أحمد رباص

في لحظة هاربة من الزمن الماضي القريب، شاركني فيسبوكيا الصديق سعيد تيركيت، ومن لا يعرفه، نصه السردي الذي اختار له من أحشائه هذا العنوان: “منخورا حد البهجة…سعيدا حد المهزلة…”
يبدأ هذا النص بوصف ذكي لأجواء غروب الشمس على شاطئ البحر مع إشارة رهيفة إلى طائر “عوا” كمبشر بقدوم فصل الصيف على شاكلة سنونو أرسطو الذي قال إن واحدا منه غير كاف ليبشر بفصل الربيع. ثم يتوالى السرد بوصف حالة الراوي النفسية المطبوعة بالشرود في هذا المكان الشاطئي المسكون بالصخور المصورة كأشباح تتصدى منذ الأزل لهجمات الموج العمياء، المأهول بنعيق النوارس.
يغوص الراوي في الحكي متبنيا ضمير النحن مما يوحي بأن بطل القصة ليس وحيدا وإنما بصحبة أنثى عشيقة. لنقرأ بمتعة وتمعن هذا المقطع القصير: “أعمدة الكون على وشك التهاوي على جمجمتي، تجاهلت الفكرة مستسلما للحظة، كنا من بعد قد شربنا في الحانة ما يسمح لنا بمقاومة رطوبة المساء القادم في غنج ودلال”.
انطلاقا من أبعاد هذه اللوحة التي توفق سعيد في رسمها، تأتي تباعا المشاهد الإباحية الحارة بين جسدين ظمآنين، مؤثثة لفضاء بحري خال من العيون المتلصصة. ما يشهد على هذا الهدوء الحافز لمزيد من الحب ما جاء على لسان البطل/الرجل/الفحل: “كان لي كل الوقت، في مأمن مؤقت من أصحاب الوقت”. وهنا يجدر إثارة الانتباه إلى أن سكينة المكان الذي اختلى فيه الذكر بأنثاه أوحت له بقصة آدم وحواء وكيف أغواهما الشيطان. وحتى أكون عمليا ذا حجة تسند قولي، دعوني أسوق لكم هذا المقطع الجميل:
“في لوحة عميقة الغور، والإحساس المفرط من الرومانسية…الصخور تحرسنا. الطيور…السحب البيضاء العابرة…آدم في يحتال على التفاحة…يأكلها، يقضمها…أثوابنا ابتلت برذاذ نثيب البحر..زبد المواج يلاحقنا…تراجعنا بخطوات ملونة…متعانقيين…متلاحميين…ملتصقيين…ما في الجبة غيرنا…ما أسخى الأثواب الهفيفة…”
في إطار تفاعلي مع هذا النص السردي الرائع، سارعت إلى الضغط على “جيم” حالما انتهيت من القراءة الأولى التي عادة ما تكون غير كافية وأردفت صنيعي ذاك بتعليق مقتضب هذا نصه: ” مكونات سجلك السردي بلغته الحركية الباذخة غنية، وبصراحة بدأت تثيرني كشكل أنفقت وقتا وجهدا لما سعيت وراء اكتسابه بدون جدوى في خضم صروف الدهر اللعوب..لهذا، أقرأ كتاباتك بدهشة المكتشف لأعز ما يطلب بعد رحلة أوديسية من البحث القلق..”
لكن الصديق سعيد تيركيت، تواضعا منه، اعتذر لصديق آخر يسمى إدريس براهمي كان قد دخل على الخط عن تلقيبه بالأستاذ قبل أن يرد عليه بهذه الكلمات:
“لا أفقه لا في النثر و لا في الشعر… أقتحم عوالم المجهول… أحاول ترويض حروف تعبر نفق داكرتي… و انا اترنح على ضفاف الوجع… عبثا أحاول التقاط بعض المعاني من محافل المعجمات و النواهل… أكتشف نفسي غريقا في مرات عديدة في وحل الكلمات…. لكني أحاول… تم أحاول ..”
بدوري، ناقشت سعيدا حول نفوره من كلمة “أستاذ” وكيف أن رفضه لها لا علاقة له بالتواضع، فكان تعليقي على الشكل التالي:
“لماذا، يا سعيد، ترفض بأدب أن يلقبك صديقك إدريس براهمي بالأستاذ وفي نفس الوقت تخاطبنا -أنا والصديق ادريس الذي استجبت لتوي لطرقاته على جداري- بلقب الأستاذ..
لنقف وقفة سيمنطيقية مع كلمة “أستاذ” في حدود علمي ومعرفتي وفي مستوى تجربتي العملية. نقول “أستاذ” لكل من يمتهن التعليم ولكل من يمارس المحاماة والتوثيق وبعض الناس يطلقون هذا اللقب على كل طالب نجح في الحصول على الاجازة من إحدى كليات الآداب والعلوم..
اذا أخدنا المعنى الأول للكلمة موضوع التحليل وهو المرتبط بمهنة التعليم، تستوقفنا ملاحظة يمكن التعبير عنها من خلال التطرق لتمييز شعبوي بين “المعلم” و”الأستاذ”..رسخ في أذهان العامة أن المعلم هو من كلف بتعليم أطفال المدارس الابتدائية في حين أن الآستاذ أسندت له مهمة تدريس الأطفال في السلك الثانوي..واذا قلت لهم بأن النظام الأساسي المعمول به ابتداء من 2003 خصص لقب “أستاذ” للعاملين بالتدريس في سائر أسلاك التعليم، مع إسناد اللقب بالسلك الذي يعمل فيه حامله، فنقول أستاذ التعليم الابتدائي وأستاذ التعليم الثانوي الإعدادي وأستاذ التعليم الثانوي التأهيلي وهكذا دواليك ومع ذلك يصرون على أن المعلم معلم والأستاذ أستاذ..وعبثا تحاول اقناعهم بأن كلمة “معلم” أصح وأشمل من كلمة “أستاذ”.
هنا تحضرني محاولة رفيق درب محمد عابد الجابري، أقصد المرحوم أحمد السطاتي، في اتجاه رد الاعتبار لكلمة “معلم” حيث أكد، في احدى حلقاته من سلسلة “نقط على الحروف” بجريدة “الاتحاد الاشتراكي”، على أن كل من يقدم دروسا أمام التلاميذ أو الطلبة يعد معلما لأنه يعلم للنشء مادة علمية تدخل في تخصصه، حتى ولو كان أستاذا جامعيا بلقي محاضراته على طلبة في المدرجات..شخصيا، كلما خاطبني شخص، أعرفه أو لا أعرفه، بكلمة أستاذ أشعر بافتخار مشوب بالعزم على ان أكون في مستوى هذا التثويج..
لن أختم هذا التعليق دون أن أشير الى زاوية مهملة من خلالها ينطلق المرء بتلقائية لمخاطبتك بهذه الصيغة الدالة على الاحترام والتقدير؛ ألا وهي ممارسة الكتابة الفاعلة والمناضلة المفتوحة بنطاق وسيع على المتلقين والمحترمة في نفس الوقت لذكائهم..لهذا، لا تستغرب إن ألفيت شخصا لم يسبق له أن قرأ لك شيئا ولم يجد أثناء التحدث معك عن كلمة “أستاذ” بديلا…لم يسبق له أن قرا لك، ولكنه سمع القراء يتحدثون عن صولاتك وجولاتك الفيسبوكية…”