الدكتور الطواوسا عزيز

الأمثال هي جمل صغيرة غنية المدلول، تختزل تجارب الحياة، وتعكس فكر وثقافة الشعوب. في هذا الصدد قمت بدراسة مقارنة بين الأمثال المعاصرة عند العرب ونظيرتها عند الفرنكوفونيين. وذلك بمقارنة نتائج البحث التي حصلت عليها بإدخال كلمتي “أمثال وحكم” بالعربية في محرك البحث google images، ثم كلمة “citations” كترجمة فرنسية لها نفس المدلول الاصطلاحي. وطالما لا يمكنني حصر كل النتائج قمت بجرد عشوائي تمثيلي للبعض منها échantillon représentatif aléatoire، سواء باللغة العربية كما هو ممثل بالأسفل لبعض الحكم أو بالفرنسية:

“حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق”
“قمة الثقة أن تصمت عندما يستهزئ بك الآخرون لأنك تعرف من أنت ومن هم”
“عندما تعلم أن ملوحة البحر لا تتأثر بكثرة المطر فكن كالبحر لا تتأثر بكلام البشر”
“لو كانت الرجولة بالصوت العالي لكان الكلب سيد الرجال”
“الكثير يعرفون التضحية ولكن هناك من يضحي لأجلك وهناك من يضحي بك”


أو الأمثال بالفرنسية والتي قمت بترجمتها فحصلت على النتائج التالية (دائما كعينة تمثيلية عشوائية)
“كل خطوة صغيرة تحملك إلى هدفك”
Chaque petit pas t’amène vers ton objectif

“يجب أن يكون دائما هدفك هو القمر ساعتها حتى إن فشلت ستقع فوق النجوم”
il faut toujours viser la lune. Car même en cas d’échec on atterit dans les étoiles

“لو أصغيت إلى نفسي لسمعتني”
Si je m’écoutais, je m’entendrais

“أرفض أن الخوف من الفشل يمنعني من فعل ما أريد”
Je refuse que la peur de l’échec m’empêche de faire ce qui m’importe vraiment

“من الأحسن أن نأخذ التغيير باليد قبل أن يأخذنا من الرقبة”
Mieux vaut prendre le changement par la main avant qu’il ne nous prenne par la gorge

“من يريد تحريك الجبال يبدأ بتحريك الحصى الصغير”
Celui qui déplace une montagne commence par déplacer de petites pierres

“لقد ولدت دون أن أطلب ذلك وسأموت دون أن أرغب في ذلك فدعني أعيش كما أريد”
Je suis né sans le demander je bais mourir sans le vouloir alors laisse-moi vivre comme je veux

مجرد المعاينة الأولية تبين أن هناك اختلافا جليا بين مواضيع الأمثلة العربية ونظيرتها بالفرنسية. فالأولى تتمحور أكثر حول الآخر، منشغلة به وبنظرته إلينا، وفي الغالب تعكس نظرة سلبية عنه (كمراقب ومزاحم ذو نية سيئة…إلخ). بينما الثانية وأقصد بها الأمثال باللغة الفرنسية تتمحور أكثر حول الذات منشغلة بها. تتمثل الوجود كذات ملقاة في هذا العالم تصارع الحياة وتصارع النفس ورغباتها وضعفها للوصول إلى غايتها المنشودة.

كيف نفسر إذن هذا الاختلاف الكبير بين النظرتين للحياة؟

العامل الأول:
نتيجة للفقر والمشاكل والهشاشة الاجتماعية التي سادت في فترة معينة من تاريخنا العربي الحديث، ونظرا لقساوة ظروف الحياة التي كان يكابدها الآباء خارج البيت من أجل لقمة العيش. اتسم كثير منهم ببعض القسوة سواء اتجاه زوجاتهم أو اتجاه أبناءهم. ما اضطر هؤلاء للارتباط بأمهاتهم كثيرا. إما بحثا عن مصدر للأمن والأمان أو كدعم للأمهات في مواجهة الآباء. خصوصا وأن الأمهات أنفسهن ربات بيوت بدون عمل يشغلهن أو يحققن لهن ذواتهن. فكان كل استثمارهن مركزا على الأبناء مع انتظار العائدات. إحدى تجليات هذا الارتباط الأمومي من جانب الأبناء الذكور مثلا هو مساكنتهم للأبوين حتى بعد أن يشتد عودهم، وأحيانا حتى بعد أن يتزوجوا، وقد يستمر بعضهم في علاقته الانصهارية بأمه فيسعى لتعويضها عن سنين الحرمان وعن تضحياتها بتقديم زوجته كقربان لها تعمل على خدمتها وطاعتها في السراء والضراء، ظالمة أو مظلومة (مفهوم السخط والرضا). في بيئة يعتبر فيها الاستقلال السكني أو العاطفي عن الأم، أو تمتع الزوج مع زوجته بعيدا عن أهله بمثابة خيانة لها وتخلي عنها.

كل هذا أدى إلى سيادة نوع معين من الشخصيات السلبية على غرار الشخصية الاعتمادية personnalité dépendante والشخصية السلبية العدوانيةpersonnalité passive-agressive ، والتي تتسمان بفقدان الثقة بالنفس، وعدم الفاعلية، وكذا التمركز حول الآخر والاهتمام بنظرته إلينا كعامل أساسي في تشكيل فكرة عن الذات.

على العكس من ذلك، فالشاب الأوروبي مثلا والذي عاش لفترة ما، نوعا من التوازن النفسي في كنف أسرته، ثم نجح بعد ذلك في قطع الحبل السري معها، استطاع الخروج إلى العالم ليخوض غمار حياته في استقلالٍ تام عن ماضيه.

العامل الثاني المحدد لاختلاف النظرتين للحياة بين العربي والغربي هو نمط العيش والبناء الجغرافي. فبينما يعيش الأوروبي بصفة عامة في شقة لوحده ويغير سكنه كلما غير عمله أو وظيفته متنقلا من مكان إلى آخر دونما ارتباط بمكان معين. ظل الإنسان العربي ولمدة طويلة مرتبطا بالمكان وفيا له. يعيش حتى سن متقدمة في نفس الحي مع نفس الرفاق والجيران وأحيانا حتى بعد أن يتزوج. لهذا يظل مرتبطا بالآخر الجار الذي يعرفه كل المعرفة ويتقاسم معه الكثير من الذكريات المشتركة، حتى يصير جزءا من كيانه متعلقا به معتمدا على رأيه وحكمه.

لكن بقدر ما أن العلاقات الجوار تكون حميمية بقدر ما يسودها ويغلب عليها التوتر في كثير من الأحيان. فلكل إنسان منا مساره الخاص في الحياة، إلا أن الناس لا تفتأ تقارن نفسها بغيرها، وخصوصا بالأشخاص الذين يعرفونهم جيدا وتعودوا عليهم، وبصفة عامة، فإن من يفشل في حياته، يرغب دائما في رؤية الآخرين فاشلين، حتى لا يحس بخيبته، فالمصيبة إن عمت هانت. لهذا تجد في الأحياء الصغيرة المنغلقة الكل يرقب الكل (ما يسمى بالدارجة بالحضية)، وتجد الأعين تتتبع كل من حقق طفرة ولو صغيرة في حياته حسدا وبُغضا، فلا يعترفون له بالنجاح (مطرب الحي لا يطرب)، وتتآمر عليه الألسن لتَلُوكه وتغتابه كيما تتمكن من تشويه سمعته نميمة وغيبة لتقلل من نجاحه أو حتى تسعى لتدميره إن سنحت لها الفرصة بذلك.

بالمقابل، الإنسان الغربي غير مرتبط بجاره، ويجهل ماضيه ولا يعلم عنه إلا حاضره، وبالتالي يتعامل معه على هذا الأساس، فليست هناك مقارنات بالماضي، ولا بُغض ولا نميمة ولا حسد، فعالم الإنسان الغربي غير مؤثث بالأشخاص العينيين. بقدر ما هو فضاء يسكنه الإنسان الرمزي. فهو حينما يتقن عمله ويتميز فيه مثلا وينجح، لا يفكر في ابن عمه محمد ولا في ردة فعل يوسف ابن الحي…إلخ. بل يتمثل الآخر المعجب بنجاحه المثني عليه كإنسان عام غير مشخص. وهو بذلك يحاول إرضاء تصور رمزي عن الإنسان أو الإنسانية. وبالتالي فإن المبادئ التي تشكل ضميره هي مبادئ لاشخصية يحملها معه أينما حل وارتحل، فهي لا تتعلق بمحمد أو يوسف. بل داخلية مستقلة لصيقة بصاحبها، سواء كان داخل الحي أو خارجه. على عكس الإنساني العربي المرتبط بالمكان والأشخاص، والذي يمكن أن يغير من قناعاته وسلوكه متى ما خرج من دائرة الرقابة اللصيقة التي يشكلها مجتمعه الضيق.

هذه المنظومة العلاقاتية التي رأينا والتي يتسم بها الإنسان العربي، ينقلها معه حتى إلى مجال عمله، فعوض أن يكون العمل عبارة عن مهمات des tâches محددة منوطة بكل فرد يؤديها على أكمل وجه عارفا ما له وما عليه. في احترام تام للآخرين، وبتنسيق معهم تجد أن مكان العمل هلامي بدون مسؤوليات محددة واضحة أو ربما متداخلة، وهو فوق ذلك عبارة عن حي صغير، حيث هذا يُراقب هذا، وذلك يراقب تلك، هذا يقارن نفسه بالآخر ويشتكي متذمرا أنه يعمل أقل منه، وذلك يرفض أداء عمل لا يدخل ضمن مهماته ويلقيه على غيره، والآخر يرى أن الأول يستفيد أكثر منه بالعطل وأنه يحظى بمحاباة رئيس العمل…إلخ. وفي الأخير تؤدي الصراعات المستمرة إلى نشوء لوبيات مصالح عشائرية (قبلية) داخل ميدان العمل يتآمر بعضها ضد بعض. نفس الشيء في النقابات والأحزاب وكل المؤسسات الاجتماعية.

في الختام. إن التطور الديمغرافي والتحولات الاجتماعية وكذا تحول نمط الحياة بتغيراتها المتسارعة. سينحو لا محالة بالمجتمع العربي نحو مزيد من الاستقلالية عن الآخر، ونحو نمط أكثر فردانية على غرار نمط حياة الإنسان الغربي.