بدر العسكي أستاذ التعليم الثانوي / جرف الملحة

يحكى أن طالبا هنديا أتم دراسته الثانوية بتفوق كبير، وكان عليه بعدها أن يغادر القرية نحو المدينة لإتمام دراسته الجامعية. لكن ظروف أسرته الفقيرة لم تكن تسمح بتوفير مصاريف الدراسة من كراء الغرفة وحاجيات المعيشة والتنقل وغيرها. وقف هذا الوضع عائقا أمام الطالب مما تسبب في تأزم وضعه النفسي حيث بدأ اليأس يدب في نفسه رويدا رويدا. وأثناء انغماسه في تفكير عميق في سبل إنقاذ مستقبله الدراسي وإحياء آماله وأحلامه، اهتدى الطالب إلى فكرة بدت لوهلة طوق نجاته الوحيد. تأبط شهادته وتوجه نحو تاجر في القرية، ذائع الصيت يعرفه القاصي والداني. المحل يعج بالزبائن، والتاجر يرحب بهذا، يبيع ذاك، موزعا ابتسامة سحرية على الجميع. ظل الشاب قرب المحل إلى أن فرغ من كل زائر. لم تسمح كرامته بمحادثة التاجر أمام الناس خشية أن يلقى طلبه آذانا صماء. ” تقدم يا بني، ما خطبك؟ “، قال التاجر. تقدم الشاب نحو التاجر وقال بنبرة خجلى: “سيدي، هذه شهادتي وقد نلتها بتقدير ممتاز كما ترى، لكن عسر حال أسرتي يمنعني من مواصلة مشواري الدراسي، وقد جئتك أعرض عرضا هو آخر فرصي لإنقاذ مستقبلي، وأرجو سيدي أن تقبله. أريدك أن تقرضني بداية كل سنة جامعية مبلغا من المال أسد به مصاريف دراستي على أن أرد دينك فور تخرجي وحصولي على وظيفة.” ابتسم التاجر، وأومأ برأسه قائلا: ” موافق”. بدت الكلمة كنور سطع فجأة وسط عتمة نفق مظلم. أطربت أذنه وخفق لها قلبه. مد التاجر يده إلى درج مكتبه وأخرج رزمة صغيرة من المال قائلا: “هذه دفعة هذه السنة”. بقي الطالب مشدوها لوهلة أمام تصرف التاجر. لقد أعد نفسه لاستفسارات كثيرة عن الضمانات والوقت ولماذا وكيف وما إلى ذلك. لكن التاجر لم ينبس ببنت شفة سوى ناطقا كلمة “موافق”. استلم الشاب المبلغ والفرحة تغمر وجدانه وقلبه. شكر التاجر كثيرا ووعده ببدل كل الجهود اللازمة للتخرج والحصول على وظيفة في أقل مدة ممكنة. لم يحرك التاجر ساكنا مرة أخرى ،بارك الإتفاق بابتسامة ثانية أوحت للطالب بالرضا، فمضى إلى حال سبيله.
مرت الأيام تلو الأخرى، رحل الطالب للمدينة، درس سنته الأولى ونجح بتفوق. عاد إلى قريته مطلع العطلة الصيفية حيث مكث مع أهله معينا إياهم على تدبر قوتهم اليومي. ومع بداية سنة جامعية جديدة، تكرر مشهد زيارة التاجر الذي رحب به مرة أخرى وسأله عن أحوال العيش في المدينة وأحوال الدراسة. سر التاجر بتفوق الطالب وحصوله على معدل عال. وسلمه بعدها مبلغا آخر من المال يكفي حاجيات سنة أخرى. أحس الشاب بغمرة من العطف والرعاية تعتريه من طرف التاجر، لقد وجد فيه سندا يرعاه ماديا ويمده بقوة معنوية تحفزه على مواصلة تحصيله العلمي بنفس الإرادة والعزيمة والتصميم.
مرت سنوات الجامعة الأربع على نفس المنوال، التزم التاجر بتمويل كل سنة دراسية والتزم الشاب ببدل أقصى الجهود ليتمكن من رد الدين يوما ما. وبالفعل، جاء اليوم المنتظر.
تخرج الشاب من الجامعة بميزة مشرفة جعلته من أوائل دفعته. تقدم بعدها لشغل وظيفة محاسب بإحدى أكبر الشركات بالهند، وقوبل طلبه بالإيجاب. بدا وكأن كل الأبواب التي كانت موصدة يوما صارت تفتح أمامه تباعا جزاء لمجهوداته، هو الذي شق طريقه بكد ومثابرة قل نظيرهما. وبعد شهرين من العمل في الشركة التي خصصت له راتبا محترما، فكر في زيارة خاطفة للقرية يبشر أهله فيها بتخرجه وعمله وينتهز الفرصة ليحمل لهم من المدينة بعض المشتريات من الألبسة والأطعمة والهدايا.
استقبلت الأسرة الخبر بفرحة لا توصف، سر الأقارب والجيران بما آل إليه مصير هذا الشاب القوي الإرادة والطموح. وقبيل عودته لعمله توجه الشاب إلى التاجر ليبشره هو أيضا، والأهم من هذا لكي يناقشه أمر سداد الدين الذي على ذمته. التقى الشاب التاجر وزف إليه بشرى تخرجه وحصوله على وظيفة مرموقة. فرح التاجر فرحا كبيرا بما سمع وتمنى له مزيدا من النجاح والتوفيق وأوصاه بوالديه وأسرته خيرا. هنا، خاطب الشاب التاجر قائلا:” قبل أن أودعك سيدي، أطلب منك رقم حسابك البنكي حتى أودعك مبلغ الدين الذي على ذمتي حال أن أتمكن من جمعه”. رد التاجر : ” عن أي دين تتحدث يا بني؟ أنا لم أعتبره دينا منذ اليوم الأول.””كيف ذلك؟ ماذا اعتبرته إذن ؟ إنه مبلغ كبير. وقد وعدتك منذ البداية أن أردك مالك كاملا…”
قال التاجر: ” قد اعتبرته أنت دينا، أما أنا فاعتبرتها يد عون أمدها لشخص في أمس الحاجة لها، وأنا اليوم لن أقبل منك أي مال. تكفي سعادتي بك وقد صرت ما صرت.”
كان وقع الكلمات يخترق عقل الشاب وقلبه، “أي رجل هذا الذي أنا أمامه ؟”
بقي متفاجئا مما سمع لبرهة، وأردف: ” لكن كيف لي يا سيدي أن أرد لك هذا الجميل؟ لم أتصور قط أن تصير الأمور هكذا. لقد كنت عازما أن أردك مالك وأشكرك فوق ذلك على صنيع لا أنساه ما حييت. “
رد التاجر: ” اسمع يا بني، إذا كنت تريد حقا أن ترد الجميل فافعل ما فعلت معك مع شخص آخر، دع عجلة الخير تستمر في الدوران”. يا إلهي كم كان وقع كلمات التاجر كبيرا في نفس الشاب. لقد تلقى دروسا لا تحصى في مؤسسات التعليم طوال حياته، لكن وقع هذا الدرس كان أكبر من أن يستوعبه بسهولة. عانق الشاب التاجر بحرارة ووعده أن يسير على نهجه، وأخبره أن صنيعه هذا سيبقى راسخا في ذهنه طول العمر، فقد تعلم الدرس جيدا.
في هذه الحياة ما هو أسمى وأنبل من كنز الأموال أو التباهي بالمناصب. ما جدوى أن تكون ذا بسطة من مال إن لم يكن للمحتاجين حظ منه؟ وما الطائل من أن تكون ذا منصب وجاه ما لم يكن منصبك جسرا تسلكه نحو مساعدة الآخرين؟ راحة النفوس في إراحة النفوس والسعادة عطاء لا أخذ. ما الإنسان إلا مستخلف في المال والمنصب، اليوم عندك وغدا إلى غيرك يصير. لتبقى العبرة ما أثر عن النبي الأكرم: ” خير الناس أنفعهم للناس.”

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube