بقلم محمد بلعيش

قال الرّفيق “كنّا نأمل أن يقابلوننا في القمّة…”، فتساءلت في خلدي هل مازالت القمّة شاهقة ” لا يلقّاها إلّا ذو حظّ عظيم” أم أنّ عوامل التّعريّة والانفتاح نحتت هضبة على مقاس المصالح، تصلها كلّ متردّيّة ونطيحة وما عاف السّبع؟ هل مازالت المبادئ راسخة ضاربة جذورها في عمق الفكرة الاتّحاديّة، أم نبتت فطريّات سامّة تحت رطوبة “مول الشكارة”؟
قبل أن أتوغّل كثيرا في حسرتي على فكرة نهشتها القبائل “الزحفطونيّة” المدجّجة بكل أنواع العهر السّيّاسي والمساومة والرّيع وهلّمّ انتهازيّة… أريد أن أوضّح شيئا جوهريّا، ألا وهو أنّ الرّوّاد قدّسّوا الحياة الشّخصيّة للخصوم قبل الرّفاق. بل كان الاتّحاديّ يدخل السّجن برأس مرفوعة، ويعلم علم اليقين أن الرّفاق سيتكّفلون بالقفّة والدّواء ويصونون الأمانات والأعراض أكثر ممّا قد يفعل هو ذاته مع أسرته. ومن تتلمذ على مذكّرات الرّواد بقلب سليم، يستحيل أن يمرّ على هذه الخصلة الاتّحاديّة دون أن تصيبه العدوى بدرجة أو أخرى. أن تكون اتّحاديّا يعني أنّك روّدت نفسك على الفصل بين ما هو سيّاسي وما هو إنساني وما هو مهني في علاقاتك مع الآخر.
ولأنّ المناسبة شرط، فرغم اختلافي الشّديد مع تقديرات وتوجّهات الأخ “دريس لشگر” منذ أن انعطف نحو العدالة والتّنميّة سنة 2007 ليهبط بعدها بسلام في مدرج وزارة العلاقات مع البرلمان و”البرلمان أمان” – كما كان يردّد السّي عابد رحمه الله- رفضت أن أخوض في حياته الشّخصيّة، أو حياة أسرته. بل تصدّيت غير ما مرّة بوجه مكشوف لتلك الأصوات الّتي كانت تريد الزّجّ بأولاده في المعركة نكاية فيه. وشعاري كان وما يزال وسيظلّ هو قوله تعالى: “ولا تزر وازرة وزرة أخرى”.
كان لابدّ من هذا التّوضيح، لأقول للرّفيق أنّنا نختلف مع توجّهات الأخ “دريس لشكر” ومعكم كمساعدين له، ولكنّنا ما نزلنا على القمّة ذاتها، نحمل القيم الاتّحاديّة الأصيلة ذاتها، نشتم عبق الوردة الاتّحاديّة ذاتها كما روتها دماء المهدي وعمر وكرينة وعشرات “أبطال بلا مجد” ممّن نعرف ونجهل في أدغال المغرب المنسي، لكنّك وغيرك كثر -ممّن كنّا نتّخذهم قدوة في الملتقيّات التكوينيّة- من سلكتم البرغماتيّة طريقا فتشابهت عليكم القمم، وتهتم في ليل السّيّاسة البهيم، وألجمت البرغماتيّة جموح نضالكم وقنّنت صدقيّتكم.
جميل أن ينتفض صاحب المقال ضدّ أولئك الّذين “انقضّوا بسعار منقطع النّظير على صورة برية، ممثّلين بأجساد شخوصها، مشهّرين بأعراض وأنساب وأصول وفصول أصحابها”، لكن كان سيكون للانتفاضة معنى لو كان قد تصدّى قبل ذلك ل”بني كلبون” الّذين نهشوا الأخت “حسناء أبو زيد” كأفواج ذئاب جائعة، وطعنوها في وطنيّتها، وجعلوها “ناقصة عقل ودين” تماما كما يفعل حفدة قتلة عمر بنجلون، لا لشيء سوى أنّ زوجها يخدم الوطن من موقع آخر. تركوا كلّ مطارحاتها الفكريّة جانبا وقالوا فيها مالم يقله مالك في الخمرة. أين كانت الأخلاق الاتّحاديّة حينها وتامغربيت وتامسلميت؟ أليست أعراض الاتّحادّيات والاتّحاديّين سواء؟ أم أن البرغماتيّة كانت تقتضي عدم إغضاب الزّعيم حينها؟
جميل أن يزبد ويرغد صاحب المقال للجسد الّذي “حوّلته الحقارة والضّحالة والسّفالة إلى سفسطة تفكه وتنذر”، لكن أين كانت هذه الحميّة عندما نهش “بني كلبون” جسد الأخ محمد البوبكري، ووضعوا جانبا إسهاماته الفكريّة، وفصّلوا مليّا في مرضه بل وتندّروا به دون خجل؟
جميل أن تتصدّى يا رفيق ل “الانحطاط الأخلاقي والأدبي والدّيني والقيمي والإنساني في أجلى تجلّياته”، لكن كان سيكون لهذا الحديث معنى لو أنصفت زميلك في المكتب السّيّاسي حينها، ورئيس الفريق الاشتراكي شقران أمام الّذي أفرد له “بنو كلبون” مقالات وتدوينات كثيرة استباحت كلّ شبر منه ما عدى ورقته الفكريّة.
لم يترك “بنو كلبون” لاعبّاس بودرقة، وحسن نجمي، ولا محمد الأشعري، ولاعلي بوعبيد، ولا أحمد رضا الشّامي ولا عبد الكريم بنعتيق ولا عبد المقصود الرّاشدي ولا مليكة طيطان ولا أيّ مناضل أو مناضلة قالوا لا للمسخ التنظيمي، ولا لاغتيال الدّيمقراطيّة، ولا لطمس الهويّة الاتّحاديّة.. لكنّك وغيرك كثر ممّن نقدّرهم ونعزّهم خذلتمونا عندما كنتم انتقائيّين في الجهر بالحق والحق واحد لا يتجزّأ ولا يتغيّر ولا يبهت بفعل الزّمن. خذلتمونا عندما كان “بني كلبون” ينهشون المناضلين بينما تلوذون بصمت القبور. خذلتمونا عندما لم تقولوا ل “بني كلبون” رفقا بالمناضلين والمناضلات فهم أخواتنا وإخواننا تجمعنا بهم مواقف نبيلة. خذلتمونا كثيرا، لكنّ القمّة الّتي نقف عليها تفرض علينا احترامكم، ومحبّتكم، وتقديركم رغم كل القراءات المختلفة للمرحلة، لأن ما يجمع الاتّحاديّين الأقحاح هو الفكرة، وهذا ما يجب أن تستحضروه جيّدا وتعيّه جيوش “بني كلبون”.
القمّة الّتي نقف عليها تفرض علينا أن نقول لكم: مؤسف أن يتحوّل المناضل إلى وكيل سيّاسي يعرف من قد يحصد المقعد الانتخابي، لكن ليست له الجرأة بأن ينافس عليه. محزن أن يصبح المناضل جنرالا مثقلا بكلّ الصّفات التّنظيميّة، لكن لا يجرؤ على النزول للمعارك الانتخابيّة. مؤسف أن يصبح السّيّاسي فطرا ساما ينبت في رطوبة سماسرة الانتحابات. ومؤسف..ومؤسف..ومؤسف..وما أكثر الأسف وما أعند الحلم.
نحن على ذات القمّة الّي دلّنا عليها الرّواد والوطنيّون والصّادقون والأوفيْاء للفكرة الاتّحاديّة ولن نحيد عنها مهما جار الزّمان، وتكالب علينا “بنو كلبون”. ولسان حال كلّ واحد منّا يقول:
” أَنَا يُوسُفٌ يَا أَبِي. يَا أَبِي، إِخْوَتِي لَا يُحِبُّونَنِي، لاَ يُريدُونَنِي بَيْنَهُم يَا
أَبِي. يَعتدُونَ عَلَيَّ وَيرْمُونَنِي بِالحَصَى وَالكَلَامِ يُرِيدُونَنِي أَنْ أَمُوتَ لِكَيْ
يَمْدَحُونِي . وَهُمْ أَوْصَدُوا بَابَ بَيْتِك دُونِي. وَهُمْ طرَدُونِي مِنَ الحَقْلِ. هُمْ
سَمَّمُوا عِنَبِي يَا أَبِي. وَهُمْ حَطَّمُوا لُعَبِي يَا أَبِي. حِينَ مَرَّ النَّسِيمُ وَلَاعَبَ
شَعْرِيَ غَارُوا وَثَارُوا عَلَيَّ وَثَارُوا عَلَيْكَ، فَمَاذَا صَنَعْتُ لَهُمْ يَا أَبِي؟
محمد بلعيش
بركان في 14 ماي 2022

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube