أحمد رباص – حرة بريس

من بين ما دونه الأستاذ إدريس الكنبوري على صفحته الفيسبوكية تأملاته الروحانية التي أوحت له بها إعادة قراءة الآية القرآنية: {قل لا تُسألون عما أجرمنا ولا نُسأل عما تعملون}.
ينطلق الأستاذ إدريس في تاملاته هاته من كون الآية “جاءت في معرض خطاب النبي الموجه للكفار، وهو يصف ما يقوم به هؤلاء بالعمل، بينما يصف ما يقوم به من الدعوة بالإجرام”. في هذه اللحظة بالذات، ينفلت المدون من اكراه الاعتراف بأن الأمر يتعلق بصراع بين طرفين، احدهما نبي وخلفه أتباعه والأخرون هم الكفار، بيد انه يقوم بكل ذلك دون حسن التخلص. هل غاب عنه أم توجب عليه أن يغيب أن الظهور أمام الخصم بمظهر ضعف قد يكون أحيانا مفيدا في ظل ميزان قوى مختل وظروف غير مواتية وغير متكافئة.
وهكذا توالت التخريجات الكنبورية وهي تدعي الألمعية والبصيرة النفاذة الثاقبة مع أنها أهملت حقيقة سوسيولوجية منشأها فلسفي محض؛ وهي أن الدين مادام جزءا من الثقافة الإنسانية عامة وكونيا فانه بدوره محكوم بقانون الصراع الاجتماعي الذي تعد السياسة إحدى وأهم واجهاته.
من هنا يتعين على كل مشروع مجتمعي إصلاحي جديد أن يعمل على هدم أسس البراديغم القديم وبناء نموذج جديد على أنقاضه، مع الاحتفاظ بإيجابياته، ولن يكتب لهذا المشروع النجاح الا إذا اقتنعت به مجموعة من الأفراد وإلا إذا استقطب هؤلاء أوليك الى صفوفهم حتى شكلوا فئة اجتماعية قويت شيئا فشيئا شوكتها. ولا أطن سيادة الذكتور ينكر أن هذه الحقيقة غدت من بديهيات سوسيولوجيا الدين وسوسيولوجيا الفن.
في المجال العلمي الأخير تم الاقرار بأن التحف الفنية الخالدة مدينة بمكانتها الرفيعة وقيمتها العالية إلى ما حظيت به من تفضيل ومنافحة ومساندة من قبل فئة اجتماعية محددة. وبامكاني أن أبرهن له على مؤشر ملموس وواضح على حضور توتر الصراع من خلال كلمتين اثنتين واردتين في تدوينته وهما الكفر والايمان.
أول ما يتبادر الى الذهن أن هاتين الكلمتين تشكلان ثنائية قطباها متناقضان بشكل مانوي؛ أي أن تناقضهما يندرج في اطار ثنائية أخرى وهي ثنائية الشر والخير..
ومادمنا نتعامل بكلمات مخصوصة فهذا يعني أن اللغة ليست وسيلة تواصل محايدة بل نجدها توظف في خدمة وجهة نظر معينة يراد لها أن تكون نموذجا يحتدى به بعد مدها بكل مقومات الغلبة والبقاء سائدة سيدة خلال أطول فترة ممكنة.
لنقف قليلا عند كلمة “كفر”! مصدر فعل ثلاثي “كفر” يعني غطى، فنقول كفر الحب بالتراب؛ أي غطاه به، لهذا سمي الفلاح بالكافر لقيامه بنفس الشيء في حرثه وزرعه، وهذا ما يؤكده النص القراني من خلال هذه الآية :
((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) (الحديد:20).
النتيجة التي يمكن الخروج بها في تهاية هذا التوضيح أوالتذكير هي أن آلية الصراع والدفاع من أجل البقاء والنجاح اقتضت استعمال المعنى المجازي للفظ وتوظيفه بشحنة قدحية لوصف الآخرين المخالفين والمختلفين بالمروق عن جادة الدين، حيث تم نعتهم بالكفار ليس لأنهم يغطون الحب بالتراب بل لأنهم يغطون الايمان بالكفر.