ترجمة وتقديم: أحمد رباص

في نهاية نوفمبر من عام 2005، عقد بموسكو مؤتمر مجموعة Vperiod (“إلى الأمام! “)، وهي منظمة سياسية ماركسية روسية صغيرة أغلب أعضائها من الشباب. على الرغم من صغر حجمه ا، فهي ناشطة داخل حركة مناهضة للعولمة، كما في دعم نضالات العمال. ينشط هؤلاء المناضلون الملتفون حول جريدتهم، في مدن روسية مثل ساراتوف، ياروسلاف، سمارة، سانت بطرسبرغ أو حتى تيومين.
هم يواجهون وضعا صعبا للغاية. السيد المطلق للإعلام، للبرلمان، للمؤسسات والنقابات، فلاديمير بوتين تمكن فعلا من استغلال سلبية السكان الذين يعانون، في معظمهم، من الآثار المدمرة لقوانين السوق بلا جهاز للحماية والذين يجب عليهم أن يضمنوا بشكل متزايد معيشهم اليومي بواسطة “تدبيرهم” الشخصي.
في مواجهة تعدد الهجمات المعادية للمجتمع والقمع ضد النقابيين المستقلين، بدأت المقاومة الشعبية في الظهور. نقابتانان مستقلتان سعتا جاهدتين لتنظيم أنفسهما ضد الاتحاد الرسمي: الأكثر راديكالية، زاشيتا لديها حوالي 90،000 عضوا، واتحاد العمل يضم ما يقرب من مليون عضو.
قرر 40 ناشطا ممن حضروا في مؤتمر Vperiod القيام بحملة ضد إصلاح الجامعات، زيادة الدعم لهاتين النقابتين، والمشاركة النشيطة في جريدة سوف يتم فيها تقييم تدخل هؤلاء النقابيين. وأخيرا، شرعت لجان المقاومة الشعبية تتشكل بناء على مواضيع السكن، الصحة أو المعاشات التقاعدية.
دعي آلان كريفين (عضو في الرابطة الشيوعية الثورية) إلى مؤتمر Vperiod ، كما وجهت الدعوة كذلك لمناضلات ومناضلين من الشباب الشيوعي الفرنسي. دانيال بنسعيد – الفيلسوف، وهو أيضا عضو في نفس الرابطة، الذي شارك في 19 يناير الماضي، في جنيف، في واحدة من “المقاهي السياسية” ذات الصلة – يجيب في الحوار التالي على أسئلة بعض الأعضاء من Vperiod حول راهنية الماركسية. هذه الأسئلة تطرح علينا نحن أيضا. لذلك نترجم بعض المقتطفات من هذا الحوار الذي يبقى نصه الكامل متاحا على https://www.solidarites.ch

  • ما هي الجوانب من الميراث الماركسي التي عدت نهائيا في عداد الماضي وماهي تلك التي تبدو دائما صالحة في الوقت الراهن؟
  • أود أن أبدأ بتوضيح وتمييز فكرة الميراث نفسها. ليس هناك ميراث، ولكن
    عدة مواريث: الماركسية “الأرثوذكسية” (للدولة أو للحزب) والماركسية “المبتدعة”، ماركسية علموية (أو وضعية) وماركسية نقدية (أو جدلية)، أو ما أسماه الفيلسوف ارنست بلوخ ب”التيارات الباردة” و “التيارات” الساخنة” للماركسية. لا يتعلق الأمر باختلافات بسيطة في القراءة والتأويل، ولكن بخطابات نظرية باطنها سياسات مضادة. الميراث، كما ردد جاك دريدا مرارا، ليس ما ننقله أو نحفظه، انما هو ما صنع به الورثة وما سيصنعون.
  • اذن، ما هي الأشياء التي فقدت صلاحيتها في نظرية ماركس؟
  • أريد أولا أن أقول بنوع من النزعة التفاؤلية السوسيولوجية : فكرة أن التطور الرأسمالي يؤدي ميكانيكيا الى تطوير طبقة عاملة دائما أكثر عددا وتركيزا، دائما أفضل تنظيما وأكثر وعيا. قرن من الخبرات أظهر أهمية الانقسامات والتمايزات في صفوف البروليتاريا. وحدة الطبقات المستغلة (بفتح الغين) ليست معطى طبيعيا، ولكنها معركة وبناء (متواصلان).
    بعد ذلك، أعتقد أنه ينبغي استئناف تفكير عميق حول مفهومي دكتاتورية البروليتاريا وأفول الدولة. هذه مسألة معقدة لأن الكلمات اليوم ليس لها نفس المعنى الذي كان لها تحت ريشة ماركس. في ذلك الوقت، كانت الديكتاتورية، في قاموس الأنوار، معارضة للطغيان. كانت تعني مؤسسة رومانية جليلة: سلطة استثنائية مفوضة لفترة محدودة، وليست سلطة تعسفية غير محدودة. بديهي أنه بعد ديكتاتوريات القرن العشرين العسكرية والبيروقراطية، فقدت الكلمة هذه البراءة. بالنسبة لماركس، كانت الكلمة تعني ابتكارا عظيما: قوة استثنائية ذات أغلبية لأول مرة، مثلت كومونة باريس،بحسب كلماته، “الشكل الذي تم العثور عليه أخيرا”. إذن، عن تجربة الكومونة هاته (وعن جميع أشكال ديمقراطيات “القاع”) يجب أن نتحدث اليوم. مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا لا يحدد عند ماركس نظاما مؤسسيا محددا. كان لها بالأحرى معنى استراتيجي، المعنى الذي يؤكد على قطع الاستمرارية بين النظام الاجتماعي والقانوني القديم وبين النظام الجديد: “بين حقين متعارضين، للقوة كلمة الفصل”، كما كتب في “رأس المال”. من وجهة النظر هاته، ديكتاتورية البروليتاريا هي الشكل البروليتاري للدولة الاستثنائية.
    وأخيرا، كثيرا ما نسمع ذلك أن ماركس كان يمكن أن يكون (أو كان) اقتصاديا بارعا، أو فيلسوفا رائعا، ولكن سياسا تافها. أعتقد أن هذا خطأ. ماركس على العكس من ذلك مفكر سياسي ولكن ليس كما يلقن للطلبة في “العلوم” التي يقال عنها سياسة، وليس باعتباره تكنولوجيا مؤسساتية (بالمناسبة، في القرن التاسع عشر، لم توجد أنظمة برلمانية في أوروبا – لنضع بريطانيا العظمى جانبا – ولا أحزاب سياسية بالشكل الحديث الذي نعرفه). لقد فكر بالأحرى في السياسة كحدث (الحروب والثورات) وكإختراع من الأشكال. هذا ما أسميه “سياسة المضطهدين”: سياسة الذين تم استبعادهم من دائرة الدولة التي تختزل فيها البرجوازية السياسة المهنية. إذا كانت هذه الفكرة الأخرى عن السياسة لا تزال اليوم شديدة الأهمية، فإنه لا يزال من النقاط الغامضة عند ماركس ما يؤدي الى تماس كهربائى بين لحظة الاستثناء ( “ديكتاتورية البروليتاريا”) ومنظور الأفول السريع للدولة (وللقانون!). هذا التماس الكهربائي يبدو لي حاضرا عند لينين (خاصة في كتابه “الدولة والثورة”)، الشيء الذي لا يساعد على التفكير في الانتقال من جوانبه المؤسسية والقانونية. ومع ذلك، كل التجارب في القرن العشرين تجبرنا من الآن على التفكير لفترة طويلة في التمييز بين الأحزاب والحركات الاجتماعية، ومؤسسات الدولة.
    أما بالنسبة لراهنية الميراث، فهي تبدو بديهية: راهنية ماركس، هي راهنية “رأس المال” و”نقد الاقتصاد السياسي”، راهنية فهم المنطق الحميمي وغير الشخصي لرأس المال ك”قاتل اجتماعي” «social killer». بل هي أيضا العولمة التجارية. كانت أمام عيني ماركس العولمة الفيكتورية: تطور وسائل النقل والاتصالات (سكةالحديد والتلغراف)، والفضاء الحضري والمضاربة المالية،والحرب الحديثة و “صناعة القتل”. نحن نعيش في مرحلة تشبه كثيرا المرحلة التي عاش فيها، مع ثورة جديدة في التكنولوجيا (الإنترنت وعلم الفضاء، المضاربة و الفضائح، الحرب الكونية، الخ.). ولكن بما أن معظم الصحفيين يكتفون بمجرد وصف سطحي للأشياء، يساعدنا النقد الماركسي على فهم منطقها (مرحلتنا)، منطق كثرة الانتاج والتراكم المتسارع لرأس المال.
    يساعدنا النقد الماركسي خصوصا على الذهاب إلى جذور الأزمة الحضارية: أزمة عامة بالقياس، أزمة اضطراب العالم. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن قانون القيمة – الذي يختزل كل ثروة في تراكم البضائع ويقيس الناس و الأشياء بزمن العمل المجرد – أصبح أكثر فأكثر “بئيسا” (الكلمة لماركس في ال”Grundrisse”)، بحيث أن العقلنة الجزئية للعمل والتقنية تترجم الى لاعقلانية شاملة مستشرية. الأزمة الاجتماعية (يتولد عن الإنتاجية الاستبعاد والفقر، ولا تترك وقتا حرا ) والأزمة الإيكولوجية (لا يمكن إدارة الموارد الطبيعية على مدى قرون وألفيات بواسطة “قرارات تحكيمية” آنية من البورصة أو من ناسداك)، هما نموذجان صارخان لذلك.
    وراء هذه الأزمة التاريخية، التي تهدد مستقبل كوكب الأرض ومستقبل الإنسانية كنوع، هناك حدود محايثة لعلاقات الملكية الرأسمالية. بينما يكون إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى، تصبح خصخصة العالم (ليس فقط الصناعات، ولكن الخدمات، الفضاء، المعيشة، والمعرفة) عائقا أمام التنمية وإشباع الحاجات. بخلاف ذلك، تقديم خدمات عمومية ذات جودة، تنمية مجانية الحصول على بعض المنتوجات والخدمات، المطالبة ب”خير مشترك للبشرية” (في مجال الطاقات، والولوج الى الأرض والماء والهواء والمعرفة)، كل ذلك يعبر عن ضرورة (إرساء) علاقات اجتماعية جديدة.
  • ماهي المشاكل النظرية التي يتعين اليوم على الماركسيين حلها؟
  • سوف أتحدث عن مشاكل يتم الاشتغال عليها، عوض حلها. لأن حلها ليس نظريا خالصا، ولكنه عملي. إذا كان موجودا، فهو نتيجة خيال وخبرة الملايين والملايين من الناس. من ناحية أخرى، هناك من الأسئلة التي يتوجب العودة إليها والبحث فيها على ضوء قرن من التجارب ما لم يكن بامكان ماركس ولا إنجلز ولا أي من الآباء المؤسسين أن يتصوروها.
    لنبد أولا، بالمسألة البيئية. هناك لدى ماركس نقد لتصور مجرد عن تقدم في اتجاه واحد (في الصفحات الأولى من ال”Grundrisse”)، كما له فكرة، في إطار العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، عن أن كل تقدم له وجه آخر من المضار العكسية والتراجعات (فيما يتعلق بالزراعة في “رأس المال”). ولكن لا هو ولا إنجلز، لا لينين ولا تروتسكي دمجوا حقا مفاهيم العتبة والحدود. منطق جدلهم ضد التيارات المالثوسية الرجعية دفعهم للمراهنة على الوفرة لتذليل الصعوبات.
    ومع ذلك، فإن تطور المعارف جعلنا نعي بمخاطر اللامعكوسية والاختلافات في الحجم. لا أحد يستطيع أن يتأكد اليوم من أن الضرر الذي لحق بالنظام الإيكولوجي، والتنوع البيولوجي، والتوازنات المناخية، سوف يكون قابلا للإصلاح. يجب تقويم نوع من الاعتزاز البروميثي (نسبة الى بروميثوس) وتذكر، كما أشار ماركس في المخطوطات الباريسية لعام 1844، أنه إذا كان الإنسان “كائنا طبيعيا بشريا”، فلأنه أولا كائن طبيعي، يعتمد بالتالي على موئله الإيكولوجي. إذا كان يمكن للنقد الماركسي أن يتغذى اليوم من الأعمال التي رأت النور في مجالات بحثية أخرى (مثل أعمال Georgescu-Rötgen)، فإننا نعاين في السنوات الأخيرة “إيكولوجيا-اجتماعية” مهمة مستوحاة من النقد الماركسي (بيلامي-فوستر في الولايات المتحدة، جان ماري هاريبي أو حسون في فرنسا، وغيرهم كثير).
    بعد ذلك، يبدو من المهم أن نفكر في العواقب الاستراتيجية للتغييرات الجارية في الظروف المكانية والزمانية للسياسة. هناك أدبيات نظرية وفيرة حول مسألة الزمن، سواء فيما يتعلق بالإيقاعات الاقتصادية (دورات، تداول رأس المال، تدبير اجتماعي، الخ)، وفيما يتعلق بتناقض الأزمنة الاجتماعية (أو ما أسماه ماركس من قبل ب”الزمن المضاد” و بلوخ ب”اللامعاصرة”)، بين زمن سياسي، وزمن قانوني، وزمن جمالي ( يجب أن نضيف اليوم زمنا طويلا خاصا بالإيكولوجيا).
    في المقابل، رغم العمل الرائد لهنري لوفيفر، لم يثر الإنتاج الاجتماعي للفضاءات الاجتماعية سوى أبحاث نطرية قليلة. مع ذلك، تقوم العولمة اليوم بإعادة تنظيم المقاييس المكانية، بإعادة توزيع أماكن السلطة، وتنتج أنماطا جديدة من التنمية غير المتكافئة والمترابطة. أبان ديفيد هارفي عن أن لدى ماركس هناك مسارات مثيرة للاهتمام في هذا الاتجاه، وطور ملاءمتها فيما يخص أشكال الهيمنة المعاصرة للإمبريالية التي، بعيدا عن تحقيق “الفضاء السلس” والمتجانس للإمبراطورية (كما يقترح توني نيغري)، أدامت واستخدمت التنمية غير المتكافئة لصالح تراكم رأس المال.
    وسيكون الموضوع الرئيسي الثالث هو العمل وتحولاته، سواء من وجهة نظر تقنيات إدارة قوة العمل بواسطة إجراءات الرقابة الآلية، أو من خلال إعادة تركيب العلاقة بين العمل الفكري و العمل اليدوي. وقد أظهرت تجارب القرن العشرين بالفعل أن التغيير الشكلي لعلاقات الملكية الخاصة لم يكن كافيا لوضع حد للاغتراب في العمل ومن خلاله.
    البعض خلص من ذلك إلى أن الحل يتمثل في “نهاية العمل”، أو الهجرة (الهروب؟) إلى خارج نطاق الضرورة. هناك عند ماركس فهم مزدوج لمفهوم العمل: فهم أنثروبولوجي، بالمعنى الواسع، الذي يشير إلى علاقة التحول (أو “الاستقلاب”) بين الطبيعة والنوع البشري؛ وفهم محدد أومقيد، يقصد بالعمل العمل الاجباري، وعلى الأخص شكلا من أشكال العمل المأجور في التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية . بالنسبة لهذا المعنى المقيد، يمكن ويجب علينا أن نضع نصب أعيننا (تحقيق)هدف تحرير العمل والتحرر من العمل، إضفاء الطابع الاجتماعي على الدخل من أجل الوصول إلى ذبول الشكل المأجور. ولكن لا يمكننا لذلك إزالة ال”عمل” (حتى لوأطلقنا عليه اسما آخر) بمعناه العام كنشاط لامتلاك وتحويل البيئة الطبيعية. يتعلق الأمر إذن بالتفكير في الأشكال التي يمكن بموجبها أن يصبح هذا النشاط خلاقا، لأن من المشكوك فيه جدا أن تكون هناك حياة متحررة ومنفتحة إذا ظل العمل نفسه مغتربا.
    السؤال الرئيسي الرابع خاص بالاستراتيجية، أو بالاستراتيجيات، (الهادفة) لتغيير العالم. فعلا، بعد لحظة قصيرة من الغبطة والثمالة، غداة سقوط جدار برلين وانفجار الاتحاد السوفياتي، فقد الوعد الليبرالي مشروعيته. الخسائر الاجتماعية والبيئية (الناجمة) عن المنافسة التجارية “غير المزورة” تكشف في كل يوم عن حجمها. حالة الحرب والاستثناء الدائمين هي فقط الوجه الآخر المنطقي لهذه الأزمة التاريخية. ظهور الحركات المناهضة للعولمة يعبر عن حالة إفلاس: العالم ليس للبيع، العالم ليس سلعة … (حدث ذلك) في أقل من خمسة عشر عاما بعد النصر المعلن نهائيا للرأسمالية (“نهاية التاريخ” الشهيرة وفقا لفوكوياما)، فكرة أن هذا العالم الرأسمالي الموجود في الواقع وغير الإنساني فكرة مقبولة على نطاق واسع. من ناحية أخرى، هناك شك قوي جدا حول طرق تغييره من دون إعادة إنتاج (رقعة) الشطرنج والرسوم الكاريكاتورية لاشتراكية القرن العشرين.
    دون التخلي عن مركزية صراع الطبقات ضمن تناقضات النظام، يجب إذن التفكير في تعددية هذه التناقضات وهذه الحركات وهؤلاء الفاعلين. يجب التفكير في تحالفاتهم وفي تكاملية الاجتماعي والسياسي دون الخلط بينهما. كما يجب استرجاع إشكالية الهيمنة والجبهة الموحدة المتروكة كورش (مفتوح) من قبل نقاشات الأممية الثالثة ومن قبل “دفاتر السجن” لغرامشي. يجب توطيد العلاقات بين المواطنة السياسية والمواطنة الاجتماعية…جدول أعمال كبير، لا يحرز تقدما الا بمساهمة تجارب جديدة في الكفاح والتنظيم.
    بالطبع – ولكن أشير لهذا ضمنيا في النقطة السابقة – ينبغي قياس المدى الكامل للظاهرة البيروقراطية في المجتمعات الحديثة، وتجذرها على نحو عميق في التقسيم الاجتماعي للعمل. ثمة فكرة سطحية تحمل على الاعتقاد بأن ظاهرة البيروقراطية هي نتيجة حصرية
    للمجتمعات المتخلفة ثقافيا، أو نتاج الأشكال التنظيمية (بما في ذلك التنظيم في “أحزاب” سياسية). في الواقع، بقدر ما تتطور المجتمعات بقدر ما تنتج أشكالا مختلفة من البيروقراطية: بيروقراطيات الدولة، بيروقراطيات إدارية، بيروقراطيات المعرفة والخبرة. التنظيمات الاجتماعية (نقابات، منظمات غير حكومية) ليست أقل بيروقراطية من الأحزاب. يمكن للأحزاب (سواء أسميناها أحزابا، حركات، جمعيات، لايهم) أن تكون وسيلة مقاومة جماعية للإرشاء بالمال وللتعيين بالوساطة (لأن بيروقراطية الوساطة شكل جديد من أشكال البيروقراطية).
    يصبح إذن أمرا حاسما التفكير في وسائل تجريد السلطة والسياسة من طابعهما المهني، للحد من تعدد الولايات الانتخابية، والغاء الامتيازات المادية والمعنوية لضمان التناوب على المسؤوليات. ليس هناك في هذه المسألة سلاح أو ترياق مطلق. يتعلق الأمر بتدابير اليقظة والحد من الميولات البيروقراطية، ولكن الحلول الحقيقية تتوقف على المدى البعيد على التغيير الجذري لتقسيم العمل وتقليص حاسم من وقت العمل القسري.
    للاشتغال على هذه القضايا، توجد موارد هامة – في كثير من الأحيان غير معروفة أو منسية – لدى ماركس وفي التقليد الماركسي. لكن هناك أيضا أدوات مهمة للتفكير قادمة من التيارات الفكرية الأخرى، من الاقتصاد، من علم الاجتماع، من الإيكولوجيا النقدية، من دراسات الجندر (مقاربة النوع)، من الدراسات ما بعد الاستعمارية ومن التحليل النفسي. سوف لن نتقدم إلا بالحوار مع فرويد، مع فوكو، مع بورديو، ومع آخرين كثر.
  • في التسعينيات، انتشر رأي على نطاق واسع، وفقا له لم يعد التناقض بين العمل ورأس المال هو الصراع الرئيسي في المجتمعات المعاصرة. هل أنت موافق؟
  • هناك عدة طرق للجواب على هذا السؤال. الرأي الواسع الانتشار غالبا ما يستمد حججه من تطور سوسيولوجي، و من معاينة تراجع نسبي، في البلدان المتقدمة، من حجم البروليتاريا الصناعية ضمن القوى العاملة. هذا التراجع حقيقي (في فرنسا تم الانتقال من 33٪ إلى 25٪) لكن لا يزال هناك ربع من السكان نشيطا؛ وعلى المستوى الدولي هناك بالأحرى تطور شامل للبروليتاريا الحضرية.
    يتغذى غالبا الإحساس بسقوط البروليتاريا، أواختفائها في أسوإ الأحوال، من تعريف ضيق، بل عمالي، للطبقات الاجتماعية انطلاقا من مقولات سوسيولوجية تصنيفية. إلا أنه، عند ماركس، لايتعلق الأمر بسوسيولوجيا وضعية للطبقات ولكن بعلاقة اجتماعية دينامية، علما بأن الطبقات لا وجود لها إ لا في صراعها. إذا نظرنا إلى العلاقة بملكية وسائل الإنتاج، إلى شكل و مستوى الدخل المأجور، إلى المكانة (المحتلة) في التقسيم الاجتماعي للعمل، وإلى الغالبية العظمى من الأجراء في القطاع الثالث (التجارة، الخدمات، التأمينات، الخ…) (التي تتكون أكثر فأكثر من النساء)، وهم بروليتاريون بالمعنى الأولي الذي أعطاه ماركس لهذه الكلمة سنة 1848، نجد أن البروليتاريا الباريسية التي تناولها (كتاب) “صراع الطبقات في فرنسا” لم تكن صناعية، ولكنها بالأحرى قريبة من العمل الحرفي في الورشات.
    لذلك نحن غالبا ما نخلط إضعاف التنظيم والوعي الطبقي (كنتيجة للهزائم السياسية والاجتماعية) بأفول لا رجعة فيه للصراع الطبقي. بعد هذا الكلام، ينبغي إيلاء أكبر قدر من الاهتمام للعقبات التي توجد من الآن أمام هذا التنظيم وهذا الوعي: خصخصة وفردنة الحياة الاجتماعية، مرونةالشغل، فردنة زمن العمل وأشكال المكافأة، ضغط البطالة والهشاشة، اللامركزية الصناعية والتغييرات (التي تطال) تنظيم الإنتاج …
    ومع ذلك تبقى العلاقة رأس المال / العمل مركزية في المجتمعات المعاصرة. من ناحية أخرى، أنا لن أستخدم مصطلح “الصراع الرئيسي” لأنه يميل إلى وضع التناقضات الأخرى في مكانة “ثانوية”. هناك بالأحرى سلسلة من التناقضات التي لا تتعلق بنفس الزمانية (من نفس الحقبة التاريخية)، ولكنها متشابكة بشكل وثيق (أو “محددة تضافريا”، إذا أردنا استعمال لغة ألثوسير، بموجب منطق هيمنة رأس المال): علاقات الجندر (أو الجنس)، العلاقة بين الطبيعة والمجتمع البشري، العلاقات بين الفردي والجماعي. المشكل الحقيقي هو الربط بين هذه التناقضات.
    لماذا تلتقي تلقائيا النقابات، الحركات النسائية، الجمعيات البيئية، الحركات الثقافية، في المنتديات الاجتماعية؟ السر في ذلك أن الموحد الكبير بين هذه التناقضات المختلفة هو رأس المال نفسه، والسلعنة المعممة التي تتخلل مجموع العلاقات الاجتماعية. ولكن هذا التقارب يجب أن يتم باحترام خصوصية مختلف الحركات.
    علاوة على ذلك، هناك بعد للصراع الإيديولوجي في هذه المسألة. إذا قبلنا فكرة علماء الاجتماع مثل بورديو، التي بحسبها لا تدرك العلاقات الاجتماعية فقط في الحالة الطبيعية، ولكن تبنى من قبل التمثلات، فينبغي كذلك على هذه التمثلات أن تكون ذات أساس حقيقي. تمثل الاجتماعي اعتمادا على مصطلح الطبقات يستند الى حجج قوية، سواء كانت نظرية أوعملية. من المستغرب أيضا أن نتساءل غالبا عن وجود البروليتاريا من عدمه ، ولكن لا نتساءل أبدا عن وجود البرجوازية أو الباترونا: يكفي فعلا دراسة توزيع الأرباح وعائدات الوضعية للتحقق من وجودهما!
    التركيز على راهنية صراع الطبقات ذو رهان واضح: رهان بناء التضامنات بعيدا عن الاختلافات العرقية، القومية، الدينية، إلخ.. أولئك الذين لا يريدون سماع الحديث عن صراع الطبقات سيكونون في المقابل أمام صراع القبائل والإثنيات، الحروب الدينية، النزاعات بين الجماعات. وسوف يمثل ذلك تراجعا غير عاد، هو بالفعل في طور التفعيل في عالم اليوم بكل أسف. إن اضفاء الطابع العالمي على صراع الطبقات هو بحق الأساس المادي (وليس المعنوي بشكل خالص) للنزعة العالمية باعتبارها ردا من المضطهدين على العولمة التجارية.
  • كيف تتصور الحركات الاشتراكية الواسعة الانتشار حاليا وحقيقة كونها، بخلاف الأحزاب السياسية، تبدو أكثر قدرة حتى على تطوير المعارك ضد الرأسمالية؟ ما رأيك في مستقبل أحزاب بهذا الشكل، وكعناصر لبناء منظمة دولية؟
  • يجب أن نتفق على ما تعنيه هذه “الحركات الاشتراكية الواسعة الانتشار “. نحن على الأرجح في البداية الأولى من إعادة بناء نظرية وعملية للحركات التحررية، بعد قرن من المآسي والهزائم الرهيبة. إلى حد ما، يكون لدينا أحيانا الانطباع بالبدء مجددا من نقطة الصفر. إن حزبا مثل حزب العمال في البرازيل، الذي ظهر في أوائل الثمانينيات عند لحظة سقوط الدكتاتورية العسكرية، والناتج عن تصنيع سريع في سنوات السبعينيات، أمكن له أن يبدو مثل الاشتراكية الديمقراطية الألمانية الكبيرة قبل حرب 1914: كان يتمتع بطابع جماهيري وبتعددية إيديولوجية مقارنة.
    لكن نحن في بداية القرن الحادي والعشرين، والقرن العشرون كان موجودا، ولن يتم محوه. وهكذا شهد حزب العمال في أقل من ربع قرن عملية برقطة متسارعة وتم الزج به في لعبة التناقضات المعاصرة، وعلاقات السلطة، ومكانة أمريكا اللاتينية في إعادة تنظيم الهيمنة الإمبريالية، الخ.
    في المقام الأول، بالنسبة لمعارك المقاومة والمعارضة، تبدو الحركات الاجتماعية أكثر فعالية ووضوحا من التنظيمات الحزبية. ظهورها (الحركات الاجتماعية) يمثل بداية جديدة لدورة من التجارب التي بدونها لا شيء سيكون ممكنا. لكن، حتى وإن انتقد ماركس إيمان معاصريه ب”الوهم السياسي”، المتمثل في الاعتقاد بأن غزو (مجال) الحريات المدنية والديمقراطية كان آخر كلمة من التحرر الإنساني، يمكننا أن نلاحظ اليوم “وهما اجتماعيا”، مفاده أن المقاومة الاجتماعية لليبرالية، في غياب بديل سياسي، سوف تكون أفقنا الذي لا يمكن تجاوزه. هذه هي رواية “اليسار” عن” نهاية التاريخ “. ومع ذلك، فأزمة الرأسمالية قائمة، والتهديدات التي تشكلها على مستقبل البشرية والكوكب الأرضي قائمة، بحيث أن بديلا في مستوى الرهانات أمر ملح.
    هنا، يتعلق الأمربمسألة مشروع واستراتيجية سياسيين، تحملهما قوى محددة. سواء ناضلنا بجدية من أجل هكذا بديل، أو اكتفينا بمجرد الضغط على القوى الليبرالية الاجتماعية القائمة، وب”إعادة توازن” التنظيمات اليسارية عن طريق إزاحتها عن اليسار تدريجيا، وعندها سنضيف إحباطا على إحباط. من أجل بناء البديل الحقيقي – وسوف يكون طويلا، لأن التلعة المراد تسلقها وعرة – علينا أن نتسلح بالصبر، أن نتوفر على قناعات، وأن نتحلى بالحزم دون تعصب طائفي، وإلا فسوف يتم تدميرنا من قبل مغامرات بلا مستقبل، تحت ذريعة الواقعية، وتراكم خيبات الأمل.
    بالنسبة لإعادة بناء حركة عالمية، فهذه مسألة ما زالت فضفاضة أكثر. البعض يقارن الحركة المناهضة للعولمة، منتدياتها العالمية والقارية، ببدايات الأممية الاشتراكية الأولى: تجمع النقابات، الحركات الاجتماعية، التيارات السياسية الأقل تحديدا. فعلا، هذا موجود . والعولمة الرأسمالية – هذا هو جانبها الإيجابي – تدفع لتقارب دولي بين الحركات (تماما مثلما أن المعارض العالمية في القرن التاسع عشر قد أتاحت الفرصة لعقد الاجتماعات التي انبثقتت منها الأممية الاشتراكية الأولى ).
    ولكن هناك فرق. هنا، مرة أخرى، نعلم أن القرن العشرين كان موجودا وأن الانقسامات والتيارات السياسية التي هي نتاج هذه التجربة لن تتلاشى بين عشية وضحاها. ونحن لن نعيد ضبط العدادات عند الصفر. هذا هو السبب في أن تلك التقاربات واللقاءات مثل تلك التي تتم في المنتديات إيجابية وضرورية.
    لا أحد يستطيع التنبؤ اليوم بما سيترتب عن ذلك. هذا سوف يتوقف على المعارك، والتجارب السياسات الجارية، كما في أمريكا اللاتينية أو في الشرق الأوسط. نحن أبعد ما نكون عن استنفاد هذه المرحلة الأولى من إعادة البناء. هناك إمكانيات للتوسع في آسيا، وفي أفريقيا. ولكن شرط ودليل نضج هذه الحركة سوف يتجسدان في قدرتها على الحفاظ على الوحدة في العمل، وفي توسيعه حتى، دون تحديد أو فرض رقابة على المناقشات السياسية الضرورية. ومن الواضح أن المرحلة الأولى من المقاومة، ما أدعوه ب”اللحظة الطوباوية” ( قياسا إلى الحركة الاشتراكية التي ولدت في سنوات 1830-40)، قد انتهت.
    إن صيغة “تغيير العالم دون أخذ السلطة” شاخت مبكرا بعدما لاقت بعض الصدى في أمريكا اللاتينية بالأخص، دون أن يقتصر عليها الأمر). بينما ثبت اليوم أن أخذ السلطة ضروري لتغيير العالم. يصعب أن نتصور اليوم انعقاد منتدى اجتماعي يتفادى طرح أسئلة التوجيه السياسي ويرفض أن يستخلص حصيلة تقارن بالتجارب البرازيلية، الفنزويلية، البوليفية، …والكوبية. ويصعب أن نتصور منتدى أوربيا لا يناقش بديلا أوربيا عن الاتحاد الأوربي الليبرالي والإمبريالي.
    من هذا المنظور، يكون من المتناغم والمتكامل على أحسن وجه المساهمة في هذه التجمعات الموسعة والحفاظ على ذاكرة ومشروع محمولين على (عاتق) تيار سياسي له تاريخه الخاص وبنياته التنظيمية الخاصة.
    يعد ذلك أيضا شرطا للوضوح ولاحترام الحركات التوحيدية. التيارات التي تضطلع علانية بهويتها السياسية الخاصة هي الأكثر هيمنة. إذا كان صحيحا، كما ردد فيلسوف فرنسي، أنه لا توجد طاولة ممسوحة في السياسة، وأننا “نبدأ دائما من الوسط”، فعلينا إذن أن نكون قادرين على الانفتاح على الجديد دون الخروج عن خط التجارب المكتسبة.