حملت زيارة أوباما لمصر سنة 2009 دفعة قوية في اتجاه تعزيز دور المجتمع المدني و تشجيع الحريات و حرية الرأي و الصحافة والإعلام و حقوق الإنسان ، خاصة في صفوف الشباب العربي. و قد توجت هذه الزيارة بحدث له رمزية و دلالة ذات بعد سياسي و ثقافي أكبر ألا و هو اللقاء بطلبة الجامعات المصرية في أكبر صرح جامعي في العالم العربي بالقاهرة. أعطى هذا اللقاء دفعة رمزية و ثقة كبرى للشباب المصري و حتى العربي بشكل ضمني.
بدأت في ذات الزمان و في كل مكان من العالم العربي، احتجاجات فئوية تارة للنقابات المهنية بمختلف مشاربها و أخرى طلابية و احتجاجات للجمعيات المدنية والسياسية. كانت إرهاصات التغيير قادمة و ان المنطقة العربية مقبلة على حدث كبير سيغير من مجرى التاريخ. تميزت سنة 2010 بأحداث جسام من أهمها حادثة الشاب سعيد في مصر و الذي تحول إلى أيقونة احتجاجات شعبية كبرى تطالب بمحاكمة الجناة، و تطالب بترسيخ قيم العدالة و العدل و عدم التضييق على الحريات العامة والخاصة و حرية الرأي والتعبير.
لكن أهم حادثة ستقلب الأوضاع رأسا على عقب في كل العالم العربي، كانت حادثةالشاب البوعزيزي الذي انتفض ضد الظلم و الحكرة التي مورست ضده كمواطن تونسي حر من قبل أجهزة الأمن المحلية التونسية، مما اضطره إلى وضع حد لحياته. اعتبرت هذه الحادثة كالفتيل الذي أشعل كل ثورات الربيع العربي و التي كانت بدايتها من تونس.
عانت الشعوب العربية لعقود عدة و لأجيال متعاقبة في صمت رهيب من ظلم و جبروت و طغيان و استبداد الأنظمة العربية ،هذا التراكم من جراء المعاناة و الضغط الكبير أدى إلى انفجار شعبي تلقائي ،تحول إلى أكبر احتجاجات شعبية عرفها التاريخ في المنطقة العربية. احتجاجات عارمة كالسيل المنهمر، وضعت المنطقة العربية على كف عفريت و أدت إلى إسقاط بعض الأنظمة العربية، فيما اختار بعض الحكام العرب المواجهة الصفرية مع الشعوب العربية فاشتعلت حروبا أهلية، نجمت عنها مآس إنسانية و خلقت وضعا من عدم الاستقرار السياسي و الاجتماعي، أدى بدوره إلى انقسامات سياسية حادة أدت إلى تقاتل الفرقاء السياسيين فيما بينها، طمعا في غنيمة السلطة. كان للتدخل الخارجي اليد الطولى في كل الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، تدخل مصلحي فقط الغرض منه خلق وضع من عدم الاستقرار في المنطقة للظفر بثروات المنطقة العربية و بأبخس الأثمان.
المناورة السياسية و فن المراوغة كان اختيار أنظمة عربية أخرى، تلقت الرسالة و استطاعت ان تتعامل بدهاء و باحتيال مع الشعوب العربية فأقدمت على إصلاحات سياسية و دستورية صورية و ظرفية حتى تمر العاصفة بسلام، لتعود حليمة إلى عادتها القديمة في اقرب فرصة، و فعلا كانت التراجعات الكبيرة و الخطيرة مباشرة بعد الانقلاب العسكري في مصر 2013.
ساد جو من الإحباط معظم شباب المنطقة العربية و كل من آمنوا بفرصة التغيير للأحسن، فيما تعمقت الجراحات في كثير من دول المنطقة بسبب الفوضى الخلاقة و حروب بالوكالة و مآس خلفتها الحرب الأهلية في سوريا و الاحتراب في كل من العراق و ليبيا و كانت الخيبة كبيرة عندما أعلنت الحرب على اليمن، زعما من التحالف العربي إعادة الحكومة الشرعية للحكم في اليمن.
عاشت المنطقة العربية فصولا درامية و دموية، و توهجا و خفوتا للربيع العربي. فيما اشتعلت مناطق أخرى من العالم العربي و انطلقت انتفاضات شعبية كبيرة في كل من الجزائر و السودان أواخر عام 2019 توجت معظم هذه الاحتجاجات الشعبية بانهيار المنظومة الحاكمة و تمت تنحية كل من الرئيس بوتفليقة في الجزائر و الرئيس البشير في السودان. لكن المنقلبين أو من تسلموا الحكم في كل من الجزائر و السودان لم يخرجوا عن الدوائر الحكومية السابقة. و كلها تشتغل تحت وصاية الجيش او الجيش هو من يدير دفة الحكم بصفة مباشرة كما هو الحال في السودان أو من وراء حجاب كما في الجزائر.
كان لأزمة كورونا دور كبير في تهدئة الأوضاع في كل من الجزائر و السودان و بالتالي نقص الزخم الثوري نوعا ما بل خفت لأسباب صحية و لأسباب أمنية مشددة فرضت بسبب الموجات المتتالية لوباء كورونا.
عادت الاحتجاجات إلى الساحات الثورية في الجزائر بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس تبون بالرغم من المقاطعة الشعبية لهذه الانتخابات المهزلة و المفروضة من قبل جنرالات الجزائر.
في السودان، كان الاتفاق على تسليم السلطة للمدنيين بعد مرور المرحلة الانتقالية المحددة في سنتين، سنتين من اقتسام السلطة بين العسكريين والمدنيين، لكن العسكريين كانوا هم الحكام الفعليين للدولة السودانية، فيما كانت السلطة المدنية ستارا لتهدئة الأوضاع الداخلية و الخروج من الضغوطات الخارجية بأقل الأضرار في انتظار الرفع التام للعقوبات الاقتصادية و المالية المفروضة على السودان لاتهامها بتمويل الإرهاب الدولي والإقليمي.
لكن سرعان ما انقلب العسكريون على كل الاتفاقات و الالتزامات المبرمة مع المكون المدني في السودان. و أعادوا الأمور إلى نقطة البداية. كان واضحا تمسك العسكر بالسلطة منذ الوهلة الأولى و منذ قيامهم بالانقلاب على الرئيس عمر البشير، لكنهم مع تواصل الزخم الثوري في الشارع و تحت الضغط الخارجي، ذهبوا إلى الانصياع و تحالفوا على مضض مع المكون المدني، تحالف شكلي فقط للاستفادة من فك القيود عليهم من قبل الغرب و خصوصا ما تعلق بالعقوبات الاقتصادية، التي اضعفت السودان و ادخلته في بؤرة الدول العربية الفاشلة، زيادة على تعرض شعبها لمجاعات  لسنوات متتالية، بسبب الجفاف و لأسباب سياسية من أهمها سوء التدبير و غياب الحكامة الجيدة و الفساد السياسي و المالي و غياب الإرادة السياسية في البحث عن حلول تنموية تخرج السودان من أزماتها و حروبها الداخلية بين مكونات الشعب السوداني.
عاد الزخم الثوري إلى الشارع السوداني بعد إعلان البرهان تنصله من الالتزامات و الاتفاقات و من المسار و خريطة الطريق المتفق عليها مع المكون المدني، و ننتظر تطورات آخر فصول الثورة في السودان.
في تونس، كانت الأمور تبشر بالخير نوعيا، بالرغم من المناكفات التي شهدتها الساحة السياسية التونسية من قبل الفرقاء السياسيين، بالخصوص بين حزب النهضة و اليسار الراديكالي و العلماني بتونس و من يمثلون التيار الناصري و القوميين .
معركة صفرية باجندات مختلفة وايديولوجيات مختلفة، الخاسر الأول فيها هو المواطن التونسي و تونس فقط.
في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية الأخيرة، بالرغم من فوز النهضة، إلا أن الانتخابات الرئاسية حملت تغييرا على مستوى هرم السلطة و جاءت برئيس مغمور يدعي الاستقلالية و النزاهة الفكرية والسياسية. عمت البشرى كل أبناء المنطقة العربية متوسمين في هذا الرئيس الجديد، أن يوحد بين مكونات الشعب التونسي الفاعلة في الحقل السياسي و يجعل من الحوار أداة فاعلة و فعالة لتجاوز كل العقبات التي قد تحد من النهوض بتونس اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و حقوقيا. لكن الخيبة كانت كبيرة، فبدل الدفع نحو الخروج من التقوقع السياسي، دخلنا في متاهات سياساوية و اعتبارات قد تأتي على مكتسبات ثورة الياسمين. لكن الطامة الكبرى هي ذهاب الرئيس قيس سعيد إلى تبني خطاب عدمي ،خطاب اقصائي و استئصالي، خطاب الكراهية لفصيل سياسي معين. بل ذهب إلى حد إعلان نفسه الحاكم بأمر الله اي دكتاتور قرطاج الجديد .
 في ليبيا، الكل يترقب أن تسفر الاتفاقات السياسية بين الفرقاء السياسيين على إجراء انتخابات رئاسية و برلمانية تعود بالبلاد إلى وضع من الاستقرار السياسي، مما قد يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد الليبي و يدفع بالبلاد نحو تخطي الأزمة بسلام.
في مصر لايزال الانقلاب العسكري يترنح، و يبدو ان انسداد الأفق السياسي يرهن مستقبل مصر و ذلك بعدم الذهاب نحو مصالحة وطنية حقيقية تراعي مصلحة مصر اولا، و في غياب الإرادة السياسية من قبل العسكريين، مع امكانية تقديم تنازلات من الأطراف السياسية في الجهة المقابلة لا يمكن الحديث عن انفراجة في المنظور القريب.
ازماتنا لا نهاية لها، في المنطقة العربية من المحيط الأطلسي و حتى دول الخليج العربي. تعثر على المستوى الاقتصادي، لغياب رؤية تنموية واضحة ،تراعي المعضلات الاجتماعية و تجعل من التعليم والصحة قاطرة لكل تقدم مرتقب للمنطقة العربية. في المغرب الكل، كان يراهن على الإسلاميين لإخراج البلاد من تداعيات عقود ماضية من الفساد و سوء تدبير الحياة العامة و النهوض بالاقتصاد الوطني و القطع مع مخلفات و توابع سنوات الرصاص و الذهاب نحو إقامة نظام الحكامة و العدالة و دولة الحق و القانون. لكن الخيبة كانت كبيرة، لأن التراجعات في مجال حقوق الإنسان و الحق في الاختلاف و حرية الرأي و الصحافة والإعلام، زيادة على الفشل الذريع في خلق دينامية اقتصادية واجتماعية، جعلتنا نعود إلى أسوأ ما يمكن تصوره.
و على كل فالاوضاع في العالم العربي لا تبشر بالخير، نظرا لتفاقم مؤشرات الفقر و الفساد السياسي و المالي و غياب الإرادة الحقيقية لدى المسؤول العربي في التغيير المنشود. التغيير الذي يضمن الكرامة و العدالة الاجتماعية و العدل و الحق في الاختلاف و الحرية المنظبطة و حقوق الإنسان بصفة عامة.
مر عقد على انتفاضات الربيع العربي و دخلنا في عقد آخر و المنطقة العربية تراوح مكانها، لا تغيير في الأفق القريب، تتعقد الأمور تارة و تهدأ تارة أخرى. و إذا كان الحكام العرب يراهنون على الزمن، للتملص من أي تغييرسياسي مرتقب يحسب لهم لا عليهم، فإن الشعوب العربية لها نفس طويل و ستستمر في مقارعة النخب السياسية الحاكمة لحين وصول ذلك التغيير المنشود.
ثورات الربيع العربي، تخوض معارك التغيير للأفضل، في جولات بين النكوص تارة و البزوغ تارة أخرى ، حتى يصعد نجمها و تتحقق غايات و أهداف الربيع العربي :عيش كرامة حرية عدالة اجتماعية .

أحمد الونزاني

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube