثرياء في زواج المال والسلطة. لكنه عهدٌ لا يبدو حليما بأنين أبنائه القابعين بأمعاء خاوية في زنزانات الاعتقال، ونكبة المحكومين بعشرين عاما بجَرِيرة رفع أصواتهم بسبب التمييز ضدّ “شمال غير نافع” حيث تحوّل محسن فكري إلى قمامة بشرية مطحونة، وحگرة اللاجئين إلى قوارب الهجرة في مجازفة المعادلة الصفرية: إمّا أوروبا أو الموت. لكنه عهدٌ جديدٌ لا يقبل أن يخفت وهجه الذي كان قبل عشرين عاما بانتظار تصحيح المسار وتجسير الفجوة بين مغرب “قفّة رمضان” ومغرب “مخزنيي الروليكس”.

يبقى الأمل كبيرا بأن تعود آمال الأمس رغم تعثرات اليوم في مغرب التقريض وإعادة البناء بروح جديدة. ولم تضِعْ مفاتيحُ الإصلاح إذا كان المغرب يريد التنقيح السياسي واستعادة الزخم التنموي ليس اقتصاديا فحسب، بل وأيضا سياسيا ومؤسساتيا في الداخل واسترايتجيا في التعامل مع الدول الأخرى وكسب تحديات المرحلة:

أولا، ليست الأنظمة السياسية بطبيعتها في دول العالم مستقرة أو جامدة عند نسق أو رؤية واحدة متواترة، بل تمرّ بعملية تطور مستمرّ. وينتظر مغرب العقد الثالث في العهد الجديد لحظة التجديد العملي في منظومة الحكم وأدوات الحكم وترميم رأس المال السياسي بين الدولة والمجتمع الذي تجلّت موشرات تراجعه في السنوات الخمس الماضية.

ثانيا، ليس من صالح المغرب أن يبني كافّة رهاناته في المستقبل على الرؤية الأمنية، أو السلطوية الجديدة، تحت أي تبرير سواء بدواعي احتواء كورونا، أو فزّاعة الإرهاب، أو شبح المؤامرات الخارجية، أو سدّ الطريق على قيام حراكات جديدة على ماثلة حراك الريف وجرادة، أو إسكات الأصوات “المزعجة”. وليس من الحكمة أن تُستبعد أنساقُ الحكم الأخرى، أو يُهمّش نسقُ الحكامة والمشاركة السياسية، واستحضار اجتهادات الأحزاب والمجتمع المدني والشتات المغربي بكل كفاآته المنتشرة في مائة دولة عبر العالم. وقد أثبتث التجارب في الدول المتقدمة كيف أنّ الدّول التي تحقق التنمية فعلا هي تلك التي تنفتح على شتى الاجتهادات والتصورات وتحقّق التكامل بين التطور التنموي والاستراتيجي والأمني والسياسي وأيضًا الرمزي لنظام الحكم. ويغدو تحقيق التنمية الشاملة رافعةً لمستوى الرأسمال السياسي ومصداقيته كما كانت شعبية العهد الجديد بين المغاربة في الداخل والخارج. هي شعبيةٌ تلقائيةٌ ازدادت بفعل التجديد والإصلاح وإعادة النظر في أدوات الحكم في العهد السابق، وجسدت ضمنيا تنامي شرعية الكاريزمة أو شرعية الزعامة كما فصّل فيها ماكس فيبر في دراسته للزعامة بأدوات التقييم السياسي والسوسيولوجي.

ثالثا، إذا كان العهد الجديد قد قدّم أوّل تجربة عربية من خلال تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة بكلّ نواقصها وإيجابياتها عام 2004 للتعامل مع تركة قاتمة لقرارات تعسفية انتهكت حقوق الإنسان، فإنه لا تزال لديه نفس الحكمة والشهامة السياسية لبدء جولة جديدة من المصالحة الوطنية وتحقيق الانفراج المجتمعي المنشود بإطلاق سراح نشطاء حراك الريف ومعتقلي الرأي توفيق بوعشرين وسلميان الريسوني وعمر الراضي. لقد حان الوقت للزعامة الملهمة بقيم العهد الجديد وتجاوز القبضة الأمنية ومطرقة الأحكام القضائية. وتجسيد الحِلم والعفة من شيم الكبار، وثمة ملك كبير في قلوب مواطنيه يأملون أن يطوي صفحة قاتمة ثقيلة الظل كرست تعاملا مجحفا مع أبناء ريف غير انفصاليين وصحفيين منتقدين غير معارضين.

رابعا، تستدعي المرحلة مزيدا من الحكمة في تدبير شؤون السياسة الخارجية، والعودة إلى نسق الدبلوماسية الهادئة التي كانت للمغرب لسنوات وعقود. وليس من حقّ المغرب فحسب بل ينبغي أيضا أن يوظف كافة خياراته وأدواته الاستراتيجية لضمان مصالحه وإيجاد توازن بين سياسته بشأن الهجرة وقضية الصحراء ومصلحته مع كافة الدول شمالا وجنوبا وشرق وغربا، والابتعاد عن فتح جبهات جديدة مع دول بعينها وفي المرحلة ذاتها. لقد مرّ المغرب بتجربة التعامل مع امبرياليات متعددة في القرون السابقة. ولعل في حنكته ورصيده الدبلوماسي ما يتفوق على عنصر الانفعالية إزاء أزمات طارئة لا ينبغي أن تنال من ألمعيته السياسية. ولا تُمكن إدارة العلاقات الخارجية بخطاب موجه أساسا إلى التعبئة والاستهلاك الداخلي، وإنما بخطاب عقلاني ومثمر في ترجيح كسب الرهان للمغرب.

خامسا، مقولة التعويل على وعود ترمب ونتنياهو تتناقص حاليا بتجلياتها الجديدة بسبب الاعتداد الحماسي غير الاستراتيجي بأن المغرب أصبح “قوة إقليمية مؤثرة”. لكن واقع الحال يقول إنه بدلا من خلق شراكات وتحالفات جديدة تمنحه دورا إقليميًا ودوليا بناءا على فرضية القوة الجديدة، ينبغي استحضار العقل الاستراتيجي وأن تحتسب وزارة الخارجية التصعيد في أزمات متفاقمة مع ألمانيا وإسبانيا، ناهيك عن تراجع العلاقات مع موريتانيا وتونس وبلجيكا وهولندا.

سادسا، يقتضي الموقع الاستراتيجي للمغرب بين القارات وتعدد مصالحه الاستراتيجية مع دول العالم البحث عن تحالفات وشراكات جديدة. وثمة مفارقة مثيرة تستدعي بعض المقارنة من خلال الأزمة الراهنة مع إسبانيا وكيف هبّت دول الاتحاد الأوروبي إلى مساندة موقف حكومة مدريد. في المقابل، لم يجد المغرب مناصرين يقفون في صفّه لا في اتحاد مغاربي، ولا اتحاد أفريقي، ولا جامعة عربية، ولا رابطة إسلامية. هذه هي واقعية العلاقات الدولية وأهمية التحالفات الإقليمية.

سابعا، عندما يردد كثيرون مقولة عبد الله العروي إن المغرب “يعيش بمثابة جزيرة”، فهو يسترعي الانتباه إلى أحادية المغرب وضرورة اعتماده على ذاته بالنظر إلى مجريات الأمور في الجوار باتجاه الشرق والجنوب، والآن يتأكد الأمر من جهة الشمال أيضا. لكن ينبغي مقاومة التسليم بهذه المقولة حتى لا نقع في مخاطرة تقزيم أهمية المغرب وتبرير أي انفعال في سياسته الخارجية. ويمكن استبدال مقولة “المغرب جزيرة” بمقولة أخرى “المغرب نصف المتوسط والأطلسي”. وليس هذا تصويرا تكبيريا أو مغالاة في تحديد مكانة المغرب بل يتطلب فهم المقصود بمستوى ما يكمن أن يصبح عليه البعد الاستراتيجي الدولي لو تم السعي لبناء تحالفات على مدار الدائرة: من أوروبا وجنوب المتوسط شمالا، وآسيا والعالم العربي شرقا، وأفريقيا ليس الفرنكفونية فحسب، بل وأيضا الانجلوساكسونية جنوبا، وأمريكا اللاتينية وأمريكيا الشمالية غربا. لقد حققت تركيا فوائد هذه الأهمية الاستراتيجية بين ثلاث قارات. ومن خيارات المغرب الممكنة أن يحققها بين أربع قارات، وهو بالفعل دولة وحضارة في قلب العالم.