أحمد رباص – حرة بريس

بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى الذي يصادف الثلاثاء 21 يونيو بالنسبة للسنة الحالية، أقترح بسط سؤال العلاقة بين الموسيقى والأخلاق، للإجابة على هذا السؤال، سوف نركز على فلسفة أفلاطون التي اولت للموسيقى أهمية خاصة.
في كتابه «الفيلسوف وفن الموسيقى» يصف «جوليوس بورتنوي» الدور الذي لعبه الفلاسفة في تاريخ الموسيقى بالسلبي والمذموم، لما فيه من إخضاع للموسيقى وجماليتها تحت سطوة العقل والمنطق، ممّا شكّل عقبة أمام تقدم الموسيقى.
ولكن قبل الخوض في تفاصيل هذا الدور وأبعاده، دعونا نطرح سؤالًا – رغم بداهته – يستحق الوقوف عنده: ما هي الموسيقى؟
إذا عرّفنا الموسيقى بطريقة مباشرة ومبسطة، سنجد أنها عبارة عن أصوات إيقاعية ونغمية منظمة، لكن هل هذه الأصوات المنظمة وحدها تُمثِّل الموسيقى؟
يجيب «جوليوس» في كتابه بـالنفي، فهو يرى أنه “من واجبنا ألّا نتصور أبدًا أن هذه الرموز هي الموسيقى ذاتها، وإلّا كنّا نخلط بين الرمز وما يدل عليه. فالموسيقى هي ما يُنتِجه العازف بالأنغام والإيقاعات على آلته، وهي في أساسها لحن وإيقاع يثير انفعالاتنا، ويُوقِظ خيالنا، وقبل هذا كله، فالموسيقى هي ما نضيفه نحن أنفسنا على هذه الألحان والإيقاعات من تجربتنا الخاصة ومن آمالنا وأمانينا”.
إذن، فالموسيقى ليست فنًا قائما بذاته – إن صح التعبير – فهي لا تكتفي بالدور الذي يؤديه صانعها، لا تكتفي بمبادئها وقواعدها الأساسية، تحتاج إلى طرف ثانٍ يُكمِّل دور الصانع الأول (الفنان)، هذا الطرف هو المتلقي الذي بدوره يتفاعل معها ويُضفي عليها شيئا من تجربته التفاعلية الخاصة.
ومن هنا يمكننا القول: لا توجد موسيقى حزينة أو سعيدة، نحن المتلقون منْ نُضفي هذه السمة على الموسيقى، من خلال ما تثيره فينا من مشاعر وانفعالات
كان يُنظر فى الأصل إلى الموسيقى بطريقة شبه أسطورية على أنها فن أوحت به مباشرة وخلقته ربة الفن «موزي» Muse.
وعلى الرغم مما تتضمنه هذه المبادئ السابقة من مواقف سلبية من الموسيقى، فإنها تنطوى على اعتقاد راسخ بقوة تأثير هذه الفن على الإنسان، وبأن الموسيقى قوة هائلة يستطيع الإنسان أن يستغلها فى الخير والشر على السواء، ويمتد نفعها أو ضررها حتى يشمل المجتمع بأسره، وما يسوده من نظم اجتماعية وسياسية. لذلك كان الفلاسفة والمفكرون – منذ عهد أفلاطون – ينظرون بعين الحذر إلى هذه القوة السحرية الجبارة، ويحاولون وضع الضمانات التى تكفل استخدامها لأغراض تلائم القيم التى يدعون إليها.
أكد أفلاطون (428-348 ق.م.)
على وجوب اطلاع الأطفال على الفن والأدب والموسيقى، حيث ظنّ أن مثل هذه المواضيع ستعزز شخصيتهم لأن الفن يشكّل وسيلة لتعليم الأخلاق والقيم الفضيلة.
لقد كان أفلاطون أشهر فيلسوف غربى يرى أن الموسيقى – بمعناها الكلاسيكى والحديث – ينبغى أن تستخدم من أجل تحقيق الأخلاق الصالحة، ولم تكن أراؤه عن مكانة الموسيقى فى المجتمع المنظم أصيلة تماما؛ كما أنه لم يكن أول من بحث فى التأثيرات الأخلاقية للموسيقى على الشخصية والسلوك الإنساني، ومع ذلك سيظل شخصية تاريخية فذة ينبغى أن نتخذها نقطة بداية فى كل بحث للفلسفة الجمالية للموسيقى فى الحضارة الغربية.
رأى أفلاطون أن الموسيقى هى أرفع الفنون على أساس أن تأثير الإيقاع واللحن فى الروح الباطنة للإنسان أقوى من تأثير الفنون الأخرى. وعلى ذلك لابد من الانتفاع بهما فى تربية النشء وتشكيل الشخصية وإعداد العقل للدراسة الرفيعة وهى دراسة الفلسفة.
حدثت خلال حياة أفلاطون تجديدات موسيقية متعددة لم يقبلها ولم يتحملها، وإنما كان يتقبل فقط تلك الطريقة التقليدية التى يُكتب فيها شعر غنائى يُتلى أو يُغنى بمصاحبة الموسيقى.
وفي نظر هذا الفيلسوف اليوناني، تعتبر الموسيقى قانونا أخلاقيا، إنها تعطي الحياة للروح، والأجنحة إلى العقل، وتنقلك إلى الخيال، وتلهم السحر والإبهار بالحياة وكل شيء من حولنا.
لقد قارب أفلاطون الموسيقى في محاورة مشهورة هي”الجمهورية”، حيث جعلها جزء أساسيا من التعليم. فإذا كانت الموسيقى كذلك،كما رأى أفلاطون، فلأن الإيقاع والانسجام مناسبان بشكل خاص لاختراق الروح ولمسها بقوة. من خلال جمعهما بفرح في روح المرء لتتغذى عليهما ويصير الإنسان بالتالي فاضلا، رافضا للرذائل تماما، وكارها لها منذ الطفولة، قبل أن يتمكن من إدراكها من خلال العقل. وعندما يأتي العقل ، فإننا نتبناه ونتعرف عليه كأحد الأقارب مع كل الحنان الذي كنا قد تشبعنا به في الموسيقى، كما نقرأ في “الجمهورية”.
لكن، كيف نظر أفلاطون للعلاقة بين الموسيقى والكون؟ عموما، اعتبر الفلاسفة أن الموسيقى نقطة انطلاق لفهم طبيعة الكون، وتمهيدا لدراسة الفلسفة. وبصفة خاصة، رأى أفلاطون وأتباعه في الموسيقى فنًا يُحاكي الواقع، بينما جعل تلميذه أرسطو منزلة الموسيقى تعلو على الواقع.
ربط أفلاطون الإيقاعات الموسيقية ربطا وثيقا بالكون والعلاقات بين البشر؛ فالعزف والإيقاع الناشز بالنسبة له يؤديان حتما إلى غياب الانسجام والأُلفة بين البشر. فهو يرى أن للإيقاع الموسيقي أثرا كبيرا على النفس البشرية وانفعالاتها، ومن هنا انبثق اهتمامه وحرصه الشديدان على أهمية تسخير الموسيقى لمصلحة الفرد وتقويم سلوكه الأخلاقي.
وهل يكمن في رؤية أفلاطون تطويق للموسيقى؟ على سبيل الإجابة، نقول إن أفلاطون ناقش في كتابه «الجمهورية» عددا من المبادئ والآراء الفلسفية، التي وضعها لتقييم وتصنيف قيمة الموسيقى، منها التأثير الأخلاقي للموسيقى، ويعني مدى ميل الألحان والإيقاعات إلى زيادة الفضائل أو الرذائل في نفس المرء.
كما أدرك التأثير النفسي للموسيقى، أي قدرة الموسيقى على تعزيز وتثبيط معنويات المتلقي. وخلص بالتالي إلى ضرورة قيام علاقة سليمة بين الأنغام والكلمات، وإيثار الموسيقى المصاحبة للغناء على الموسيقى الخالصة في معظم الأحيان.
إلا أن أفلاطون شك، كما مر بنا، في قيمة التجديدات الموسيقية، ونظر إليها بعين الحذر على أساس أن التجديدات في هذا المجال قد تؤدي إلى اضطراب في النفوس، وبالتالي إلى اختلال في نظم الدولة.
كان لهذه الآراء تأثيرها الكبير على رأي الكثير من الفلاسفة عن الموسيقى ونظرتهم السلبية لها، ومنهم الفيلسوف الألماني أوسفالد شبينغلر الذي رأى أن الموسيقى ليست إلا وجهًا للحضارة الغربية، والتي باعتقاده تشهد تدهورا كبيرا، وأن الفن لاسيما الموسيقى قد انتهى زمنه.
ولكن في المقابل، هناك قلة قليلة من الفلاسفة ممّن رفضوا ربط الأخلاق بالموسيقى، ومنهم تلميذ أرسطو أرسطو كسينوس، الذي لم يقبل أي معيار ميتافيزيقي أو أخلاقي أو حتى رياضي لتقييم الموسيقى، واكتفى بالقيم الإنسانية الجمالية للموسيقى.
امتد تأثير آراء أفلاطون الموسيقية، التي ناقشها في كتابه “الجمهورية”، إلى قوانين الكنيسة والدولة، حيث تم اعتماد كل من تلك الآراء كمبادئ جمالية أساسية للموسيقى. وكان ذلك واضحا في فتوى البابا بيوس التي قضت بأن هدف الموسيقى الحقيقي هو “زيادة فعالية النص حتى يتسنى له أن يُحرِّك في نفس المؤمن مشاعر التقوى بمزيد من اليسر”.
ونلاحظ من آراء أفلاطون الموسيقية أنه يضع على عاتق الموسيقى مسئولية أخلاقية، ويربط الذائقة الموسيقية بسلوك الفرد ومستوى تعليمه؛ فأفضل أنواع الموسيقى عنده هي تلك التي تُبهِج الشخص الفاضل خُلقا وتعليما، أي أنه يضع معيارا أخلاقيًا لتقييم جودة الموسيقى، مُتجاهلا تماما الجانب الجمالي فيها، حيث ربط أفلاطون الموسيقى بتقويم سلوك الفرد.
لم يكتفِ أفلاطون بتسخير الموسيقى فلسفيا وأخلاقيا، بل عارض أيضا –بشدة- المحاولات الرامية إلى تجديدها، بحجة أنها قد تُلحِق الضرر والفوضى بالدولة، بحسب زعمه.
ويبقى السؤال: هل تخضع الموسيقى للأخلاق؟ في محاولة للإجابة عليه، نقول إن أفلاطون، على غرار فلسفة آخرين، أخضع الموسيقى إلى العقل، وبما يتماشى مع تعاليم فلسفته، فكانت النتيجة تطويق الموسيقى وحصرها في زاوية مُحددة.
لكن الحقيقة أن المهمة التي أوكلها الفلاسفة إلى العقل في هذا السياق لم يكن العقل مُؤهلا لها، وليست من اختصاصه في شيء؛ ذلك أن الموسيقى تقوم في جوهرها على المشاعر والانفعالات وليس المنطق أو التحليل.مع ذلك، فإن آراء أفلاطون الفلسفية وربطه الأخلاق بالموسيقى تدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل ثمة علاقة تربط الأخلاق بالموسيقى؟ وهل هناك موسيقى جيدة وأخرى سيئة من الناحية الأخلاقية؟
في مقالته “الأخلاق والموسيقى” ذكر الكاتب هالبرت هـ. بريتان أنه من الصعب التنبؤ بالقيمة الأخلاقية للموسيقى، لافتقارنا إلى معيار واضح وصريح يمكن الاعتماد عليه، هناك موسيقيون جيدون وآخرون سيئون، لكن هذا وحده لا يخبرنا بشيء حول القيمة الأخلاقية للموسيقى.
من المهم إذن أن نُفرِّق دائما بين الصانع والصنعة، الموسيقى وصاحبها (المُوسيِقي)، لأن هذا شيء وذاك شيءٌ آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما؛ فالموسيقى لا تمثل إلا نفسها، نغماتها، إيقاعاتها، والمشاعر التي تثيرها في نفس المتلقي.
إذن، فمحاولة التقييم الأخلاقي من خلال ربط المُوسيِقي بموسيقاه غير مجدية وغير سليمة تماما.
بقي أمامنا خيار واحد وهو تقييم الموسيقى لذاتها، وهذا بطبيعة الحال يُحيِلنا إلى حديثنا في بداية المقال عن طبيعة الموسيقى وماهيتها ووظيفتها، أو الدور الذي تلعبه. الموسيقى كسائر أشكال الفن، جوهرها جمالي، وهي غالبا ما تُخاطِب مشاعرنا وعواطفنا بطريقة مباشرة وبلغة مفهومة لدى المتلقين على اختلاف أجناسهم وأعراقهم.
إن تجربة الاستماع للموسيقى هي تجربة جمالية في المقام الأول، ولا يمكن تقييمها وتصنيفها إلا من هذا المنطلق.
إن مستمع الموسيقى له الحق أن يترك الجمال النغمي والنماذج الإيقاعية لحركة اللحن تسحره وتَخلب لبه، ومن الواجب خلال الاستماع ألّا يكون هناك شيء له قيمة سوى المتعة والنشوة التي تثيرها فينا الموسيقى، لأن هذه هي طبيعة التجربة الجمالية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube