مصطفى الزين

هل يمكن أن نعتبر قصة “القط الأسود”* لرائد فن القصة القصيرة ، كتابة وتنظيرا ،الأمريكي ألن إدغار پو(1809-1849) ؛ نصا غائبا ، في قصة “خمارة القط الأسود”* من المجموعة بنفس العنوان(1969)، للروائي القاص المصري الكبير نجيب محفوظ(1911-2006)؟
هل يمكن أن نجزم أن نجيب محفوظ اطَّلع وقرأ قصة پو Poo، فيما قرأ من قصص هذا الرائد ، ثم ظلت تسكن ذاكرته ووجدانه ، أو تسكن لاوعيه ، لينسخط قط پو -المنسخط أصلا عنده – في قصة محفوظ داخل الخمارة؟ بعد ما يقارب مائة وثلاثين سنة؟
لا يمكن أن نجزم بالأمر، ولكني أرجح اطلاع وتأثر محفوظ بنص (پو )وقطه؛ اعتمادا على جملة من الملاحظات والقرائن:
ولنلخِّص ،بداية ، كلا من المتنين الحكائيين للقصتين:
يحضر القط الأسود في قصة پو، في وضعية الإنطلاق ، واحدا من بضع حيوانات استألفها البطل الراوي، الذي يقدم حكايته مع القط، باعتبارها حكاية غريبة عصية على الفهم والتصديق، في بيته، هو وزوجته التي تفيض عطفا وإنسانية( يحضر القط الأسود إلى جانب : كلب ، وبعض الأسماك ،والطيور ، وقرد..)،ولكن الراوي ينحرف ،ثقةً منه أن الانحراف هو واحد من النوازع الفطرية في القلب البشري ؛ بل واحد من الملكات أو المشاعر الأصيلة التي توجه سلوك الإنسان ؛ ينحرف الراوي بفعل إدمانه المسكرات ، إلى سلوك العنف ضد الحيوانات، وضد زوجته ،وضد القط الأسود (پلوتو) الذي كان يحظى عنده بتقدير و تقريب نظرا لذكائه العجيب.. فيحدث أن يقتلع ، في نوبة غضب، إحدى عينيه.. ثم يريد أن يتخلص منه ، فيضع في عنق القط أنشوطة ويعلقله بشجرة بفناء البيت..لكن حريقا مهولا يشتعل بالبيت في نفس الليلة، لا ينجو منه الراوي وزوجته والخادم إلا بأعجوبة..لكن الغريب العصي على التفسير أنه ، في اليوم الموالي ، يكتشف أن البيت الذي انهار واحترق كليا ، ظل منه جدار واحد داخلي رقيق واقفا هو الجدار الذي كان يضع عند ه رأسه تلك الليلة ، والغرابة اللا تفسر تكمن في أنه وجد محفورةً ، على ذلك الحائط، الذي كان حديث الطلاء ، صورةُ ذلك القط، رغم أن الراوي يتوصل إلى بناء تفسير من الأحداث والتفاعل الفزيائي للعملية ..؟!
يستبد الندم بالراوي،وتعتريه الرغبة بالتكفير عن الذنب بتربية قط شبيه بپلوتو ، لكنه ينغمر أكثر في الانحراف..وذات مساء ، وهو في أحد أو كار الفسق الحقيرة ، يثير انتباهه شيء أسود فوق أحد براميل الشراب التي تؤثث ذلك الوكر..وعندما ينهض ليتبين ماهية ذلك الشيء ، يجده قطا أسود ضخما يشبه پلوتو تماما، إلا أن بقعة بيضاء منشرة على بطنه تميزه على الآخر المقتول..وعندما ينصرف الراوي يجد القط يتبعه متمسحا به حتى بيته ..والغريب، أيضا ، أنه يجده أعور مثل الآخر، بل الأغرب أنه عندما يتبين البقعة البيضاء المنشرة على بطنه ، يجدها تتخد ، تماما، شكل أو رسم المشنقة؟!
فتستبد بالراوي كراهية هذا القط والرغبة في التخلص منه بقتله..ولكنه كان يخشى من لعنته، فزوجته كانت تقول إن الحكايات الشعبية القديمة تعتبر القطط السود سحرةً متنكرين..غير أن الذي حدث هو أن الراوي الذي كان يحمل فأسا وينزل،هو وزجته إلى قبو البيت المحترق يريدان ترميمه ليسكنا به ، يتعثر في القط فيكاد يسقط على الدرج، فيشتد غضبه ، فيرفع الفأس ليهوي بها على القط غير أن زوجته تجذب يده فيفلت القط ،غير أنه يرفع الفأس، مرة ثانية،ويهوي بها على رأس الزوجة فيسقطها قتيلة دون حراك..
كيف سيتخلص الراوي من الجثة؟ إنه سيجذ ما يشبه فجوة مدخنة بالقبو مغلقة،فينزع قطع الآجر عنها ويسوي الجثة واقفة ثم، يسوي الآجر مع الحائط دون أن يترك أثرا بالجدار.. أما القط فإنه يختفي تماما ،ولكنه سيظهر هذه المرة ، شاهدا على الجريمة بعدما كاد البوليس ينصرفون دون أي قرينة ضد الراوي..لكنهم يسمعون صوتا صرخة طويلة خلف الجدار ، فيزيحون الطوب ليجدوا القط الأسود واقفا فوق رأس الجثة.!!
والراوي إنما يحكي لنا حكايته هذه الغريبة من سجنه..
أما في قصة “خمارة القط الأسود” عند محفوظ ، فإن أول ما تختلف به عن قصة (پو)، هو رؤيتها السردية وموقع الراوي؛ فالراوي يبدو محايدا،ولا محايثا كما عند پو، والرؤية إنما هي من خارج ترصد الأحداث والوقائع ، من حركات وسلوكات وأقوال وتلفظات.. ما يحدث ذات مساء داخل خمارة النجمة التي تستصبح شهيرة باسم قطها الأسود الضخم المدلل..
في ذلك المساء تكون الخمارة ممتلئة بزبائنها من محدودي الدخل، وهي توجد في أسفل عمارة ، عبارة عن غرفة مربعة يفضي إليها ممر مزدحم ببراميل الشراب الجهنمي الحقير، وتطل على فضاء خلفي عبر نافذة وحيدة بشباك حديدي تأكلها الرطوبة.. ؛ يحدث أن يحل بها رجل غريب ضخم أصلع قوي محدب ، ولكن ولا كرسي واحد شاغر، يحدج الغريب الزبائن ، ويختفي ثم يعود بعد برهة حاملا كرسيا هو كرسي الخواجة صاحب الخمارة ،فيسنده إلى جانب الباب ، ويبدو كما لو كان يحدِّث شبحا أو يحدث نفسه وهو يكرع كؤوس الشراب الجهنمي بنهم عجيب..غير أنه بعد ان يذهب إليه القط الأسود متمسحا كما مع سائر الزبائن ، يضرب بحذائه ضربة قوية على الأرض ، وينهض متوجها إلى الزبائن متهما متحديا ، يحاصرهم ويمنعهم من الخروج أو الانصراف رغم رجائهم وتضرعاتهم ، متهما إياهم بكونهم يريدون استغلال الحكاية..التي يبدو أنهم يجهلونها تماما ، أما القط الأسود الضخم فينسحب إلى النافذة فينام ، مدلِّيا ذنبه بين قضبان الشباك…ثم لا يجد أو لائك الزبائن من حل إلا أن يستأنفوا تجرع الكؤوس ، كما يعود القط إلى التمسح بالزبائن والتقاط ما يرمون به إليه..فيذهلون عن الرجل الغريب..فتحدث معجزة إذ تقهقر الحاضر حتى ذاب في النسيان ،وتحللت الذاكرة..وتداخل سر المكان بسر الهوية والكينونة..فيتنبهون إلى أن القط الأسود هو شيء محسوس لاشك فيه ، وهو الخيط الذي سيوصلهم إلى الحقيقة ..فهو قد كان إلاها على عهد أجدادنا..كان إلاها، ثم انسخط قطا ..لأنه ، ذات يوم ، جلس على باب الزنزانة وأذاع سر الحكاية..فكيف ، إذن، لقطٍّ أن يتكلم؟ فلربما كان أفضى إليهم بالحكاية ! ولكنهم ضيعوا الوقت في البكاء والغناء..!
وفجأة،يصيح الجرسون الهرم، برجل نائم: “اصح ، يا كسلان، وإلا هشمت رأسك” ، فينهض ذلك الرجل الضخم الغريب حزينا فيجمع القناني وينظف الموائد وما تساقط على الأرض ، ثم ينصرف دون أن يلتفت إلى سؤال : ما الحكاية..؟
يبدو -إذن- أن القصتين مختلفتان، اختلافا بينا ؛ في موضوعيها وانشغالات كل منهما، ورهاناتهما..
فلا جريمة ولا عنف ولا نوازع نحو الانحراف،فطرية أو غير فطرية، في قصة محفوظ وشخصياته؛ فحتى الخوف أو الرعب الذي أشاعه الغريب في نفوس زبناء الحانة..ظل عند حدود التهديد والوعيد ..بل إنه انصرف حزينا كسيرا صامتا بعدما نظف موائد وأرضية الحانة..وكذلك الزبناء ، فهم متحابون متوادون منسجمون مسالمون ..لا يريدون سوى صرف هموم بؤسهم وهم كونهم ذوي عيال وفاقة..على النقيض تماما من قصة (پو) التي انتهت بقتل البطل زوجته ودفنها ..وانتهت به في قعر السجن نادما حسيرا..
والقط، قط الخمارة المحفوظية، قط يظل سليما معافى بعينيه ،لم يلحقه أذى لا من صاحبه الخواجة ولا من الزبناء ولا من الغريب..قطا مدللا..على النقيض، من قط پو الأول الذي فقئت إحدى عينيه ،ثم تم شنقه، وحفر صورته بجسده على الحائط..أو القط الثاني الأعور ، أيضا، والذي أفلت من ضربة الفأس، ثم تم دفنه مع الجثة ،قبل أن يفضح القاتل وينتقم لسلفه..
وبينما يحمل قط پو إسما(پلوتو) ؛فإن خمارة نجيب محفوظ، تسمى على القط الأسود،وهو الاسم الذي ينسخ اسمها الأول (نجمة)،فالقط يسمي ولا يسمى،في قصة محفوظ.
وإذا كانت قصة پو تبدا بلغز حكاية القط الغريبة، أي تبدأ بعقدة؛فإن قصة محفوظ تتدرج نحو التلغيز، من خلال الرجل الغريب المرعب،ثم لغز الحكاية وعلاقتها بالقط وبالغريب،الذي يزاح عنه الرعب،وتضفى عليه المسكنة والذلة.
ولكن بين القصتين وشائج وتشابهات وانعكاسات..وتصاديات..
بينهما القط،هو نفسه أسود ضخما..عند پو حسب الحكايات الشعبية،فإن القطط السود هي سحرة،قبل أن تنسخط..؛ والقط في قصة محفوظ كان إلاها قبل أن ينسخط أيضا، كان يعرف سر الحكاية، ولكنه جلس يوما على باب الزنزانة، وأذاع السر ،وربما هو حدث أولائك الزبناء بالحكاية ،لكنهم كانوا عنه غافلين..ونعرف رمزية القط في الحضارة المصرية القديمة..
ألا يمكن أن نلاحظ مدى التشابه أو التقارب بين فضاء وهندسة خمارة القط الأسود، والقبو حيث قتل بطل قصة پو زوجته ودفنها ودفن معها،دون أن يدرك، القط الأسود الأعور الثاني؟ إنهما فضاءان متشابهان في الإسفال ،أو التحتية، في الرطوبة واللون،كما تمثل النافذة ،عند محفوظ ،أو تنوب عن فجوة ما كان مدفأة ،حيث دفن بطل پو الزوجة والقط..؛بل يمكن أن نذهب إلى أن محفوظ شكل،عن طريق اللاوعي القصصي المنسخط،فضاء الخمارة من القبو ومن الوكر حيث وجد بطل پو القط الثاني،نسيخ أو سخيط الأول، حيث كانت براميل الشراب الجهنمي مصفوفة هناك،كما هي مصفوفة هنا عند محفوظ،في المدخل المفضي إلى الخمارة أسفل العمارة..

اريد أن أخلص ، من خلال هذه المقارنة، إلى أنْ لا أحد له سلطة على الحكاية، أو على رمز ، لتسجيلها ،أو تسجيله،ماركة باسمه، أو باسم براءة اختراع، بل لا مجال للسبق واللحق، إلا أن تكون القصة والتجربة مستنسختين، معادتين، بينما القصة هي بمثابة قطة، بسبع أرواح ؛تموت في أحد النصوص،أو في إحدى الحكايات ، ثم تنبعث ،بروح ثانية منسخطة،أو (منس/قطة) في نص قصة أخرى عند هذا أو ذاك من القصاصين المبدعين، كما هو الأمر بين الرائد الشاعرالقاص الأمريكي ألان إدغار پو، و بين الروائي القاص العربي نجيب محفوظ ؛ بل إني لأزعم أن (پو) استمد فكرة القط الأسود، أو القطط السود التي كانت سحرة قبل أن تنسخط – كما ينسب ذلك إلى زوج بطله- من “الحكايات الشعبية القديمة ” ، وأي حكايات شعبية أكثر قدما من التراث القصصي العربي ، والشرقي عموما، الذي لا شك أن (پو) كان يستحضره ويستمد منه، وهو يبدع فن القصة القصيرة،أو ينظر لهذا الفن الرفيع.

*”قناع الموت الأحمر،وقصص أخرى” : ألن إدغار پو- إعداد وتحليل وتقديم:الدكتور رحاب عكاوي-دار الحرف العربي..-بيروت/لبنان-الطبعة الأولى2009-ص62..
** “خمارة القط الأسود”(مجموعة قصصية):نجيب محفوظ-طبعة دار الشروق الأولى 2006-ص 129..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube