مصطفى المنوزي /رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

إن المفهوم الجديد للسلطة لم يستكمل شروط تمنيعه لسببين، الأول أنه لم يواكبه نفس المجهود على مستوى تأصيل المفهوم الجديد للعدالة، وهو الضامن للإنتقال الأمني، أي تحقيق مطلب دمقرطة القوة العمومية وترشيد إستعمالها وإنفاذ القانون، فالأمن القضائي كآلية رقابية تلعب دورا مؤطرا في تقييد وتقنين الممارسة وتحصينها من أي تعسف ينفلت على صعيد تداعيات سوء تصريف العقيدة الأمنية، كتمثلات ومسلكيات وأخلاقيات كانت بالأمس حصريا مكرسة لحماية النظام وقاعدته السياسية والإقتصادية والإجتماعية فقط؛ لذلك فبدون ضمان الأمن القانوني والحكامة القضائية يصعب الجزم بأننا انتقلنا “قضائيا” ، فكل ما يستطيع القضاة النزهاء والشجعان فعله هو دعم تحول هذا الجهاز إلى آلية لإنتاج الحقيقة القضائية المتوافق على إبرامها، في إنتظار بلوغ حلم تكريس القضاء فعليا، كسلطة دستورية متحررة من النزعة الفردانية والفئوية لمكونات منظومة العدالة، ومستقلة عن بقية السلطات الدستورية والإفتراضية، أي سلطة الأمر الواقع، أي الإعلامية والإيديولوجية ( الدينية ) والسياسية والمالية. والسبب الثاني، للأسف الشديد، يتجلى في كون العقل الأمني لم يستوعب بعد أهمية إستكمال مشروع دولة الجهات، ودسترة مجلس الدولة كأعلى هيأة قضائية في مجال فحص شرعية ومشروعية القرارات الإدارية، وطبعا تنصيب المجلس الأعلى للأمن مع تأهيل العضوية داخله بمكونات محصنة من الشعبوية الإنتخابوية والانتهازية السياسية، كي يلعب أدواره السيادية تجاه كافة الخوارج. وإن التحصين لا يعني سوى تخليق الحياة العامة وتحريك آلية المحاسبة ودعم ثقافة الحد من الإفلات من العقاب، خاصة في ظل استشراء الفساد المالي الناتج عن الفساد السياسي والإداري، والذي يُخشى أن يتحول إلى منظومة بنيوية من شأنها توفير مناخ الإدمان والتشبع بالفساد وثقافة الإفساد، يتجاوز مستوى الإنحراف إلى المأسسة، ثم يرتقي إلى درجة الجريمة المنظمة عابرة للضمائر والحدود، ويتحول الإجرام إلى أمر بديهي، كما يتم التطبيع، بنفس القدر ، مع التفقير كجريمة ضد الإنسانية؛ فكلما تم إضعاف وانتهاك الأمن الإنساني، كلما تضخمت نسبة الإحباط والعنف وتقلص منسوب المقاومة وتمكن الخنوع من غالبية المواطنين، وعلى الخصوص من شرائح الطبقى الوسطى، وبذلك تتراكم بقوة مقومات الدولة الرخوة، حيث تضخم القوانين وهشاشة آليات إنفاذه وإحترامه والإنضباط له، فتعم الفوضى ويسود منطق النفوذ والقوة المفضي إلى منطق اللادولة، فينهار الوطن . لقد عشنا وعانينا خلال عشرية بكاملها من فوبيا إختراق الدولة بشعار “الدين هو الحل”، وحاولت الدولة التحصين بجميع الوسائل وفق مأثورة “” للهم ارحمني”” ، وهل يعقل مواجهة الخطأ بالخطأ، كما يعالج الإرهاب بالإفساد؟ وحتى لا يسقط حسنا الوطني في العدم ، علينا الوعي بأن الفساد في القطاعات الحيوية للأمة ( مادام فاقد الحماية لا يوفرها )، يهيمن ( أي الفساد) و يضعف آليات المناعة والدفاع الشرعي ويقوي هشاشة ثقافة الإصلاح السياسي ويجهض كل تراكمات الإنتقال القيمي والأمني ويعيق إرادة التحول الديمقراطي .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube